مقدمة استراتيجية: الانهيار البنيوي وأفق المواجهة الوجودية
تتساوق ملامح التآكل البنيوي في منظومة الحكم بطهران مع ضغوط غير مسبوقة تضع بقاءها على المحك. فبعد أربع سنوات على انتفاضة سبتمبر 2022، وبعد أشهر وجيزة من انتفاضة يناير 2026 التي اجتاحت البلاد، يجد نظام الملالي نفسه محاصراً برعب وجودي من تجدد الانفجار الشعبي. ورغم إحكام أجهزة البطش قبضتها الظاهرية، فإن التصدع الداخلي بلغ مستويات غير قابلة للترميم، مدفوعاً بانهيار اقتصادي مريع ومواجهة ميدانية تقودها المعارضة المنظمة التي نسفت أوهام التهدئة الأمنية.
الصواعق الاقتصادية والاجتماعية: احتضار مالي ومافيات النهب
تؤكد المؤشرات الاقتصادية لعام 2026 أن ما يعيشه المجتمع الإيراني ليس أزمة عابرة، بل حالة احتضار مالي تديرها شبكات النهب المنظم التابعة لمؤسسة ولاية الفقيه. فقد شهدت الأشهر الماضية انهياراً تاريخياً للعملة الوطنية، حيث هوى الريال الإيراني إلى أكثر من 2.2 مليون ريال مقابل الدولار الأمريكي الواحد. وبحلول شهر سبتمبر الجاري، سجل معدل التضخم السنوي قفزة قياسية بلغت 69.9%، بينما ارتفعت نسبة البطالة لتصل إلى 9.1% .
وتكشف الفجوة المعيشية الهائلة عن واقع طبقي مدمر؛ إذ لا يتعدى متوسط الراتب الشهري للعامل الإيراني نحو 125 دولاراً، في حين تتجاوز تكاليف المعيشة الأساسية للأسرة الواحدة حاجز 450 دولاراً شهرياً. وجاء القرار الحكومي الصادر في 8 سبتمبر الجاري بمضاعفة أسعار البنزين غير المدعوم ليصل إلى 100,000 ريال للتر الواحد، ليشعل صاعق غضب شعبي بالغ الخطورة، بالتزامن مع تضخم أسعار السلع الغذائية الذي ناهز 128%. إن هذا السحق الممنهج حوّل الملايين إلى صفوف “جيش الجياع”، مرسخاً شروط الوضع المتفجر.
مسار الانتفاضات المتلاحقة: مجازر يناير 2026 ودلالات الغليان
يثبت المسار التاريخي المعاصر أن القمع الوحشي فشل في إخماد جذوة التغيير، فتحولت الأزمات المتراكمة مراراً إلى انتفاضات عارمة امتدت من ديسمبر 2017 ونوفمبر 2019 إلى انتفاضة أواخر ديسمبر 2025 ومطلع يناير 2026. لقد أظهرت هبة يناير سرعة انتشار مذهلة شملت 192 مدينة إيرانية.
وكشفت وثائق منظمة العفو الدولية عن نمط إجرامي مارسته السلطات، واصفة أحداث يومي 8 و9 يناير 2026 بأنها “مجزرة واسعة النطاق ضد المتظاهرين” أسفرت عن استشهاد آلاف المواطنين برصاص القوات القمعية. ورغم فداحة التضحيات، أثبتت الوقائع أن آلة القتل قادرة على حصد الأرواح، لكنها عاجزة تماماً عن استئصال أسباب الانفجار الكامنة في بنية النظام.
تصدع هرم القيادة: ذعر في المؤسسة الأمنية والسياسية
ينعكس الهلع الداخلي بوضوح في تحولات متلاحقة وإعفاءات مفاجئة تعكس حالة من التخبط وصراع الأجنحة للهروب من المسؤولية، في محاولة يائسة لاحتواء الانهيار المتسارع وفقدان السيطرة على مفاصل الأمور. ففي 27 أغسطس 2026، أطلق جهاز استخبارات حرس النظام الإيراني تحذيرات مشددة من استغلال المعارضة لـ “نقاط الضعف والأزمات الحادة” لتحويل الاستياء إلى مواجهات مفتوحة. وجاء هذا بعد يومين من إقرار رئيس النظام مسعود بزشكيان بأن الانسداد الاقتصادي يشكل محركاً لاضطرابات قادمة.
وامتدت إجراءات الطوارئ إلى تشديد الرقابة ونشر الدوريات الاستخباراتية حول محطات الوقود تحسباً لأي انفجار ميداني. وتكتسب هذه الاعترافات وزناً استراتيجياً لأنها صدرت عن الأجهزة القمعية ذاتها، ما يعكس قناعة صناع القرار بأن التحول من أزمة المعيشة إلى معركة الإسقاط بات مسألة وقت.
الطليعة الميدانية: تفكيك الردع واختراق الحصار الأمني
في خضم هذا الصراع، تبرز “وحدات المقاومة” كطليعة ميدانية منظمة تؤطر الغضب الشعبي؛ فخلال انتفاضة الشتاء الأخير، نفذت هذه الوحدات 630 عملية نوعية استهدفت مقرات حرس النظام وميليشيات الباسيج، وتواصل هذا الزخم بـ 61 عملية خاطفة في مطلع سبتمبر 2026.
ولم تفلح حملات الترهيب التي أطلقها قائد قوى الأمن الداخلي، أحمد رضا رادان، في كسر الإرادة العامة؛ ففي 15 سبتمبر 2026، وتزامناً مع ذكرى انتفاضة 2022، تحدت الوحدات الإجراءات العسكرية ونفذت سلسلة أنشطة علنية شملت عرض الصور الجدارية وتوزيع المنشورات في طهران ومشهد وأصفهان وشيراز ومدن أخرى. وتفضح وثائق سرية مسربة من مجالس أمن محافظتي طهران والبرز عجْزاً استخباراتياً كاملاً عن احتواء هذه الخلايا المتجددة باستمرار.
الخاتمة والأفق السياسي: نحو جمهورية تعددية مستقلة
إن تلاقي الانهيار الاقتصادي، مع توالي موجات الغليان الجماهيري، ويقظة المقاومة الميدانية، يرسم مشهداً حاسماً: لقد سقطت محاولات الترويع إلى غير رجعة، وأصبح الشارع الإيراني يرفع صوته بوعي ثوري تحت راية: “لا لنظام الشاه ولا لنظام الولي الفقيه”. ويؤكد هذا الاصطفاف رفض كل أنماط الاستبداد الماضوية والدينية، والتمسك بالبديل الديمقراطي المتمثل في إقامة جمهورية تعددية مستقلة قائمة على سيادة الشعب، مستلهمة ثوابتها من مبادئ خطة النقاط العشر التي تضمن العدالة وفصل الدين عن الدولة.
د. سامي خاطرآكاديمي وأستاذ جامعي







