🤬 همجية متخفية بمظهر حداثي!

 

عبد اللطيف مجدوب

تطل علينا مظاهر الحداثة في أبهى صورها: ناطحات سحاب، تكنولوجيا متقدمة، ووسائل اتصال سريعة، لكن تحت هذا القشر اللامع تتوارى “همجية متخفية” تسحب المجتمع إلى الوراء. إنها أزمة قيم وسلوك ، تبرهن على أن التطور المادي لا يكفي لضمان الرقي الحضاري، بل تبقى التربية حجر الزاوية.
“When education is neglected, what can we expect?”
(حينما تُهمل التربية، ماذا يمكننا أن نتوقع؟)

هذا القول ، وإن لم يُنسب لفيلسوف معين، يلخص جوهر الأزمة ، فالهمجية التي نراها اليوم هي نتاج فراغ تربوي ضخم، بدأ بالتراكم داخل أقدس المؤسسات: الأسرة والمدرسة.

👨‍👩‍👧‍👦 الأسرة المغربية وأزمة التربية

تواجه الأسرة المغربية ضغطًا اقتصاديًا هائلاً، يدفع بالأبوين للخروج للعمل لساعات طويلة، هذه الضرورة الاقتصادية تحمل تداعيات خطيرة على جودة التربية ، منها :
* تآكل الحضور الوالدي: يقل الوقت المتاح للجلوس مع الأبناء، والاستماع إليهم، وتوجيههم.
* سيطرة التكنولوجيا: مع غياب الرقيب، تنتشر الوسائط السمعية والبصرية (الهواتف، الأجهزة اللوحية …) لتصبح الحاضن والمُوجه الأول للأبناء، مبتلعةً أوقاتهم ومزودةً إياهم بنماذج سلوك عالمية عشوائية(خارجة عن إطار الرقابة) لا تتناسب دائمًا مع القيم المحلية.
* انعدام المساءلة والمراقبة: في ظل الإرهاق وضيق الوقت، يكاد ينعدم سؤال الأبناء عن تفاصيل أوقاتهم ، أو مساءلتهم عن سلوكياتهم، مما يُنشئ جيلًا يعتقد أن أفعاله بلا تبعات.

🏫 المدرسة المغربية وتحدي الواقع

تظل المدرسة هي الشريك الثاني في عملية التربية، لكنها تعاني بدورها من ثغرات تزيد الأزمة تعقيدًا:
* برامج لا تواكب الواقع: غالبًا ما تركز المناهج على المعرفة الأكاديمية دون الاهتمام الكافي ببرامج بناء الشخصية، وتنمية الوعي المدني، وترسيخ السلوك الحضاري.
* غياب التعاون وضعف التواصل: هناك شبه ضعف في التواصل والتعاون البنّاء بين المدرسة والأسرة. فالمدرسة لا تجد من يساندها في البيت، والأسرة ترمي بالمسؤولية على عاتق المدرسة، ليضيع التلميذ/المتعلم بين المؤسستين.

🏅 النوادي والمؤسسات وغياب القدوة

حتى في فضاءات التنشئة الاجتماعية الأخرى كالنوادي والجمعيات، يُلاحظ غياب ترسيخ نموذج السلوك الحضاري الذي يحترم الآخر ، فالتركيز غالبًا ما ينصب على الإنجاز الرياضي أو الفني، دون تفعيل دور هذه المؤسسات في صقل الأخلاق وغرس قيم الانضباط، والتعامل الراقي مع المنافس أو الزميل.

💥 أمثلة لحالات همجية طاغية أو المظهر الحقيقي

تتجلى هذه الأزمة التربوية في سلوكيات يومية باتت تؤرق المجتمع، مُشكلةً وجه الهمجية غير المتخفية:
* الطرق والسياقة ، تتجلى فيها السلوكيات العنيدة والعربيدة، والاستهتار بالقوانين المرورية مع عدم إعطاء حق الأسبقية، كالتجاوز الخطير والاستعمال المفرط والعدواني لمنبه السيارة.
* المرافق العمومية والفوضى والسلوك الأناني في استعمالها (المستشفيات، الإدارات، وسائل النقل) ، ورمي النفايات في غير مكانها وإتلاف الممتلكات العامة، وانعدام دور الانتظار.
* المباريات الرياضية والشغب والعنف والسلوكيات العربيدة (السباب، التخريب، الاشتباكات) التي تطبع المدرجات وخارجها، مُحولةً الرياضة من متعة إلى مصدر خوف ،
* الثقافة المدنية ، غياب شبه كلي لثقافة احترام واستعمال المرافق العمومية، والتعدي على المساحات الخضراء أو الأرصفة، وعدم احترام طوابير الانتظار ،

💡 وفي خلاصة

إن هذه المظاهر الهمجية ليست سوى نتيجة منطقية لتغليب التنمية المادية والنمو الاقتصادي على التنمية البشرية والأخلاقية. يجب على المجتمع والمؤسسات أن يدركوا أن الحداثة الحقيقية تكمن في رقي السلوك قبل رقي البنيان ، فلا يمكن أن نكون “متطورين” ونحن نتصرف كـ “متوحشين” في شوارعنا ومرافقنا.إن المعركة الحقيقية هي معركة تربوية؛ تتطلب استثمارًا جديًا في وقت الأسرة، ومناهج المدرسة، وتفعيل دور مؤسسات التنشئة، لإعادة ترسيخ ثقافة الاحترام والانضباط والوعي المدني.


شارك بتعليقك

شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية
   

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني