نظام مير محمدي
كاتب حقوقي وخبير في الشأن الإيراني
تقرير يوثق مقتل مئات المحتجين ويتهم مؤسسات الدولة بتنفيذ سياسة ممنهجة لسحق انتفاضة 2022
خلص تقرير موسع أصدرته منظمة العفو الدولية إلى أن قمع انتفاضة «المرأة، المقاومة، الحرية» في إيران عام 2022 لم يكن نتيجة تجاوزات فردية أو أخطاء ميدانية متفرقة، بل جاء ـ بحسب المنظمة ـ في إطار هجوم واسع ومنهجي استهدف السكان المدنيين ونُفذ وفق سياسة حكومية هدفت إلى إخماد الاحتجاجات.
ويحمل التقرير عنوان «مهندسو الفظائع: آلة الدولة المنظِّمة للجرائم ضد الإنسانية خلال انتفاضة المرأة، المقاومة ، الحرية في إيران عام 2022»، ويركز على الأحداث التي شهدتها البلاد بين سبتمبر وديسمبر 2022، مع متابعة للتطورات المتعلقة بالمساءلة والإفلات من العقاب حتى عام 2026.
وقالت منظمة العفو الدولية إنها اعتمدت في تحقيقها على مقابلات مع 270 شخصاً، إضافة إلى شهادات أخرى جُمعت عبر محامين ومدافعين عن حقوق الإنسان. كما راجعت أكثر من ألفي مقطع فيديو، خضع 456 منها للتحقق والتحليل التفصيلي، إلى جانب دراسة وثائق رسمية وقضائية وطبية وتصريحات لمسؤولين حكوميين.
ووفقاً للتقرير، جرى توثيق مقتل 377 شخصاً بين متظاهرين ومارة، بينهم 56 طفلاً. وأوضحت المنظمة أن 326 من الضحايا قُتلوا أثناء التعامل الأمني مع الاحتجاجات، فيما توفي 18 شخصاً أثناء الاحتجاز، وسُجلت عشر حالات وفاة بعد الإفراج عن محتجزين تعرضوا لانتهاكات خلال فترة احتجازهم، إضافة إلى 23 حالة وفاة وصفتها المنظمة بالمشبوهة.
وربط التقرير بين اتساع الانتهاكات وتكرار الأساليب المستخدمة في التعامل مع الاحتجاجات في مختلف أنحاء البلاد. وأشار إلى أن حوادث القتل التي شملها التحقيق وقعت في 26 محافظة من أصل 31 محافظة إيرانية، كما وثق مقتل 178 شخصاً خلال الأسبوعين الأولين من الاحتجاجات بين 19 و30 سبتمبر 2022.
كما تناول التقرير أحداث «الجمعة الدامية» في زاهدان، التي أسفرت بحسب التوثيق الوارد فيه عن مقتل 87 شخصاً، إضافة إلى توثيق مقتل 95 متظاهراً وماراً من الأكراد في 17 مدينة ضمن محافظات كردستان وكرمانشاه وأذربيجان الغربية.
واتهمت منظمة العفو الدولية عدداً من مؤسسات الدولة بالمشاركة في تنفيذ سياسة القمع، من بينها الحرس الثوري، وقوات الشرطة الإيرانية «فراجا»، وقوات الباسيج، ووزارة الداخلية، فضلاً عن المجالس الأمنية الوطنية والمحلية. كما تناولت ما وصفته بدور الأجهزة القضائية والادعاء العام في ملاحقة المحتجين واستخدام الاعترافات القسرية والمساهمة في ترسيخ الإفلات من العقاب.
واعتبر التقرير أن وجود أوامر مكتوبة واجتماعات تنسيق أمنية وسلاسل قيادة رسمية، إلى جانب تخصيص موارد مالية لدعم العمليات الأمنية، يشير إلى أن الانتهاكات لم تكن أعمالاً عشوائية أو فردية. وأشار إلى ست وثائق مسربة صادرة عن مؤسسات أمنية مختلفة، إضافة إلى وثيقة تتعلق بتخصيص نحو تسعة تريليونات ريال لتغطية ما وصفته السلطات بـ«التكاليف الأمنية الثقيلة» الناجمة عن استمرار الاحتجاجات.
كما سلط التقرير الضوء على الضغوط التي تعرضت لها عائلات الضحايا، بما في ذلك تقييد مراسم التشييع والتأبين، وحجب تقارير الطب الشرعي وشهادات الوفاة، وممارسة ضغوط لقبول الروايات الرسمية حول أسباب الوفاة، معتبراً أن هذه الممارسات ساهمت في عرقلة جهود كشف الحقيقة وتحقيق العدالة.
وفي ما يتعلق بمنظمة مجاهدي خلق الإيرانية، أوضح التقرير أن الإشارات الواردة إليها جاءت في سياق نقل روايات وتصريحات لمسؤولين حكوميين سعوا إلى ربط بعض أعمال العنف أو حوادث القتل بالمعارضة الإيرانية. وأكدت المنظمة أن هذه الادعاءات تعكس مواقف وتصريحات رسمية وليست استنتاجات توصل إليها التحقيق بشكل مستقل.
وفي إحدى القضايا التي تناولها التقرير، أشار إلى أن مسؤولاً أمنياً نسب مقتل الشابة مينو مجيدي إلى «المنافقين» قبل استكمال التحقيق، وهو ما أوردته المنظمة ضمن أمثلة قالت إنها تعكس محاولات رسمية لنفي مسؤولية الأجهزة الأمنية عن قتل المحتجين.
وذكرت منظمة العفو الدولية أسماء 87 مسؤولاً قالت إن المعلومات المتوافرة تستوجب التحقيق في أدوارهم المحتملة، بينهم 62 مسؤولاً على أساس مسؤولية القيادة و25 مسؤولاً آخرين على خلفية المساعدة أو التسهيل. وشددت المنظمة على أن إدراج الأسماء لا يمثل إدانة قانونية، وأن تحديد المسؤولية الجنائية النهائية يتطلب تحقيقات مستقلة ومحاكمات عادلة.
وفي ختام تقريرها، دعت منظمة العفو الدولية مجلس الأمن الدولي إلى إحالة ملف إيران إلى المحكمة الجنائية الدولية، كما طالبت الجمعية العامة للأمم المتحدة بإنشاء آلية دولية خاصة للمساءلة الجنائية، وحثت الدول على استخدام مبدأ الولاية القضائية العالمية لملاحقة المسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان حيثما كان ذلك ممكناً.







