قصة : د. خالد زغريت
بكسر الهاء.. ومن دون يمين نحن العرب ليس فينا مَن يكذب سواء كان خادم بغايا الفنّ أم قائد ولايا الأمن. لقد فكرت طويلاً أطول من الكذبة الخمسية للنواب، ورحت أراجع كلَّ الأطباء النفسانيين، خاصة الصلعان منهم بما فيهم المتخرجات من أكاديمية جنس كلوب، وطبيبات تلفزيون الواقع، كما راجعت أكبر أخصائي الجلدية الست الستين، و حلاق بغداد الذي أعرف أنه أصلع، وإن أخفى أو أبدى، لكن مشكلة صديقي استعصت عليهم، وعلى المشبوهين بعبادة سيقان الوطن.
وكان دأبهم دأب منجمي فنجان الصباح من أطول سيقان فنانة إلى أقصر شارب محلل سياسي. و بلا جدوى، ولم تكن لهفتي لمعالجة داء صديقي ضرباً من الوفاء العربي الذي فقد مدة صلاحيته كالنشيد الوطني، بل كان ذلك رحمةً بزوجته التي تورّمت يداها لكثرة ما كانت تصفع زوجها آناء الليل، وأطراف النهار، ولم يكن صفعها بدل التصفيق لمقامات أبدال بغالة الوحدة العربية، بل كان ذلك استجابةً لصراخه: اصفعني وخذ وردة.
في البداية كنت مغفلاً شأني شأن وزراء التقليم الوطني، وحيطان السلك الدبلوماسي، حيث كانت زوجته تخفي عني عقدة زوجها بحب الصفع، ربما لأنها كانت تحتكر استمتاعها بفرصة صفعه، أو ربما كانت تظن رقبته (قفا)الإصلاح العربي، أو دَفَّ مفتي ديار سكر، فهي تحبّ أن ترقّصه عندما يصيبه الحال بصاحبة الخال.
وكانت تستدعيني؛ لأرى حالته عائداً إلى المنزل بوجه منتفخ كانتفاخ الخريطة العربية قهراً من كثرة ترسيمها، وكانت عيناه مزرقتين كلوحة سوريالية رسمها (بيكاسوغجري) بقبضة نزقة أين منها قبضة زول الناتو وهي تهشّ على وحدة البلقان، وكنت آثما دائماً في ظني بأن هذه البراعة في إعادة صناعة وجه صديقي لا تفوت مهارة منظّفي الوطن، بل أخذني الإثم السامي إلى أن صديقي كان من وراء ظهري يمثّل دور كامبرس برنامج الاتجاه المعاكس، لا..لا كنت سأقول: ربما شارك في قمة عربية. لكن التقرير الذي زمّروا بموجبه لصديقي من منصة الرفيع.
أقرّ بأنه صريع أزمات نفسية؛ وذلك كان يعني – لي على الأقل، أول لبرلمان عربعجّان- أن الأشاوس سيعفون عنه؛ وهذا ما يجعل ظني إثماً. وبعد أخذ ورد مع زوجته، والمساعي الحميدة التي قدّمها مؤبني زوج فنانتنا السابع عشر. ورئيس فرقة دبكة الطلائع)، عرفت الحقيقة من دون مِنَّة صوفي مصوّف الرؤى، فقد بدأت حالة صديقي يوم اقترف شهامة، فرفض الانصياع لنزوات مديره الوطنية في الوشاية بزميله، فتبرع المدير بخراب بيته، لأنه أبرع ماراثوني الوشاية قاطبة.
و يروى ما يروى عن مراياه في الإدارة التي وصل إليها على أنامل زوجته الحريرية، ورقاب رفاقه المطمئنين له . يحكى أنه لما حضر في اليوم الأول بصلعته التي أعجبت أستاذ الفرنسي فراح يدندن بالفرنسية البدوية ( قرعته الأمّ الحنون )، أما أستاذ الموسيقا فراح يدندن 🙁 كلنا لقرعته لزقة… كلّنا للدبكة حتى طقّ الرقبة)، أما هو و بعد أن بقي يسخّن ساعة لصرامته وهدوءه، شكرنا، وأثنى على أصحاب النعمة.
وراح يبالغ في وصف دور القيم في بناء المرافق العامة، وضرب مثلاً على تفاني حفظ النظام في المسح اليومي لما يكتب الثرثارين على الجدران الداخلية لحمامات سوق المدينة وما نسي مدارس البنات، ولما قاطعه أحدهم قائلاً تُخمنا كلاماً نيئاً، استشاط غضباً مسؤولاً وراح ينط-كـدبور سقط على صلعة قيادي- مسجّعاً قوانينه: ( ويلك…أنا مديرك…بأصابعي أشيل عينك… أنت وغيرك… أنا مديرك ..ألعب بذيلي وذيلك ). لكن صديقي لم يخف على ذيله، ولا على عينه، فتوكل وراح يراجع السلطات العليا بغبن ما يفعله المدير بزملائه، ويبدو أنه لما يئس، لُطِشَ دماغه، فذهب إلى المسؤول الأرفع من ساق اللقلق، وبعد حوار بينهما بقي سرّاً عاد، لكنه غيّر شيئاً في سلوكه.
وراحت ترتفع سخونة هذا التغيير شيئاً فشيئاً، وكان آخر هذه التغييرات أنه جمع زملاءه، وراح يخطب، برجليه، ولسانه وسط بله الموظفين الذين ظنوا أن زميلهم العوض عليه لاسيما عندما قال: أيها الطيبون، قررت منح مكافأة من حلال مالي لكل واحد منكم يغير اسمه باسم أحد أبطال التاريخ العربي، وما كان من أحدهم بعد أن سال لعابه طمعاً بالمكافأة أن قدم طلباً فورياً، وعرضه عليه.
وفعلاً، نفذ وعده، سمعت السلطات، وهي تسمع مشية النملة العرجاء فوق طوروس في الرعد، فأحالته على التحقيق.
ودبّجت تقريراً طبياً يُؤسف فيه على عقل ابنها البار. وسّرتُ حينها شائعة أن صديقي المضروب على قلبه بالتذمّر من رداءة الواقع العربي إنما أراد أن يستعيد حكمة الأجداد في مقاومة تعجرف الغرب على العرب، حين كان يسمون أولادهم بأسماء بشعة لإرهاب أعدائهم، ولما كانت كل تفاسيري تتحوّل إلى كومة كلس عاجل تحت المطر، كان لابدّ لي من مراقبة صديقي، ومعرفة سرَّه، ولكم
كانت دهشتي صاعقة عندما رأيته أمام باب المحكمة يحمل باقة زهر، ويتقدم بواحدة لكل عروسين يخرجان رابطين أعناق بعضهما بحبل الكذب الناعم، ولما كانت الجرة لا تسلم كل مرة، كسرت جرة صديقي، فما إن اقترب بوردته إلى عريس ضخم الجثة كأنه أسطول سابع، ناوله العريس بقدمه فتدحرج كنرجيلة عدم الانحياز، ركضتُ إليه، ولكن بدل أن أنتشله ضغطت بكل قوتي على عنقه، وقلت له سأخنقك أيها المراهق.
فراح المسكين يئن كهر فارسي، مقسماً أنه سيحكي، وبربر:أنت فهمت غلطاً ياصديقي أنا أقوم بواجب خدمة القضية العربية، كل ما أفعله هو أني أقوم بجمع الورود، وأكتب على وريقاتها أسماء الأبطال العرب، لأتقدم بها للعروسين قائلاً: اصفعني وخذ وردة فربما طرافة ما أفعله معهم يذكرهم باسم بطل عربي عندما يختارون اسم مولودهم .
و كرمى للذكرى يسمونه بأحد هذه الأسماء، أو ربما يشعر أنه رجل، ويتخلص من حالة الخنوع عندما يقوى على ضرب إنسان، فيدعوه أضعف الإيمان أن يتدرب على الرجولة. لا تنسَ أن الأسماء المخنثة يا صديقي هي التي قادتنا إلى ويل الحيادية السلبية والأنانية المفرطة. أتعرف لِمَ فعلتُ ما فعلت في العمل إنها ردة الفعل على ذلك الحوار الذي دار بيني وبين المسؤول الذي قال لي: أنا مقتنع بغبن زملائك، لكن كرسي تحتي ولا ضمير يسحبه من تحتي، أنا أخاف و أريد المحافظة على كرسيي، وشعاري في الحياة: “برأس زوجتي ولا برأسي”أطار صوابي هذا الشعار الذي بلغ من النرجسية الذئبية حدّ رفس زوجته بالسوء حرصاً على مصالحه، ولا سيما أن الزوجة تعني للعرب- الذين مازالوا يصرخون: اسقِِِ أخاك النميري– هي ديناميت النخوة والكرامة والتضحية.
وكأن الناس لم تعد تعرف من قصص الأجداد إلا قصة الراعي الذي كان يختار للراعي السمان، وينحي المهازيل، وحين سئل عن السبب قال: لا أصلح ما أفسد الله، ولا أفسد ما أصلحه. تأبط صديقي شراً لابد منه كما تأبطت أشر منه فكرته، باحثاً لابني عن اسم بطل، ولما كان اسم أسامة بن منقذ الاسم المحبب لي، قررت تسمية ابني باسمه، لكني تذكرت أنه لابدّ من حيلة لكي لا يطاردني مجلس الأمن.
وهداني خبثي إلى تحريفه ب”دلامة بن منقذ” ولكنني خفت من جهابذة مجمع التاريخيين العرب الذين لا يرضون التزوير فيدسّون عليّ لأمريكا. فيا أصدقائي مئة صفعة لي، ولصديقي، وبرأسه، ورأس ابني، ولا هذه الورطة، ولن أسميه إلا(را لامة) فبدل أن أهتز على أسلاك (غوانتانامو)، يهتز العرب رقصاً، ونطاً على إيقاع لا تلعب بالنار، أو يشلحون شواربهم.. ليشاركوا في كليب (بح ) الذي أثار حفيظة الكلاب على حائه التي جعلت العرب يسلطنون من المحيط إلى الخليج، فرحت أكلّب كليباً جديداً يليق بالمرحلة، ( زمان يا نباحي..عضّني واعرف مرامي..عضني وانبح سيدي نباحي).



