لماذا يرتعد “حمزة” من نشر فضيحة منتحل صفة قاضي التحقيق؟ وكيف لمن اعتبر مغادرة جهاز الدرك الملكي “نجاة” تستوجب صلاة ركعتين أن ينصب نفسه وصيا على هيبته وموجها لقيادته العليا؟
لماذا يرتعد “حمزة” من نشر فضيحة منتحل صفة قاضي التحقيق؟ وكيف لمن اعتبر مغادرة جهاز الدرك الملكي “نجاة” تستوجب صلاة ركعتين أن ينصب نفسه وصيا على هيبته وموجها لقيادته العليا؟
بقلم: هيئة التحرير
لم يعد خافيا على متتبعي الشأن الرقمي والإعلامي بالمغرب أن منصات التواصل الاجتماعي أصبحت ملاذا لمن لا مهنة له، ومسرحا يرتدي فوقه البعض جلباب “الأستاذ”، ووجها يوزع صكوك الوطنية والمهنية لغاية في نفس يعقوب.
ولعل النموذج الفج الذي يجسد هذه الحالة من “العربدة الرقمية” والاندفاع غير المحسوب، هو ما يقترفه المدعو “حمزة”، الذي يصر في كل خرجاته على التوقيع بصفة “دركي سابق”، محولا صفحته الفيسبوكية إلى منصة للاستعراض وتلقين الدروس للجميع، في وقت تكشف فيه كتاباته عن هزال ثقافته القانونية، وضعف حجته البصرية والتحليلية.
لكن المثير للاستغراب والريبة في آن واحد، ليس هو هذه “الأستذة البئيسة” فحسب، بل تلك الملاحظة الجوهرية والخطيرة التي تضع أكثر من علامة استفهام حول خلفياته؛ فلماذا يشن هذا “الدركي السابق” هجوما مسعورا وغير مسبوق على كل من يقترب — مجرد الاقتراب — من ملف الدركي النصاب والمبتز الذي يخضع حاليا للبحث في قضية ابتزاز ونصب بعد انتحال صفة قاضي التحقيق بالرباط؟
هذا ولا يجد المتأمل في المنشورات الأخيرة لهذا الشخص صعوبة في كشف حجم الحقد والكراهية اللذين ينفثهما في مواجهة الأقلام الحرة والجرائد المهنية. ولم يسلم من هجومه المفضوح الصحفي المهني محمد البودالي، مدير نشر جريدة “كواليس اليوم” الإلكترونية، الذي ما إن نبش في ملف الدركي النصاب بالرباط، حتى انبرى هذا المسمى لافتعال معركة هامشية بئيسة حول “صورة افتراضية” مولدة بالذكاء الاصطناعي، محاولا طمس جوهر الفضيحة الحقيقية.
ولم يتوقف العبث عند هذا الحد؛ بل تجرأ هذا “الدركي السابق” الذي لا علاقة له، لا من قريب ولا من بعيد، بالحقل الإعلامي ومواثيقه، (تجرأ) على الركوب على ظهر جريدة “المساء” العريقة — وهي المدرسة الصحفية الإشراقية التي لها باع طويل وتاريخ حافل في الممارسة المهنية والميدانية بالمملكة — وراح يلقن مديرها الأستاذ رشيد نيني دروسا بليدة في كيفية صياغة المواد الإخبارية وممارسة المهنة!
هو إذن مشهد سريالي بامتياز: شخص بلا صفة، انسلخ من سلك الدرك لسبب (نعرفه ولسنا بصدد نبشه الآن)، يظن نفسه فجأة مرشدا بيداغوجيا لمدراء نشر ورؤساء تحرير أفنوا عمرهم في مهنة المتاعب قبل أن يعرف هو أو غيره فضاء مواقع التواصل الاجتماعي.
هذا السلوك الهستيري والتهجم المغلف بـ”النصيحة الخبيثة” يطرح تساؤلات حارقة لا بد من مواجهتها علنا:
لماذا كل هذا الذعر والارتعاد لمجرد إثارة ملف الدركي الذي انتحل صفة قاضي التحقيق بالرباط والذي يخضع حاليا للبحث من طرف الفرقة الوطنية للدرك الملكي؟
ما الذي يربط “دركيا سابقا” بملف فساد وابتزاز معروض على أنظار الفرقة الوطنية والعدالة؟
هل هي محاولة استباقية للتغطية على شيء ما، أم أنه يسعى لحجب الشمس بالغربال والدفاع عن “عقيدة ما” ربما تتقاطع في بعض المصالح؟
ثم إن محاولة المدعو حمزة ارتداء ثوب “الحمل الوديع” الغيور على سمعة جهاز الدرك الملكي، تتهاوى كبيت العنكبوت أمام أرشيفه الرقمي الحافل بالتناقضات والخرجات غير المحسوبة؛ فالرأي العام المغربي لا يملك ذاكرة قصيرة، ويستحيل أن تنطلي عليه مسرحية “الدفاع عن المؤسسات” التي يقدمها اليوم شخص سبق وأن لخص نظرته الحقيقية والسوداوية للجهاز بتصريح موثق وصادم قال فيه بكثير من التباهي المرير: “بعد الاستقالة صليت ركعتين”!
هذا التصريح الخطير الذي صور فيه مغادرته للمؤسسة العسكرية العتيدة وكأنها “انعتاق وخلاص”، ليس سوى نقطة في بحر عشرات التصريحات والتدوينات السابقة التي بثها على مدار سنوات، والتي حملت تلميحات وإساءات مباشرة ومبطنة للجهاز ورجالاته.
هذا التاريخ الأسود من “الانسلاخ والجلد” يضعنا اليوم أمام انفصام كامل في الخطاب؛ فكيف لمن اعتبر الخروج من سلك الدرك فوزا يستوجب سجدتي شكر، أن ينصب نفسه فجأة وصيا على هيبته، وموجهاً لقيادته العليا، ومحارباً للصحافة الوطنية التي تفضح الفساد؟ الجواب واضح ولا يحتاج لكثير من العناء: الغيرة مصطنعة، والشعارات كاذبة، والهدف الحقيقي هو الركوب على موجة “الصورة الافتراضية” للتغطية على فضيحة الدركي المبتز، ومحاولة تصفية حسابات ضيقة مع أقلام حرة كشفت مستنقع الابتزاز العابر للمنصات.
إن الاندفاع الأعمى للمدعو حمزة، وحدته في الهجوم على الجرائد الوطنية التي تفضح الفساد والمبتزين، يفضحان بالملموس أن “الغيرة على المؤسسات” التي يتباكى بها ليست سوى قناعا واهيا وورقة توت سقطت مبكرا.
فالقيادة العليا للدرك الملكي والنيابة العامة مؤسسات سيادية عتيدة ورصينة، تملك من النضج والكفاءة والقانون ما يجعلها غنية عن “توجيهات” و”أستذة” دركي سابق لا يمثل إلا نفسه.
أما محاولات تحويل الأنظار عن الفضيحة الكبرى لـ”الدركي منتحل صفة قاضي التحقيق” عبر مهاجمة الصحفيين ومدراء النشر في الصحافة الوطنية فلن تجدي نفعا؛ فالمستنقع قد جف والأوراق قد احترقت بالكامل. والأسلوب “الزنقوي” القائم على التهجم وتوزيع الاتهامات المهترئة يعري العجز الفكري والقانوني لصاحبه.
ومجرد تدقيق بسيط في صفحة هذا المسمى، سنجد أنه أكثر من أساء إلى جهاز الدرك الملكي ومصالحه، بل لم تنج من تهجماته المغلفة بالنقد البريء المخلوط بالخبث حتى المحكمة العسكرية، التي تستوجب كل الوقار والاحترام والتقدير، خصوصا من شخص سبق له أن قضى عقد ونصف كما يدعي في هذا الجهاز. وهذا موضوع آخر وقضية أخرى.
عموما، ستبقى الصحافة الوطنية والمهنية، وفي مقدمتها منابر كـ”المساء” و”كواليس اليوم”، عين المجتمع الفاضحة لكل مظاهر النصب والابتزاز، ولن يزيدها عواء المتطفلين على المنصات الاجتماعية إلا إصرارا على المضي قدما في تنوير الرأي العام، تاركة وراءها “الدركي السابق” يمارس أستذته الجوفاء في فضاء افتراضي شارف فيه حبل الكذب على الانتهاء.







