حفل خطاب جلالة الملك محمد السادس بمناسبة عيد العرش 2025 بمجموعة من الرسائل المحورية القوية، لترسم معالم رؤية استراتيجية جديدة لما يُنتظر من الدولة والمجتمع في السنوات المقبلة.
خطاب جلالة الملك قدم قراءة مؤسسة للمرحلة القادمة، تحمل في طياتها تحولا عميقًا في فلسفة الحكم وفي طريقة التفكير في الدولة، وفي علاقة المركز بالمجال، والمواطن بالمؤسسات.
أولى هذه الرسائل، وربما أهمها على الإطلاق، هي أن التقدم في نظر المؤسسة الملكية لم يعد يُقاس فقط بمؤشرات الاقتصاد والبنى التحتية، بل بمدى شموليته وعدالته. “لا معنى للتقدم إلا إذا كان مشتركًا، في كل مكان ومن قبل الجميع.”
إنها دعوة صريحة إلى القطع مع منطق “المغرب النافع” و”المغرب المهمل”، وإلى إعلان نهاية مرحلة المغرب الذي يسير بسرعتين. وهذا ما عبّر عنه الخطاب بوضوح حين شدد على ضرورة إطلاق “جيل جديد من برامج التنمية”، بمقاربة ترابية مندمجة، تضمن تكافؤ الفرص والمجالات، وترد الاعتبار للجهات المهمّشة.
ويبدو أن النموذج الجديد الذي يبشر به الخطاب الملكي، لم يعد قائمًا على منطق إعادة توزيع الموارد فقط، بل على إقلاع ترابي شامل، يجعل من كل إقليم وكل جهة فاعلًا رئيسيًا في معادلة التنمية. فجلالة الملك يدعو إلى “تجاوز النماذج الجامدة للتنمية المتجذّرة”، لفائدة مقاربة دينامية، تُبنى على الخصوصيات المحلية وتُفعّل من خلال الجهوية المتقدمة.
وفي انسجام مع هذه الرؤية، ينفتح الخطاب على محور اقتصادي وطني بالغ الأهمية، حين أكد صاحب الجلالة دخول المغرب إلى مصاف الدول الصاعدة، وهي عبارة ثقيلة في ميزان الخطاب السياسي الرسمي، وتدل على أن المغرب لم يعد يُنظر إليه كبلد يسعى إلى تجاوز العتبة، بل كدولة وصلت بالفعل إلى عتبة التموقع الدولي، وتشتغل الآن على ترسيخ هذا المكسب.
ما تحقق لم يكن صدفة، بل نتيجة مباشرة لرؤية ملكية استباقية وطموحة، استطاعت أن تحافظ على وتيرة النمو الاقتصادي رغم الرياح المعاكسة إقليميًا ودوليًا. فقد تضاعفت الصادرات الصناعية للمغرب منذ سنة 2014، وباتت المملكة قوة إقليمية في صناعات السيارات والطيران والطاقات المتجددة، إضافة إلى الصناعات الغذائية والسياحة، التي صارت رافعات رئيسية للناتج الداخلي الخام.
وما يُضفي بعدًا خاصًا على هذه المرحلة هو التحوّل في النظرة إلى المغرب كـ”أرض فرص”. فالمملكة أصبحت تتموقع كدولة موثوقة، ملتزمة، منفتحة، وذات جاذبية استثمارية، ترتبط اليوم بأزيد من ثلاثة مليارات مستهلك عبر اتفاقيات التبادل الحر، وتتوفر على بنية تحتية تضاهي كبريات الدول.
لكن ما يميز هذا الخطاب الملكي، هو أن الإقلاع الاقتصادي لا يمكن فصله عن الإقلاع الاجتماعي والمجالي. بمعنى آخر، لا معنى للمغرب الصاعد إن كان جزء من مجاله لا يزال غارقًا في الفقر أو العزلة أو الهشاشة.
من هنا نفهم الربط بين الأبعاد الثلاثة للخطاب الأخير: العدالة المجالية – الاقتصاد الصاعد – صورة المغرب الدولية.
فهي ليست محاور منفصلة، بل منظومة متكاملة، لا يكتمل أحدها بدون الآخر.
بهذا المعنى، لا يبدو خطاب العرش مجرد تقييم سنوي تقليدي، بل أقرب إلى لحظة سياسية تأسيسية، يُراد منها إعادة ترتيب الأولويات، وتصحيح مسارات السياسات العمومية، والدفع نحو نقلة نوعية في علاقة الدولة بمواطنيها ومجالاتها.
وفي نهاية الخطاب، تتجلى الروح الملكية الثابتة في التذكير بأن ما تحقق كان ثمرة تراكم واختيار، وأن الحفاظ عليه وتطويره رهين بقدرة الفاعلين والمؤسسات والمجتمع ككل على تحويل هذه الرؤية إلى واقع.



