بقلم : محمد حسيكي
الحقد عمل منبوذ من النفس البشرية، ينزع إلى الكراهية والعنصرية وحب زوال النعمة، وفي اللغة ما من نعمة إلا ولها حاسد، والحسود لايسود، ولا يتولى من قوم أمر شأنهم، وإن يخفي ضغينة نحو الآخر .
ومن اللغة نتابع حالة هذيان أصابت طفلا فقد والديه من صواعق رعدية ضربتهما بأرض خلاء، أخلته المكان قهرا، ودفعته إلى الهجرة عابرا الأرياف بحثا عن لقمة العيش، عسى أن يجد منها المأوى والاستقرار من محل إعالة يحل محل الفقيدين من والديه .
وهكذا ايقظته ربة بيت من حالة الهذيان والصدمة التي حلت به بعد وقف على بيوت قروية، لا يدري أي بوابة يطرق، ولا بما يتخاطب معهم مما هو عليه من حال، إلى أن رحبت به امرأة، التي ولته من الهذيان وجهة بيتها، بعد أن لمحت ضلالته، وعدم درايته علها تجد من ضيق حاله، الرغبة لديه من فرصة عمل من بيتها .
فرصة العمل :
بعد أن حل الطفل من تجواله بين بيوت سكنية، وكأنه يبحث عن شيء عله يجده من الوسط، ولاشيء غير حاجته إلى قليل من الطعام يسد به الرمق .
غير أن خطواته الملتوية، دفعت ربة بيت مناشدته بالإشارة المرفوعة اليد بالمناشدة، وهي مناداة عليه، ليولي الطريق وجهتها، وحين أقبل عندها، خاطبته ما حالك تتدور ياولدي بنظرك بين الدور! هل أصابك التلف عن المكان ʕ أم أن الغربة أفقدتك الوجهة، فرد بالقول، لعل إشارتك وجهة الصواب التي ارشدتني عن ضالة الطريق، ثم سألته عن إسمه، فقال ضاع اسمي تلفا بعد ضياع من سماني، وتركني كما رمى بي الدهر، والآن إسمي العيش! .
وبعد أن ناولته طعاما يسد به فراغ معدته، طرحت عليه ان يشتغل لديهم بالرعي، وما كان عليه إلا ان يرحب بالعمل وهو أقرب إلى الطفل من ريعانه، كما المسن من بعد تراجع عطائه .
أجر العامل :
بعد أن قبل الاشتغال راعيا للقطيع، قدمته إلى رب الاسرة ليتعاقد معه على الرعي، صار الحديث يجري عن الطريق التي أوصلته إلى حقل العمل، وحينها اتخذ له مشغله إسما يليق بشخصه من الشغل والأجر، إذ بعد أن عرف أحواله قال له، الآن قفزت من العيش إلى ولي النعاج، ومنها سميتك إبن نعيجة! . ومن ثمة صارت المناداة عليه من الأسرة المشغلة بذات الاسم .
وهكذا ومن خلال تحديد الأجر من طرف صاحب القطيع، طرح عليه أن يخصص له نعجة عن كل سنة من الرعي، فضلا عن التغذية والكسوة والمأوى، واحتضان رعيه إلى جانب القطيع .
وبعد دورة السنة والقيام بجز الغنم أواخر فصل الربيع، يقوم رب البيت بوسم نعجة الأجر للراعي من وقت جز الصوف من ظهور الغنم، ومنها صار إبن نعيجة يشتغل سنة بعد أخرى، إلى تنامت ثروته الحيوانية، وأصبحت متوازنة الرؤوس مع أعداد قطيع رب الأسرة .
نقمة ربة البيت :
حرك حرص الراعي على تنامي ثروته، حنق الطمع لدى ربة البيت وملاحقة الأعداد المتزايدة بنظراتها والتفكير في دسيسة غير سليمة تستهدف الراعي والظفر برعوه، حيث لا أهل له ولا قريب منه .
وخلال فصل القيظ من الصيف، تكون الحاجة إلى الماء من أولويات الأولويات، حيث يقوم إبن نعيجة بالرعي وجلب المورد المائي للقطيع من بئر جوفية لوحده دون سند من أحد .
وذات يوم فكرت المرأة أن تدفع له بالغذاء قبل الوقت، وهو لازال منشغلا بجلب الماء من إدلاء الدلو لإرواء القطيع .
وجبة مسممة :
كانت الوجبة التي أعدتها المرأة للراعي أكلة بركش، وهي حساء قمح مهروس ومطهي جيدا إلى حد الكش راخيا زبده، ثم سقته سمنا مصبرا عبق الرائحة جذابا للشهية .
لكن الذي يغيب عن الذهن من المرأة وغيرها، أنها أخطأت القدر، ووضعت يدها على قدر السمن المصبر المنتهي الصلاحية وتسرب إليه التسمم من الأقدمية التي غطتها الرطوبة، إذ بعد أن هيأت الوجبة ناشدت ابنيها لحمل الوجبة نحو إبن نعيجة المنهمك في سقي القطيع الذي يرتوي من البئر .
حمل الطفلين إناء الطعام، نحو البئر، لكن الراعي لم يجد الوقت لتناول الوجبة من تهافت القطيع واشتداد الصياح على طلب الماء
وخلال العمل كان الطفلان يلحان بالمناشدة على الراعي لتناول الوجبة والعودة بالإناء إلى البيت لكنه لم يأبه لهما مما هو عليه، مما دفعهما من محله إلى الشروع في تناول الوجبة للعودة بالاناء ,
ويا للحسرة على من يملأ البطن إلى أن تذهب به إلى الرحمة، وهكذا ضربت النقمة المرأة في حياة ابنيها بعد أن خيب الخطب نقمتها بنجاة الراعي من سم الدسم ومحق المكر بأهله .
تلكم كانت مروية الأمومة من وقت الصبا، حين كانت تداعب أبناءها ليطيب نومهم وهم على فراش النوم .







