
بقلم : عبد الحكيم العياط
لقد تحول الحديث داخل أوساط مهنيي وزارة الصحة والحماية الاجتماعية عن مؤسسة الحسن الثاني للأعمال الاجتماعية منذ مدة ليست بالقليلة إلى حالة من التذمر المتصاعد التي تعكس فجوة مقلقة بين حجم الموارد التي تتوفر عليها المؤسسة وحجم الخدمات التي تصل فعليا إلى المنخرطين. وبينما يفترض أن تشكل هذه المؤسسة صمام أمان اجتماعي لموظفي قطاع يعد من أكثر القطاعات استنزاف للطاقات البشرية، أصبح العديد من العاملين يعتبرونها بنية إدارية جامدة لم تنجح في مواكبة التحولات التي تعرفها المنظومة الصحية .
المفارقة الكبرى التي يطرحها هذا الملف تكمن في أن المؤسسة تعتمد في تمويلها أساسا على اقتطاعات مالية مباشرة من أجور الموظفين، إلى جانب دعم عمومي من ميزانية وزارة الصحة والحماية الاجتماعية ، وهو ما يفرض عليها في المقابل مستوى من النجاعة والشفافية. ولكن هل أثر هذه الموارد لا ينعكس بشكل ملموس على الحياة الاجتماعية لموظفي الصحة، حيث يشتكي عدد كبير منهم من محدودية الخدمات وضعف جودتها مقارنة بما توفره مؤسسات اجتماعية مماثلة داخل قطاعات عمومية أخرى.
حيث يواجه مهنيّو الصحة صعوبات متزايدة منذ تغيير الشركة المكلفة بالتأمين الصحي التكميلي، حيث عبّر عدد من المنخرطين عن استيائهم من صعوبة الانخراط في الشركة الجديدة وطول آجال معالجة الملفات، إضافة إلى تراجع مستوى التعويض عن بعض الخدمات الطبية مقارنة بما كان معمولا به سابقا. وقد زاد من حدة هذه الإشكالات ضعف التواصل مع المنخرطين وغياب توضيحات كافية بشأن كيفية الاستفادة من الخدمات في ظل النظام الجديد، وهو ما خلق نوعا من الارتباك وعدم الثقة، خاصة لدى الفئات التي تعاني من أمراض مزمنة وتحتاج إلى متابعة طبية مستمرة.
وتبرز الانتقادات بشكل خاص عند الحديث عن غياب برامج اجتماعية مهيكلة تستجيب للحاجيات الأساسية للموظفين، سواء على مستوى دعم السكن أو حتى البرامج الاجتماعية الموجهة للأسر. فبالرغم من التحديات المهنية والنفسية التي يواجهها مهنيّو الصحة، خاصة بعد سنوات من الضغط المرتبط بالأزمات الصحية، لا تزال الخدمات الاجتماعية المقدمة توصف داخل القطاع بأنها محدودة التأثير وضعيفة الامتداد.
شهدت شروط الاستفادة من بعض أشكال الدعم الاجتماعي الموجهة لمهنيي الصحة تشديد ملحوظ خلال الفترة الأخيرة وهو ما اعتبره عدد من المنخرطين عامل إضافي يحدّ من ولوجهم إلى هذه الخدمات. فقد تم اعتماد شرط الأقدمية للاستفادة من الدعم السكني، في مفارقة غريبة وكأن الموظف سيغادر القطاع فور حصوله على مبلغ القرض المدعّم الذي لا يتجاوز 300 ألف درهم، وهو مبلغ لا يكفي اليوم لشراء شقة حتى في ضواحي المدن الكبرى. حيث جرى رفع مدة العمل المطلوبة إلى أربع سنوات، وهو إجراء يرى فيه العديد من الموظفين تقليصا لفرص الاستفادة بالنسبة للفئات حديثة التوظيف، التي تكون في أمسّ الحاجة إلى هذا النوع من الدعم خاصة أن دعم السكن الذي تقدمه الدولة يمتد فقط إلى سنة 2028.
كما يسجل مهنيّو القطاع في العديد من المجموعات الفايسبوكية تأخر ملحوظ في معالجة ملفات الاسترجاع المتعلقة بالقروض الممنوحة في إطار البنوك التشاركية، إذ تشير المعطيات المتداولة إلى أن آجال معالجة هذه الملفات قد تمتد لعدة أشهر، وهو ما يطرح إشكالات عملية للموظفين المستفيدين، خاصة في ظل التزاماتهم المالية المرتبطة بالقروض السكنية.
إلى جانب محدودية الدعم السكني والتأخر في معالجة القروض، يشكو مهنيّو الصحة من ضعف الخدمات المرافقة الأخرى المقدمة من المؤسسة، لا سيما على مستوى الإنترنت والنقل الطرقي والمنح الخاصة بالأعياد الدينية والمناسبات الاجتماعية. فالمؤسسة لم تتمكن حتى الآن من توفير باقات إنترنت أو تسهيلات رقمية تسهم في تيسير الحياة المهنية والشخصية للموظفين، وهو ما يُعد من الخدمات الأساسية في مؤسسات اجتماعية مشابهة داخل قطاعات حكومية أخرى.
كما يطرح مهنيون تساؤلات متزايدة حول طبيعة الحكامة داخل المؤسسة، خصوصاً في ظل محدودية المعطيات المتاحة للرأي العام المهني بشأن كيفية تدبير الموارد المالية وتقييم مردودية البرامج الاجتماعية المنجزة. هذا الغموض، يظل عاملا يغذي الشعور بانعدام الثقة ويطرح إشكالية التواصل المؤسساتي الذي يفترض أن يشكل أساس العلاقة بين المؤسسة ومنخرطيها.
ومن زاوية أخرى ، فإن استمرار هذا الوضع يعكس خللا في تصور دور المؤسسات الاجتماعية داخل القطاع الصحي. فالإصلاحات الكبرى التي تشهدها المنظومة الصحية المغربية تراهن بشكل أساسي على تحسين تدبير الموارد البشرية وتحفيز الأطر الصحية، غير أن تجاهل البعد الاجتماعي لهذه الفئة قد يقوض جزء مهم من أهداف الإصلاح، لأن التجارب المقارنة تؤكد أن جودة الخدمات الصحية ترتبط ارتباط وثيق بجودة الحياة المهنية والاجتماعية للعاملين في القطاع.
ويطرح استمرار ضعف أداء المؤسسة سؤال حساس حول مدى خضوع المؤسسات الاجتماعية داخل المرافق العمومية لمنطق تقييم الأداء وربط المسؤولية بالمحاسبة، خاصة وأن طبيعتها التضامنية تفرض أن يكون المستفيدون منها شركاء فعليين في تحديد أولوياتها وبرامجها. فالموظف الذي يساهم بشكل مباشر في تمويل هذه المؤسسة من حقه أن يتساءل عن جدوى هذه الاقتطاعات وعن القيمة الاجتماعية المضافة التي تحققها.
إن الإشكال المطروح اليوم ليس فقط مرتبط بتطوير بعض الخدمات أو تحسين جودة التواصل، بل يتطلب مراجعة شاملة لنموذج اشتغال المؤسسة، والانتقال من منطق التدبير الإداري الروتيني إلى حكامة اجتماعية حديثة تقوم على التخطيط الاستراتيجي وربط الموارد المالية بمشاريع اجتماعية ذات أثر مباشر وقابل للقياس. كما أن رقمنة الخدمات الاجتماعية وإرساء آليات شفافة لنشر المعطيات المالية وتقييم البرامج أصبحت شروط أساسية لاستعادة ثقة مهنيي القطاع.
ولا يمكن إغفال أن استمرار حالة الاحتقان الاجتماعي داخل قطاع الصحة قد ينعكس بشكل غير مباشر على جودة الخدمات الصحية المقدمة للمواطنين، لأن الاستقرار المهني والاجتماعي للأطر الصحية يشكل أحد المرتكزات الأساسية لأي إصلاح صحي ناجح. فالدولة التي تراهن على إصلاح المنظومة الصحية مطالبة أيضاً بضمان فعالية المؤسسات الاجتماعية المرافقة لهذا الإصلاح، حتى لا تتحول إلى هياكل شكلية تفقد مبررات وجودها.
إن مؤسسة الحسن الثاني للأعمال الاجتماعية أمام اختبار حقيقي يتعلق بقدرتها على استعادة دورها التضامني وتحويل مواردها إلى خدمات ملموسة تعزز ثقة مهنيي الصحة في مؤسساتهم. فالإصلاح ضرورة مهنية واجتماعية تفرضها طبيعة التحولات التي يعرفها القطاع الصحي وانتظارات آلاف الموظفين الذين يبحثون عن مؤسسة اجتماعية تحميهم، لا مؤسسة يجهلون أثرها في حياتهم اليومية.


