الرََّجُلُ الذي بَلَعَ جُرْنَ الكُبَّة

د. خالد زغريت
أبو “جرن” مثل الفجر الكاذب يضيء لك الدنيا بعود ثقاب، فهو ماهر في إيهامك بكراماته التي تفرج كروب من داس ظله، وبمعجزاته في حلّ أية مشكلة تسدّ “أوزون” الأمل في عمرك، فهو يبلٍّط لك البحر بالإسفنج، ويصرخ بك: يا رجل، سموني حمّال الأسية، وأنا لها، أنت حط بالجرن “مشيراً إلى صدره” وأنا أبو جرن، متى تُدقّ الكبة يعرفوني، ويُعتّب ( أوف أوف.. قلبي يا مغارة ولِفَها “السبع” التي كان العظم ولِفها وصار “الحصيني” أمام عينها يلفّها، ويترك السبع تأكل من جوعها ذيلها،و رجل على رجل تلفّها، وتقول أكلنا الجمل بما حمل والتي عندها ذيل تلفَها).
ينهي مواله ويتنهد نهدة تحرق الملفوف، ويقول: قلبي مغارة مَن دخلها لا يحزن، ويصفع رقبته التي تشبه قازاناً صينياً ويقول: هذه جسر الأصدقاء لحلب نجم سهيل، ولأن الغريق يتعلّق بالقشّة، سوف يلحق أبا جرن إلى وراء بابه، وإن كان باب أبي جرن يفضي إلى مئة باب وباب، وهذا ما يجعل جسر الحديد ينقطع من دوس رجليك خلف ” دُوريّ”.
وعد أبي جرن الذي تحتاج إلى عمرين مع طلب زيادة لالتقاطه، لكنك تكتشف أنك تطارد معلم إبليس فيسأم لك أب وولد، و طيرُ الدُّوري كما هو معروف ورثَ الخبثَ أباً عن جدٍّ كما ورث أبو جرن اسمه من جده، ذلك على ذمة أجدادنا الذين يرون: أنه كان في الأيام السوداء بعد رحلة “غلوب باشا ” في الصحراء العربية لاصطياد “الفِرِّي” الأميري، لاحظ أن عصافير الدوري، تهزأ في اقترابها من مقامه السامي ناظرة إليه شذراً. قال له مستشاره حين نعق غضبه: سيدي يحكى أن الدوري طير يؤاخي الجن، وربما هو يحمل في جسده روح المتنبي الذي يقول:” فما تفلح عرب ملوكها عجم “.
ضرب كفاً بكفّ وقال: لنرجع من رحلة الصيد، والله سأخلي عظام المتنبي نكّاشات أسنان للدببة الإفرنجية، قم لتأمر الجنود أن يلتقطوا كلّ طيور الدوري وفراخها في البلاد لحرقها حية، ويروى: أنه حين كانت النار تلتهم الفراخ تشققت حجارة البتراء غيظاً، ولما لمْ يغضب البشر، أتى البلاد غضب أسود، فأمحلت الدنيا وعمّ الفقر الناس فتمنوا أن يكون لهم ذيولاً ليأكلوها.
يحكى أن بائعاً متجولاً كان يأتي إلى قريتنا على “طنبر”، ويقف شرقي القرية، فيأتي إليه الأطفال أو النساء للشراء، لأنه يأبى البيع للرجال، وكان يبيع علكة الطبخ ومرايا صغيرة وبكلاً ومسكاً و قضامة، ونكّاشات أسنان، مقايضة بالصوف، وحبوب الحنطة والعدس.
إذا كانت المقايضة بصوف فهو يُنزل من الطنبر ميزانه المكوّن من “قفتين” كل واحدة منهن بمنزلة كفة الميزان، وهي مربوطة بثلاثة خيوط قنب تنتهي بخشبة أسطوانية،لكن أبا جرن لا يستعمل الأوزان، فهو حين يزن يبسمل، ويقول: ويل للمطففين، الله يطرح البركة، ويطلب من المقايض أن يبدأ بوضع الصوف في قفة، أما في الأخرى فبدلاً من أن يضع أوزاناً يضع رجله ويقول: أنا وزنتُ رجلي وعايرتها، فيضغط بها إلى الأسفل، بينما المسكين المقايض يزيد الصوف في القفة الأخرى حتى يقول له أبو جرن: جاءت جاءت، استوى الوزن، هذا هو كيلو، و أربعة عشر غراماً ونصف، ماذا تريد بثمنها وقبل أن يجيب المقايض: يقول أبو جرن: خذ مرآة لأمك و نكاشة أسنان لأبيك، وعلكة طبخ لأختك ازحط قبل أن تقل بركتها.
أما إذا كان المقايض يحمل حبّاً، فإن أبا جرن يشبك يديه على شكل جرن ويطلب من المقايض أن يصب الحبّ بجرن يديه،فهو على ذمته قد عاير يديه، لذلك سموه أبا جرن متندرين من اختراعاته، فقد كان الفقر والجهل يعميانهم، لكنهم أدركوا فيما بعد كم كانوا ساذجين، فيتندرون مما كان يحدث معهم وخاصة من شرائهم نكاشات الأسنان، فقد كانوا لا يذوقون اللحم إلا من الحول إلى الحول في غداء ختان أو عشاء ميت، أو عرس، لكنهم يشترونها ليقفوا أمام بيوتهم، ويمعنوا في نكش أضراسهم ليوهموا جيرانهم أنهم تعشوا، أو تغدوا هذا الشهر لحماً، فالعادة في ضيعتنا؛ مَن يأكل لحماً يبقى ينكّش أسنانه شهراً قمرياً.
أما أبو جرن الحفيد فقد جاءه اللقب من بيعه أجران الكبة، فهو كما يدعي: أشهر بائع أجران كبة أنتيكا في الجهات الست، وبيّن لي ذلك على أرض الواقع حين دعاني إلى حفلة نميمةٍ على كأس متة، فراح يريني ما عنده من أجران تاريخية، فهذا هو الجرن الذي دقّ أهل الهرمل فيه كبة الحمام التي أهدوها لغاندي، فأطلق عنزته بعدما تعشى الكبة “الهرملية” وأعلن ثورته البيضاء.
أما ذلك الجرن الذي يأخذ شكل رأس بومة حبشية هو الجرن الذي طلب “مانديلا” أن تدقّ زوجته فيه كبة لحم الثور الأسود مع لحم الثور الأبيض، فهرست بنصرها؛ ولذلك طلقت زوجها قبل سقوط العنصرية؛ لأنها لم تجد في يدها الإصبع الذي تضع فيه خاتم الزواج بعد سبع عشرة سنة سجناً.
وأما الجرن المتربع في زاوية غرفة الاستقبال، فهو الجرن الذي دقّ فيه أهل “دارفور “كبة الحصان الفرعوني لمطربة وهبتهم أحد فساتينها خيمة للتآلف فتوحّد في ظله كل مشردي إفريقيا، وحين رأت عملية دقّ لحم الحصان في الجرن حياًـ لأن رجال دارفور لم يستطيعوا ذبحه فقد قطّعوا أياديهم حين رأوها ـ أبدعت أغنية الواوا. وذاك الجرن..وذاك وذاك..
حقاً ستدهش من الثراء التاريخي لأجران أبي جرن، فكيف لو حدثتكم عن الربابة التي عزف عليها قابيل ندمه، لاشك في أن رجلاً يمكنه استحواذ هذه الكنوز سيكون مهماً وذا شأن، فهل يصعب على مَن أرشد علماء متحف اللوفر إلى خلل البنية البيئية في الجوكندا، أن يتوسّط لطالب أوفد إلى فرنسا لدراسة الدلعونة الباريسية، فلم يوفّق، فمارس الحلاقة في الحي اللاتيني، فعُيّن رئيس شعبة الدراسات العليا في الجامعة العربية الأمريكية.
نفخ أبو جرن نفخة ذعرت عظام الفلاسفة في قبورهم، وقال بألم: أتدري أن جدي الذي يتندرون بميزانه، لماذا كان يطفف الميزان برجله، أحلف لك أنه كان يوفر تلك الزيادة ليؤمّن للفارابي قوته في أثناء اختراعه الوتر الخامس للعود، والله جدي هو الذي أعطاه علكات الطبخ مجاناً ليلصق القانون الذي صنعه،كدت أن أقول:.. لكن صراخه قطع ضنى تفكيري يا رجل أنا مستهدف من تشيني ذاته قالوا له:حلف أبو جرن أن يغدي المقاومة العراقية من كبة لحم ديك تشيني، فراح يطالب مجلس الأمن أن يعدّ الجرن سلاحاً إرهابياً، هدأ صوته وقال: يا أخي خفت، أنا أكبر مقتنيي أجران الكبة في الشرق الأوسط، ولا أدري ماذا حدث معي.
استيقظت من نومي وقد كرهت الكبة وأجرانها، وأنت تعرف وجعي من مناداتي بأبي جرن، على الرغم من تظاهري بحبي لهذا اللقب، نظرت إلى الجرن الذي قالوا لديك تشيني بهذا سيدق لحمك، ابتلعته. فغرت خيالي، نبست: بلعت جرناً، رد: طبعاً لن تصدق، بلعته وحين لم تتمكن معدتي من هضمه تألمت كثيراً ذهبت إلى الدكتور، قلت له: يا دكتور أنا بلعت جرن كبة على الرغم من تسويغه الأمر بسبب كبر كرشي، لم يصدقني وإن تظاهر بالتعاطف معي.
خدرني، وجلب جرن كبة غرانيتي ووضعه في غرفتي، ولما أفقت من البنج ضحك وقال: انظر، لقد أخرجنا الجرن من بطنك، عرفت مقلب الدكتور فقلت له:دكتور الجرن الذي بلعته من الرخام الأبيض، وليس غرانيتياً، وأنت تعرف خبرتي بالأجران.
صعق الدكتور وقال: من دون فذلكة هذا هو الجرن وأنزيمات الهضم غيرت لونه، وقبل أن يعقب أبو جرن، دخلت الشرطة، وقال له آمرهم: أخيراً وقعت يا أبا جرن، أما أنا فظننت أن ديك تشيني أرسلهم، لكن الآمر قال: بالدليل الملموس وصرخ بعناصره: هاتوه، دخل العناصر يحملون جرناً ومعهم رجل بادي النعمة، قال الآمر: أليس هذا مَن أوصاك على هذا الجرن وقد لبيته البارحة، قال أبو جرن: نعم، قال الآمر: يا غبي هذا الرجل طلب منك جرناً له أوصاف جرنه الذي يملكه في ضيعته، ليضعه في بيته في المدينة، وهو لا يعرف أنك حرامي أجران، وأنت لا تعرف أن ذلك البيت الذي سرقت منه هو بيته، فوقعتَ بالفخ مصادفة، لأن الحلال سيرجع إلى أصحابه.
زجره الآمر: انظر، فشاهدنا أمام بابه المئات، كل واحد منه يدون أوصاف جرنه، نظر أبو جرن إليّ وقال: ألم تقتنع بعد أنني مستهدف هؤلاء طابور خامس لتشيني، لكن بسيطة.. كلكم حطوا بهذا الجرن وضرب صدره، وهمس: أتدري أن معلم هذا الآمر لم يدفع لي حتى الآن ثمن الجرن الذي اشتراه من عندي ليدق به كبة رأس السنة، فترقى على إثرها ونسيني، والله لست حرامياً، كنت أحفظ التاريخ، وأروج لسياحة الكبة، تركته يموّل إنجازاته، ورحت أغني: دقّ يا وطن بالجرن.
.


شارك بتعليقك

شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية
   

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني