ماذا لو كان الرجل الذي سجنته إسرائيل بتهمة القتل هو أيضاً الفلسطيني الوحيد القادر على تحقيق السلام؟ يجسد مروان البرغوثي مفارقة تقع في صلب الصراع: شرعية نابعة من المقاومة، مقترنة بالتزام بالتعايش. ورغم أن احتمالية إطلاق سراحه تبدو ضئيلة في ظل العقلية الوطنية السائدة حالياً في إسرائيل، إلا أنه يتعين على الشعوب والقادة -داخل إسرائيل وخارجها- رفع أصواتهم والمطالبة باستمرار بتغيير مسار الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني نحو السلام، وهو مسار يمكن للبرغوثي أن يمهّد له الطريق.
لا يزال مروان البرغوثي يُعد واحداً من أكثر الشخصيات تأثيراً – وإثارة للجدل – في الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني. فبعد اعتقاله على يد القوات الإسرائيلية في أبريل 2002 إبان الانتفاضة الثانية، أُدين عام 2004 بتهم متعددة تشمل القتل والتآمر فيما يتعلق بهجمات استهدفت مدنيين إسرائيليين، وهو يقضي حالياً خمسة أحكام بالسجن المؤبد. وقد صدرت إدانته في محاكمة قوبلت بتنديد واسع النطاق باعتبارها غير شرعية ومسيّسة؛ إذ رصد الإتحاد البرلماني الدولي -الذي يمثل أكثر من 180 برلماناً وطنياً، بما في ذلك الكونغرس الأمريكي- “انتهاكات عديدة للقانون الدولي” في قضيته، مؤكداً أنه “من المستحيل استنتاج أن السيد البرغوثي قد حظي بمحاكمة عادلة”.
وبغض النظر عن خطورة التهم الموجهة إليه أو مدى توفر الأدلة عليها، فإن مسألة إطلاق سراح البرغوثي يجب أن تُقيَّم ليس فقط من منظور العدالة، بل أيضاً من منظور أوسع يشمل الضرورة السياسية وتسوية الصراع والإستقرار الإقليمي طويل الأمد، وتحقيق السلام.
وتكمن أهمية البرغوثي في الإعتراف برصيده السياسي الفريد في أوساط الفلسطينيين. فعلى عكس العديد من القادة الفلسطينيين المحصورين في فصائل محددة، يتمتع البرغوثي بشرعية نادرة تتجاوز الإنقسامات الأيديولوجية، لتشمل أطيافاً واسعة تمتد من القوميين العلمانيين إلى عناصر داخل الحركات الإسلامية. وفي ظلّ مشهد سياسي فلسطيني متشرذم، تُعدّ هذه السلطة الموحدة أمراً نادراً للغاية.
ومن ثم، فإن استمرار سجنه ينطوي على تداعيات استراتيجية تتجاوز بكثير حدود الإعتبارات القانونية الداخلية في إسرائيل. إذ يُنظر إلى البرغوثي على نطاق واسع بين الفلسطينيين باعتباره قائداً يجمع بين سجل نضالي (مقاوم) وفهم واقعي وعملي للحقائق السياسية؛ فقد دعا باستمرار إلى حلّ الدولتين، مقرّاً بأن التعايش مع إسرائيل ليس أمراً حتمياً فحسب، بل ضرورة أيضاً. وفي الوقت نفسه، يمنحه تاريخه في المقاومة مصداقيةً لدى أوساط قد ترفض التسوية تماماً خلافا ً لذلك.
وهذه الشرعية المزدوجة —التي تجمع بين المقاومة والواقعية السياسية— هي ما يميّز البرغوثي عن غيره من القادة الفلسطينيين وتجعله محفزاً محتملاً لمفاوضات ذات مغزى. ففي غياب شخصية كهذه، من المرجح أن تظل جهود إحياء عملية سلام ذات مصداقية متعثرة؛ إذ لا توجد قيادة حالية تتمتع بالسلطة والثقة اللازمتين لحشد تأييد فلسطيني واسع النطاق للقبول بتسويات صعبة.
ويمكن عقد مقارنة تاريخية مفيدة مع نيلسون مانديلا؛ فمثله مثل البرغوثي، سُجن مانديلا لعقود بتهم تتعلق بالمقاومة المسلحة. ومع ذلك، شكّل إطلاق سراحه عام 1990 نقطة تحول، ليس بالنسبة لجنوب أفريقيا فحسب، بل أيضاً بالنسبة للمنظور العالمي لحل النزاعات. لقد برز مانديلا لا كشخصية تسعى للإنتقام، بل كرجل دولة ملتزم بالمصالحة؛ فقد أدرك أن السلام المستدام يتطلب شجاعة أخلاقية ورؤية سياسية وقدرة على تحويل الشرعية إلى قوة موحِّدة.
وتُظهر صراعات أخرى كيف يمكن لإطلاق سراح القادة المسجونين أن يعيد تشكيل المسارات السياسية. ففي أيرلندا الشمالية، تضمنت “اتفاقية الجمعة العظيمة” لعام 1998 الإفراج المبكر عن سجناء ينتمون إلى جماعات شبه عسكرية، وقد لعب الكثير منهم لاحقاً أدواراً بناءة في ترسيخ النظام السياسي. وبالمثل، في الجزائر، برز أحمد بن بلة —الذي سجنته السلطات الإستعمارية سابقاً— كشخصية محورية في مرحلة انتقال البلاد نحو الإستقلال، مما يبرهن على أن القادة المعتقلين يمكن أن يتحولوا لاحقاً إلى مهندسين لبناء الدولة وتحقيق المصالحة السياسية.
قد لا تكون المقارنة مثالية -إذ لا توجد مماثلة تاريخية مثالية تماماً- لكنها تنطوي على دلالات هامة؛ فهي تسلط الضوء على إمكانية تحول أفراد ارتبطوا سابقاً بالعنف إلى عناصر لا غنى عنها في صنع السلام، شريطة أن يمتلكوا السلطة السياسية والرؤية الإستراتيجية لقيادة شعوبهم نحو المصالحة.
إن الإفراج عن البرغوثي لن يكون مجرد لفتة تسامح منفصلة عن الواقع، بل سيكون قراراً سياسياً مدروساً وذا تداعيات بعيدة المدى. وهناك عدة اعتبارات رئيسية تدعم هذا الطرح:
أولاً، قد يساعد الإفراج عنه في إعادة تشكيل قيادة فلسطينية ذات مصداقية وقادرة على التفاوض مع إسرائيل؛ إذ أدت أزمة القيادة الراهنة داخل السلطة الفلسطينية، مقترنةً بالإنقسام المستمر مع حركة حماس، إلى تقويض فرص التمثيل الموحد بشكل كبير، وبإمكان البرغوثي استعادة قدر من التماسك السياسي.
ثانياً، من المرجح أن يؤدي الإفراج عنه إلى إضعاف السرديات المتطرفة؛ فجماعات مثل حماس والجهاد الإسلامي تستمد قوتها -جزئياً- من الإنطباع السائد بأن الدبلوماسية قد فشلت. ويمكن للبرغوثي -الذي يحظى باحترام مختلف الفصائل- أن يتحدى هذه السردية من خلال إثبات أن العمل السياسي قادر على تحقيق نتائج ملموسة.
ثالثاً، قد يولد الإفراج عن البرغوثي زخماً دولياً متجدداً لعملية السلام؛ فقد تراجع الصراع الإسرائيلي -الفلسطيني عن صدارة الإهتمام الدبلوماسي العالمي، وطغت عليه أزمات أخرى. ومن شأن خطوة جريئة كهذه أن تعيد صياغة المشهد المتعلق بالصراع، وربما تحفز الأطراف الدولية على الإنخراط فيه مجدداً بشكل جوهري.
رابعاً، قد يكون لهذه الخطوة أثر إيجابي في تحقيق الإستقرار ضمن الديناميكيات الإقليمية الأوسع؛ إذ لا يزال الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني يمثل مظلمة مركزية تستغلها إيران وشبكتها من الجهات الفاعلة من غير الدول، بما في ذلك حزب الله. ورغم أن تسوية هذا الصراع لن تقضي على تلك التوترات تماماً، إلا أنها قد تقلل من فاعليتها كأدوات للحشد والتحريض ضد إسرائيل.
خامساً، يمكن النظر إلى الإفراج عن البرغوثي ليس باعتباره تنازلاً إسرائيلياً، بل كإستثمار إستراتيجي في الأمن طويل الأمد؛ فتاريخ إسرائيل يثبت أن التفوق العسكري وحده لا يكفي لتحقيق سلام دائم. فالأمن المستدام يتطلب ترتيبات سياسية تعالج الأسباب الجذرية للصراع، ومن ثم فإن تمكين زعيم فلسطيني قادر على تطبيق هذه الترتيبات والحفاظ عليها يصب في مصلحة إسرائيل ذاتها.
سادساً، سيكون انخراط الولايات المتحدة أمراً بالغ الأهمية لتسهيل خطوة كهذه؛ فلا توجد جهة خارجية تمتلك نفوذاً على صنع القرار الإسرائيلي يفوق نفوذها. وإذا كانت أي إدارة أمريكية مستقبلية -بما في ذلك إدارة ترامب- جادة في الدفع نحو السلام الإسرائيلي – الفلسطيني، فيجب عليها أن تبدي استعداداً لإعطاء الأولوية لمبادرات جريئة وحساسة سياسياً. يمكن أن تشكل الدعوة إلى إطلاق سراح البرغوثي حجر الزاوية في مسعى كهذا.
صحيح أن العقبات هائلة؛ فالرأي العام الإسرائيلي لا يزال متشككاً للغاية -إن لم يكن معارضاً تماماً- لفكرة الإفراج عن شخصية أُدينت بتدبير هجمات دامية. وأي حكومة إسرائيلية تفكر في خطوة كهذه ستواجه معارضة داخلية شديدة. ومع ذلك، يشير التاريخ إلى أن القرارات الجذرية في الصراعات الممتدة تتطلب غالباً شجاعة سياسية تتجاوز المشاعر العامة السائدة في اللحظة الراهنة.
وبالنسبة للإسرائيليين، لا تكمن المسألة الجوهرية في ما إذا كان البرغوثي شخصية خالية من العيوب، بل فيما إذا كان إطلاق سراحه قادراً على تغيير مسار الصراع بشكل ملموس. فبعد ما يقرب من ثمانية عقود من العنف المتكرر، بات من الواضح تماماً أن الوضع الراهن غير قابل للإستمرار؛ إذ لم يحقق الردع العسكري -على الرغم من ضرورته- الإستقرار المنشود، وكذلك الحال بالنسبة لغياب أفق سياسي ذي مصداقية. وقد أثبتت حكومة نتنياهو اليمينية المتطرفة مدى خطورة الإعتماد على القوة العسكرية لإجبار الفلسطينيين على الخضوع.
لذا، لا بد من إيصال رسالة واضحة إلى الجمهور الإسرائيلي: لن يتحقق أمن دائم، ولا استقرار إقليمي، ولا تطبيع مع دول عربية أخرى دون تسوية القضية الفلسطينية. إن السعي لتحقيق “إسرائيل الكبرى” أو الإكتفاء بإدارة الصراع إلى أجل غير مسمى لا يجلب سلاماً ولا يمنح شرعية. فالتعايش ليس تنازلاً، بل هو المسار العملي الوحيد للمضي قدماً.
لست ساذجاً لدرجة افتراض أن إطلاق سراح البرغوثي أمر وارد في ظل العقلية النفسية الوطنية السائدة حالياً بين الإسرائيليين، كما أنني لا أعتقد أن أي حكومة جديدة ستتشكل عقب انتخابات أكتوبر ستمتلك الشجاعة والرؤية للإقدام على خطوة تاريخية كهذه.
لكن هذا لا يعني أن علينا القبول بالوضع الراهن المحفوف بالمخاطر. إذ يتعين على كل فرد أو زعيم -سواء داخل إسرائيل أو خارجها- ممن يكترثون لمستقبل البلاد، أو يهتمون برفاه الفلسطينيين وحقهم في إقامة دولتهم، أن يرفعوا أصواتهم ويبادروا بفتح باب النقاش. فالوقت لا يعمل لصالح إسرائيل، لا سيما وأن شرعيتها الدولية تتآكل بشكل خطير في أعقاب الحرب الكارثية على غزة.
ينبغي النظر إلى إطلاق سراح مروان البرغوثي لا باعتباره ثمناً يُدفع، بل كفرصة يجب اغتنامها؛ فهو يمثل انفراجة استراتيجية لإعادة تشكيل المشهد السياسي الفلسطيني، وبث روح جديدة في الدبلوماسية، وإعادة ضبط الديناميكيات الإقليمية بما يخدم المصالح طويلة الأمد لجميع الأطراف المعنية.
فبعد عقود من إراقة الدماء، لم يعد التمسك بالوضع الراهن استراتيجية، بل صار استسلاماً لصراع أبدي. إن الإفراج عن مروان البرغوثي ليس لفتة قائمة على الرحمة، بل ضرورة استراتيجية؛ فبدون اتخاذ خطوات جريئة سيظل السلام وهماً، أما معها، فقد يتبلور أخيراً مسارٌ ذو مصداقية نحو التعايش السلمي.




