عبده حقي
ثمة مدن نزورها، وثمة مدن تعبرنا. أستانا كانت من الصنف الثاني. لم أخرج منها بما يكفي من الصور فقط، بل خرجت منها بشيء أكثر تعقيداً وأبقى: إحساس بأن السفر ليس انتقالاً بين نقطتين على الخريطة، وإنما انتقال داخل الذات، واختبار جديد لعلاقتنا بالذاكرة والهوية والعالم.
حين وصلت إلى العاصمة الكازاخية، كنت أبحث مثل أي مسافر عن المعالم الأساسية: الساحات، المتاحف، الأسواق، النهر، العمارة، والوجوه. غير أن المدينة سرعان ما تجاوزت حدود البرنامج السياحي. بدت لي أستانا مدينة مشدودة بقوة بين زمنين: ماضٍ يطل من التاريخ والسهوب والرموز، ومستقبل يُبنى بالزجاج والتكنولوجيا والفضاءات الواسعة. وفي هذه المسافة بين الماضي والمستقبل وجدت نفسي أقرأ المدينة كما أقرأ نصاً مفتوحاً على أكثر من معنى.
من نافذة الحافلة الحمراء التي جابت بي الشوارع، ظهرت أستانا كأنها مشهد سينمائي طويل: أبراج حديثة، فضاءات هندسية شاسعة، جسور، نصب تذكارية، أعلام، وقباب ذهبية تلتقط الضوء. لم تكن العمارة هنا مجرد بناء، بل خطاباً كاملاً عن دولة تريد أن تعيد تقديم نفسها إلى العالم، وأن تصنع صورة جديدة لهويتها بعد مراحل تاريخية عميقة ومعقدة.
في ساحة الاستقلال، بدا لي واضحاً أن الدول لا تحتاج فقط إلى المؤسسات والحدود، بل تحتاج أيضاً إلى رموز تروي من خلالها قصتها. الساحات الكبرى، النصب، المتاحف، كلها وسائل تكتب بها الشعوب سيرتها في الفضاء العام. هناك فكرت في معنى أن تعلن أمة عن ذاتها عبر الحجر والصورة والذاكرة، وأن تجعل من المدينة وثيقة مفتوحة يقرأها القادمون من بعيد.
داخل المتحف الوطني، اتسعت هذه الفكرة أكثر. آثار وقطع ذهبية وخرائط وصور ومرويات عن تاريخ طويل جعلتني أشعر بأن الزمن نفسه ليس مستقراً. الحدود تتغير، الإمبراطوريات تظهر ثم تختفي، والدول تعيد تعريف نفسها جيلاً بعد جيل. أما الإنسان، فيظل يبحث عن موقعه داخل هذا التيار الهائل، محاولاً أن يترك أثراً قبل أن يتحول هو أيضاً إلى جزء من الذاكرة.
ثم قادتني الرحلة إلى إكسبو وفضاءات الذكاء الاصطناعي، وهناك انتقلت كأنني عبرت في دقائق من أرشيف التاريخ إلى مختبر المستقبل. بالنسبة إلي، ككاتب اشتغل طويلاً على أسئلة الأدب والذكاء الاصطناعي، لم تكن الزيارة مجرد محطة سياحية. كانت مناسبة لمواجهة أسئلة أعرفها جيداً، لكن في سياق جديد: ما مصير الكتابة في عالم تتزايد فيه سلطة الخوارزميات؟ كيف ستتغير علاقة الكاتب بالقارئ؟ وأين ينتهي الإنسان وتبدأ الآلة؟
هذا التوتر بين الروحي والتكنولوجي كان من أكثر ما شدني في أستانا. ففي الوقت الذي ترتفع فيه البنايات الحديثة، تظهر القباب الذهبية للمساجد كأنها تذكير بأن المدن لا تُبنى بالمستقبل وحده. الهوية تحتاج إلى جذور، حتى وهي تتطلع إلى الغد.
أما السوق المركزي، فقد منحني صورة مختلفة تماماً. هناك تتراجع اللغة الرسمية للمدينة، وتظهر حياتها اليومية: بائعون، زبائن، عائلات، مكسرات، فواكه مجففة، حلويات، وروائح تتداخل مع الأصوات. السوق ليس مجرد مكان للبيع والشراء، بل مرآة للمجتمع في حالته الطبيعية. وربما لهذا شعرت فيه بقرب إنساني أكبر، بعيداً عن مهابة المباني والرموز الرسمية.
وكانت زيارة متحف الكاتب الكازاخي ساكن سيفولين لحظة خاصة في هذه الرحلة. دخلت المكان بصفتي زائراً، وخرجت منه وأنا أشعر أنني التقيت كاتباً عبر الزمن. هناك تأكد لي أن الأدب قادر على اختصار آلاف الكيلومترات. كاتب كازاخي رحل منذ عقود، وكاتب مغربي يقف أمام آثاره، وبينهما اختلاف اللغة والتاريخ والجغرافيا، لكن بينهما أيضاً قرابة لا تحتاج إلى ترجمة: قرابة الكتابة.
ولم أفارق خلال الرحلة سؤال المغرب. كلما ابتعدت عنه جغرافياً، اقترب مني وجدانياً. كنت أمشي قرب نهر أستانا فأفكر في فاس. أسمع لغة لا أفهمها، فأشعر بقيمة لغتي. أرى سوقاً بعيداً، فتنهض في داخلي أسواق مدينتي. اكتشفت من جديد أن السفر لا يخفف الانتماء، بل يجعله أكثر وضوحاً.
وكان سؤال الناس لي: من أين أنت؟ يتكرر باستمرار. أجيب: المغرب. وفي بعض المرات يأتي الرد سريعاً: أشرف حكيمي. كنت أبتسم، لكن الفكرة كانت تلاحقني: كيف يمكن أن تختزل صورة بلد كامل في اسم رياضي؟ كرة القدم جزء من القوة الرمزية لأي بلد، لكنها لا ينبغي أن تكون صورتنا الوحيدة. نحن بحاجة إلى أن تسافر رواياتنا وأفكارنا وفنوننا كما تسافر أسماء لاعبينا، وأن يُعرف المغرب أيضاً بأدبه ومبدعيه وذاكرته الثقافية.
الآن، وأنا أودع كازاخستان، أفهم لماذا يكون الرحيل أصعب من الوصول. عند الوصول لا نملك شيئاً في المدينة، أما عند المغادرة فنكون قد جمعنا منها الكثير: طريقاً أصبح مألوفاً، وجهاً رأيناه أكثر من مرة، مقهى جلسنا فيه، متحفاً ترك فينا أثراً، أو نهراً مشينا بمحاذاته في صمت.
سأغادر أستانا، لكنني سأحمل معي أكثر مما تستطيع الحقيبة حمله: ساحة الاستقلال، المتحف الوطني، إكسبو، فضاءات الذكاء الاصطناعي، السوق المركزي، بيت ساكن سيفولين، النهر، القباب الذهبية، والوجوه العابرة.
سأعود إلى المغرب، لكنني أعرف أن العائد لن يكون تماماً هو الشخص نفسه الذي غادر.
فبعض الرحلات تنتهي عند بوابة المطار.
وبعضها يبدأ هناك.
بقلم: عبده حقي




