عندما يصبح “التحول الهيكلي” درعا لعرقلة العدالة: قضية موظف “ابن رشد” وتحدي تنفيذ الأحكام الصادرة باسم جلالة الملك

تتواصل فصول المعاناة في قضية الفاعل النقابي والموظف السابق عبد اللطيف صدار، لتعكس خيوطها أزمة أعمق تتجاوز حدود نزاع فردي بين موظف وإدارة عمومية؛ إنها أزمة الامتثال لأحكام القضاء والاستهانة بالنصوص الدستورية التي تقر بصراحة ملزميتها للجميع.

فبعد العقود الطويلة من التعنت التي تُوجت بالقرار القضائي الصادر عن غرفة المسؤولية الإدارية بمحكمة الاستئناف الإدارية بالرباط (قرار رقم 408 بتاريخ 29 أبريل 2026 في الملف رقم 2026/7206/369)، والذي قضى بإدانة المركز الاستشفائي الجامعي ابن رشد وتحميله التعويض عن الخطأ المرفقي، تدخل القضية اليوم نفقاً جديداً من التسويف والمماطلة الإدارية والإجرائية.

تكشف الوثائق والمراسلات الرسمية الصادرة عن إدارة المركز الاستشفائي الجامعي ابن رشد بالدار البيضاء، الموجهة إلى كتابة الضبط بالمحكمة الإدارية، عن سردية إدارية تتعمد وضع العراقيل أمام تنفيذ الأحكام النهائية المشمولة بالنفاذ. ففي خطابه المؤرخ في 24 يوليوز 2026، تذرع مدير المركز بمجموعة من المبررات للإقرار بـ “تعذر التنفيذ”، متستراً خلف:

التحول الهيكلي والمرتقب: الادعاء بأن المركز يمر بفترة انتقالية ستحل بموجبها “المجموعة الصحية الترابية لجهة الدار البيضاء – سطات” محله، طبقا للقانون رقم 08-22، وهو ما يحاول المسؤولون استغلاله لإرجاء البت في النزاعات القضائية وتحويلها إلى الهيكلة الجديدة.

الميزانية والطعن بالتنقيب: التعلل بعدم برمجة الغلاف المالي وعدم إمكانية تعديل الميزانية المعدلة، إضافة إلى تعليق شماعة الرفض على تقديم طلب النقض، رغم علم الإدارة الدقيق بأن الطعن بالنقض في المادة الإدارية لا يوقف التنفيذ إطلاقاً.

إن استخدام الانتقال التنظيمي من إدارة المركز الاستشفائي إلى “المجموعة الصحية الترابية” ككارت لإعاقة النفاذ القضائي يعبر عن ضرب صريح لمبدأ استمرارية المرفق العمومي؛ فالتحولات الهيكلية للمؤسسات والقوانين التأسيسية تهدف إلى تطوير المنظومة وتحسين الخدمات، لا لتكون ملاذاً آتناً للتملص من تنفيذ أحكام صريحة صُدرت حاسمة وقاطعة “باسم جلالة الملك”.

على الجانب الإجرائي، كشفت المحاضر الرسمية لكتابة الضبط والمفوضين القضائيين (ملف تنفيذ عدد 2026/7601/1059) عن استنفاد كافة السبل الإخطارية؛ حيث وجّهت المحكمة الإدارية بالدار البيضاء إنذاراً صريحاً بتاريخ 28 يوليوز 2026 منح الإدارة مهلة أمدها 10 أيام للتحرك والامتثال تحت طائلة تحرير محضر الامتناع وترتيب الآثار القانونية، وهو الإخطار الذي تسلمته الإدارة رسمياً بتاريخ 3 غشت 2026.

ومع انتهاء المهلة وتفعيل طلبات الحجز على الحساب البنكي للمستشفى لدى الوكالة البنكية للخرينة الجهوية بالدار البيضاء (المبلغ المراد حجزه 50.000 درهم مع الصائر)، يصطدم المسار الإجرائي بعوائق زمنية وبشرية كـ “العطل السنوية” وتأجيل المحاضر إلى سبتمبر المقبل. هذا التلكؤ والتأخير الميداني يت يفتح الباب أمام الإدارة لاستغلال ثغرة الوقت، وانتظار الدخول في الاسم الهيكلي الجديد لتفجير دفوع إجرائية جديدة تتعلق بـ “صعوبة التنفيذ” وتغير الصفة القانونية للمنفذ عليه.

إن الامتناع الشخصي والموثق للمسؤولين عن التنفيذ لا يمثل مجرد خرق مسطري، بل يستوجب المتابعة وترتيب المسؤولية القانونية والمباشرة؛ إذ كيف يعقل لمؤسسة عمومية يراهن عليها في تنزيل الورش الملكي لإصلاح المنظومة الصحية الجهوية أن تبدأ عهدها بشرعنة الامتناع عن تنفيذ أحكام السلطة القضائية؟

ينص الفصل 126 من الدستور المغربي بوضوح لا يدع مجالاً للتأويل على أن “الأحكام النهائية الصادرة عن القضاء ملزمة للجميع، وعلى السلطات العمومية تقديم المساعدة اللازمة لتنفيذها”. وبالتالي، فإن أي مسعى لكسب الوقت أو انتظار تحول المسمى الإداري لتغيير قواعد اللعبة، يشكل مساساً جثيماً بهيبة القضاء وكرامة المواطنين والموظفين.

إن التعجيل بإجراءات الحجز والتنفيذ قبل خلط الأوراق الهيكلية في سبتمبر المقبل أضحى ضرورة ملحة؛ لقطع الطريق على كل محاولات شرعنة المماطلة، ولتظل دولة المؤسسات فوق كل اعتبار، فلا إدارة تعلو على القانون، ولا تحول تنظيمي يشفع لمن يمتنع عن رد الحقوق لأصحابها.


شارك بتعليقك

شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية
   

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني