السلام… حق الإنسان قبل أن يكون غياباً للحرب

بقلم المحامي عمر زين*

في الحادي والعشرين من أيلول من كل عام، يحتفل العالم باليوم الدولي للسلام، وهي مناسبة يفترض ألا تكون مجرد دعوة إلى وقف إطلاق النار، بل مناسبة للتذكير بأن السلام حق من حقوق الإنسان، وأنه لا يمكن أن يتحقق بصورة دائمة من دون عدالة وقانون واحترام للكرامة الإنسانية.
وقد أقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة هذا اليوم عام 1981، ثم اعتمدت في عام 2001 يوم 21 أيلول يوماً عالمياً لوقف إطلاق النار والامتناع عن العنف.
لكن السلام، من وجهة نظر حقوقية، لا يعني فقط أن تتوقف المدافع عن إطلاق النار. فقد يسكت السلاح، ولكن إذا بقي الظلم قائماً، والاحتلال مستمراً، والحقوق منتهكة، والعدالة غائبة، فإن السلام الحقيقي يبقى بعيداً.
فالسلام الحقيقي هو أن يشعر الإنسان بالأمان على حياته وحريته وكرامته، وأن يكون قادراً على العيش في وطن تحميه القوانين والمؤسسات، لا أن يكون مصيره مرتبطاً بقوة السلاح أو إرادة الأقوياء.
ومن هنا، فإن العلاقة بين السلام والعدالة علاقة لا يمكن فصلها. فلا يمكن مطالبة الشعوب بالسلام بينما تُهدر حقوقها، ولا يمكن بناء استقرار دائم من دون معالجة أسباب النزاعات والظلم والتمييز والاحتلال والإفلات من العقاب.
إن القانون الدولي لم ينشأ فقط لتنظيم العلاقات بين الدول، بل لحماية الإنسان أيضاً. ولذلك فإن احترام حقوق الإنسان، ومحاسبة مرتكبي الجرائم، وحماية المدنيين، واحترام حق الشعوب في تقرير مصيرها، كلها عناصر أساسية في بناء السلام.
وفي عالم يشهد حروباً ونزاعات مسلحة وأزمات إنسانية متتالية، يصبح السؤال أكثر إلحاحاً: كيف يمكن أن نتحدث عن السلام بينما لا يزال المدنيون يدفعون ثمن الحروب؟
إن السلام لا يُبنى فقط في قاعات المؤتمرات، بل يبدأ من المدرسة والأسرة والمجتمع، ومن احترام الآخر ورفض الكراهية والعنف والتمييز. وقد أكدت الأمم المتحدة في مناسبة هذا العام أن السلام ليس مجرد غياب الحرب، بل هو أيضاً أمن وكرامة وفرص وتعاون في الحياة اليومية.
وفي لبنان، الذي عرف طويلاً آثار الحروب والانقسامات، تبقى ثقافة السلام حاجة وطنية دائمة. فالسلام الداخلي لا يتحقق فقط بوقف النزاعات، بل ببناء دولة يشعر فيها المواطن بأن حقوقه مصانة، وأن القانون فوق الجميع، وأن القضاء مستقل، وأن العدالة لا تخضع للنفوذ السياسي أو الطائفي.
كما أن السلام لا يعني إسكات صوت المعارض أو منع حرية التعبير، بل يعني إدارة الاختلاف بالحوار والقانون والمؤسسات. فالديمقراطية وحقوق الإنسان وسيادة القانون ليست عوائق أمام السلام، بل هي من أهم ضماناته.
إننا بحاجة إلى الانتقال من مفهوم السلام كهدنة إلى مفهوم السلام كمنظومة متكاملة تقوم على العدالة والمساواة والحرية والكرامة الإنسانية.
وفي اليوم الدولي للسلام، علينا أن نتذكر أن وقف الحرب قد يكون بداية السلام، لكنه ليس نهايته. أما السلام الدائم، فلا يمكن أن يقوم إلا عندما يشعر الإنسان بأن القانون يحميه، والعدالة تنصفه، والحرية تصون كرامته.
فلا سلام حقيقياً بلا عدالة، ولا عدالة مستدامة بلا قانون، ولا قانون بلا احترام للإنسان.
إن السلام الذي نحتاجه ليس سلاماً مؤقتاً بين المتحاربين، بل سلاماً دائماً في حياة الشعوب؛ سلاماً يحمي الإنسان، ويمنع الظلم، ويضع حداً للإفلات من العقاب، ويفتح الطريق أمام مستقبل أكثر عدلاً وأماناً.
فالسلام ليس مجرد غياب الحرب… السلام هو حضور العدالة.

*الأمين العام السابق لاتحاد المحامين العرب


شارك بتعليقك

شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية
   

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني