في خطاب سامٍ حافل بالرسائل الواضحة، شدّد جلالة الملك على أن اللحظة التي يعيشها المغرب تقتضي التزاماً جماعياً ومسؤولية وطنية مشتركة، لا تخص الحكومة وحدها، بل تشمل كل الفاعلين: من برلمانيين وأحزاب سياسية، إلى الجماعات الترابية ووسائل الإعلام والمجتمع المدني.
الملك وضع الأساس الأخلاقي والسياسي للمسؤولية حين قال إن الدفاع عن قضايا المواطنين وتحسين ظروف عيشهم ليست شعارات انتخابية، بل واجب وطني مستمر.
وأكد أن المواطن المغربي، كيفما كان موقعه، يستحق العناية والكرامة والتواصل الصادق، عبر تأطير فعلي وتعريف شفاف بمبادرات الدولة ومشاريعها، خاصة في ما يتعلق بحريات المواطنين وحقوقهم الأساسية.
الخطاب الملكي ربط بين التنمية والعدالة الاجتماعية، مذكّراً بما ورد في خطاب العرش الأخير حول تسريع مسيرة المغرب الصاعد وإطلاق جيل جديد من التنمية يكون أكثر شمولاً وإنصافاً.
فالمغرب اليوم، كما قال جلالته، يفتح الباب أمام دينامية اجتماعية أكبر تهدف إلى أن يستفيد جميع المواطنين من ثمار النمو، ومن الحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية على حدّ سواء.
وفي توجيه صارم للمنتخبين والمسؤولين، شدّد الملك على أن مستوى التنمية المحلية هو المرآة الحقيقية لمغرب متضامن يعمل على ترسيخ مكانته الإقليمية والعالمية. لذلك، فالعدالة المجالية ومحاربة الفوارق الاجتماعية ليست خياراً سياسياً بل توجهاً استراتيجياً ملزِماً لكل الفاعلين.
ودعا جلالته إلى تشجيع المبادرات المحلية، وتوفير فرص الشغل للشباب، والنهوض بالتعليم والصحة والتأهيل الترابي، لأن التنمية لا يمكن أن تتحقق إلا من خلال تكامل الجهود وتضامن الجهات.
ولم يغفل الخطاب المناطق التي عانت من التهميش، فركّز على المناطق الجبلية والواحات، مؤكداً أن إعادة النظر في وضعها أصبح ضرورة وطنية، لأنها تمثل نحو 30 في المائة من التراب الوطني، وتشكل جزءاً من ثروة المغرب الجغرافية والبيئية.
كما وجّه الملك نداءً لتفعيل قانون الساحل والمخطط الوطني للساحل بشكل جاد ومسؤول، بما يضمن توازناً بين التنمية المتسارعة لتلك الفضاءات وبين تثمين مؤهلاتها الطبيعية، ودمجها في اقتصاد بحري وطني يخلق فرص شغل جديدة.
وفي رؤية شمولية للمجال القروي، شدّد جلالته على أن المراكز الناشئة في القرى والمناطق البعيدة يمكن أن تتحول إلى حلقات حيوية للتنمية المحلية، إذا تم دعمها بالبنية التحتية والخدمات الأساسية.
وختم الملك خطابه بتأكيد قوي: السنة المقبلة ستكون سنة مشاريع كبرى وتحديات حاسمة، داعياً الحكومة والبرلمان، أغلبية ومعارضة، إلى تغليب المصلحة العليا للوطن، والالتزام بالنزاهة ونكران الذات، لأن خدمة الوطن ليست امتيازاً سياسياً بل واجباً مقدساً أمام الله والشعب والتاريخ.




