الدكتور حسن العاصي
أكاديمي وكاتب فلسطيني
هناك أوجاع لا تُدفن مع أصحابها، بل تُدفن فينا نحن. أوجاع تبقى حيّة رغم مرور السنوات، تكبر بصمت كما تكبر الشقوق في الجدران القديمة، حتى يصبح القلب بيتاً مهدماً يسكنه الغياب. والموتى، رغم كل شيء، لا يعرفون ما فعل رحيلهم بنا. لا يعرفون أن جزءاً منا مات معهم يوم غابوا، وأن الجزء الباقي لم يعش بعدهم كما كان من قبل.
لا يعرف الموتى أننا بعد دفنهم عدنا إلى بيوتنا نحمل نعوشاً أخرى داخل صدورنا. لا يعرفون كيف جلسنا في الليلة الأولى نحدق في الفراغ كمن ينتظر معجزة مستحيلة. كيف نمنا منهكين من البكاء، ثم استيقظنا على الكابوس نفسه، لنكتشف أن الأمر لم يكن حلماً وأن الذين أحببناهم حقاً لن يعودوا أبداً. لا يعرفون أن العالم في ذلك اليوم انقسم إلى نصفين: عالم كان فيه وجودهم يملأ الجهات الأربع، وعالم آخر بارد ووحيد بدأ منذ اللحظة التي أغمضوا فيها أعينهم للمرة الأخيرة.
لا يعرف الموتى أن أصعب ما في الفقد ليس ساعة الرحيل، بل ما بعدها. الأيام الطويلة التي تبدو عادية للآخرين بينما نعبرها نحن بأقدام مثقلة بالحزن. الذكريات التي تهاجمنا دون استئذان. الأماكن التي فقدت روحها. الضحكات التي لم تعد تكتمل. والأحاديث التي ما زلنا نؤجلها في داخلنا وكأنهم سيعودون ذات يوم ليسمعوها.
ولا يعرف الموتى أننا لم نتعلم كيف نعيش من دونهم، بل تعلمنا فقط كيف نخفي انهياراتنا عن الناس. كيف نبتسم حين يجب أن نبتسم، وكيف نرد على الأسئلة العادية بينما في أعماقنا مقبرة كاملة من الأشواق والحنين والندم والكلمات التي تأخرت كثيراً. لأن بعض الراحلين لا يغادرون الحياة حقاً، بل يبقون فينا كجرح مفتوح لا يلتئم، وكصوت بعيد ينادينا من مكان لا تصل إليه أيدينا ولا دموعنا.
وربما لو عاد الموتى للحظة واحدة، ونظروا إلى ما فعلته غيبتهم بقلوبنا، لأدركوا أن الذين رحلوا استراحوا… أما الذين بقوا، فما زالوا حتى اليوم يحملون أوزار الفاجعة وحدهم.
أوجاع لا يدفنها التراب
لا يعرف الموتى أن بعض الذين تركوهم خلفهم لا يبكونهم فقط… بل يبكون أنفسهم أيضاً.
يبكون تلك المرات التي قالوا فيها: “سأتصل به غداً.” وذلك الغد لم يأتِ أبداً.
يبكون الرسائل التي لم تُرسل، والزيارات التي أُجلت، والأحاديث التي انقطعت بسبب انشغالات تافهة ظننا أنها أهم من الوقت. لا يعرف الموتى أننا بعد رحيلهم نكتشف الحقيقة الأكثر قسوة في الحياة: أن كل شيء كان يمكن تأجيله إلا الحب، وكل شيء كان يمكن تعويضه إلا الإنسان.
كم من ابن يستيقظ أحياناً في منتصف الليل وهو يتذكر آخر مكالمة مع أبيه، ثم يعيدها في رأسه ألف مرة، باحثاً عن جملة واحدة كان يجب أن يقولها ولم يفعل. كم من أم رحلت وفي قلب ابنها كلمة “سامحيني” لم تخرج في وقتها. كم من أخ غادر الدنيا بعد خصام صغير، فبقي الأخ الآخر يحمل ذلك الخصام فوق ظهره سنوات طويلة كأنه يحمل صخرة لا تنكسر ولا تسقط.
لا يعرف الموتى أن بعض الأحياء يعيشون أعماراً كاملة في محاكم داخلية لا تنتهي. يقفون فيها متهمين وقضاة وجلادين في الوقت نفسه. يحاكمون أنفسهم على كل دقيقة ضاعت، وكل موعد تأجل، وكل حضن لم يُمنح، وكل اعتذار وصل متأخراً بعد أن أُغلق الباب الأخير بين الأرض والسماء.
وأقسى ما في الأمر أن الذنب لا يحتاج إلى حقائق كي يعيش. يكفي أن يتسلل سؤال صغير إلى القلب: “ماذا لو؟” ماذا لو ذهبت يومها؟ ماذا لو اتصلت؟ ماذا لو بقيت معهم ساعة إضافية؟ ماذا لو قلت لهم كم أحبهم؟ ثم يتحول هذا السؤال الصغير إلى وحش هائل يلتهم العمر كله.
لا يعرف الموتى أن بعضنا لا يخاف ذكراهم، بل يخاف تلك النسخة من نفسه التي تظهر عند تذكرهم. النسخة المكسورة، العاجزة، المليئة بالندم. النسخة التي تجلس وحدها أحياناً أمام صورة قديمة وتهمس بصوت مرتجف: لو عاد الزمن دقيقة واحدة فقط… أقسم أنني سأفعل كل شيء بشكل مختلف.
لكن الزمن لا يعود، والموت لا يعيد أحداً. وتبقى الكلمات التي لم تُقَل معلقة في الحلق سنوات طويلة، كأنها عظام صغيرة من الحزن لا يمكن ابتلاعها ولا لفظها. وربما لهذا السبب لا تنتهي بعض المآتم أبداً.
فالناس يظنون أن العزاء ينتهي حين يُغلق القبر، بينما الحقيقة أن هناك قبوراً تُفتح كل ليلة داخل الصدور… لا لنبكي من رحلوا، بل لنبكي كل ما لم نفعله لهم قبل أن يرحلوا.
لا يعرف الموتى أن ذكراهم تتحول إلى كمائن
لا يعرف الموتى أن أكثر الأشياء التي تقتلنا بعدهم ليست الذكريات الكبيرة… بل الذكريات الصغيرة جداً. تلك التي تبدو تافهة إلى درجة لا تستحق الانتباه. رائحة عطر عابرة في شارع مزدحم، ضحكة تشبه ضحكتهم، اسم يمر مصادفة على لسان أحد، كوب قديم في زاوية المطبخ، أو صورة تظهر فجأة بينما كنا نبحث عن شيء آخر.
لا يعرف الموتى أن الإنسان يستطيع أن ينجو من يوم كامل، ثم تهزمه رائحة. وأن قلباً صمد أمام سنوات من الغياب قد ينهار فجأة أمام قميص قديم ما زال يحتفظ بشيء من رائحتهم. لا يعرفون أننا أحياناً نفتح خزانة الملابس فتنهار أرواحنا قبل أن تلمس أيدينا الثياب. نقف للحظة، نتنفس المكان الذي كانوا فيه، ثم نشعر بأن الغياب ليس فكرة ولا ذكرى… بل سكين ما زالت مغروسة في اللحم منذ سنوات.
لا يعرف الموتى أن ذكراهم لا تزورنا بل تترصدنا. تختبئ خلف الأبواب، داخل الأغاني، في المقاعد الفارغة، في المناسبات التي كان يجب أن يكونوا فيها، وفي اللحظات الجميلة التي تفسد كلها لأن شخصاً واحداً ناقص منها. شخص واحد فقط، ومع ذلك يبدو غيابه أكبر من المكان كله.
لا يعرف الموتى أننا أحياناً نرى أشخاصاً من الخلف فنركض إليهم بلهفة الأطفال، لأن شيئاً في مشيتهم يشبههم. ثم يلتفت الغريب فنشعر بخيبة لا توصف، كأننا فقدناهم مرة ثانية خلال ثوان قليلة. وكأن الموت لا يكتفي بالمرة الأولى.
لا يعرف الموتى أن أصعب اللحظات ليست لحظات البكاء، بل تلك اللحظات الخاطفة التي ننساهم فيها لثوانٍ، ثم نتذكر.
نتذكر فجأة، بقسوة، كأن الخبر وصلنا الآن، كأن أحدهم دخل علينا هذه اللحظة ليقول: لقد ماتوا. فنبتلع الصدمة ذاتها، والألم ذاته، والعجز ذاته، مرة أخرى، ومرة أخرى، ومرة أخرى.
ولا يعرف الموتى أن بعض الذكريات مؤذية إلى درجة أننا نهرب منها. نهرب من الصور، ومن الرسائل القديمة، ومن التسجيلات الصوتية، ومن كل ما يحمل ملامحهم.
لكننا نعود إليها في الليل، دائماً نعود. نجلس أمامها كما يجلس الجائع أمام مائدته الأخيرة. نعرف أنها ستكسرنا، ونعرف أننا سنبكي بعدها، ومع ذلك نعود. لأن الوجع الذي يأتي منهم، رغم قسوته، أرحم من حياة لا يأتي منهم فيها شيء.
وربما أكثر ما لا يعرفه الموتى، أن ذكرى واحدة منهم قادرة أحياناً على إفساد تماسك سنوات كاملة، وأن الإنسان قد يعيش عمراً بأكمله متظاهراً بالنجاة… ثم تسقطه صورة قديمة، فيبكي كأن الفاجعة حدثت قبل دقيقة واحدة فقط.
لا يعرف الموتى أننا نتحدث إليهم في غيابهم
لا يعرف الموتى أن رحيلهم لم يقطع الحديث بيننا وبينهم. نعم، انقطعت أصواتهم، لكن أصواتنا نحن لم تتوقف. ما زلنا نكلمهم. في الطرقات، وفي الليالي الطويلة، وأمام الصور القديمة، وعند شواهد القبور، وفي اللحظات التي يضيق فيها القلب حتى يظن صاحبه أنه لن ينجو.
لا يعرف الموتى أننا كلما تعبت أرواحنا بحثنا عنهم، لا لأننا نعتقد أنهم سيجيبون، بل لأن الحزن حين يبلغ ذروته لا يبحث عن الحلول، بل يبحث عن الوجوه التي كان يشعر معها بالأمان.
كم مرة حدث شيء جميل وتلفتنا نحو هواتفنا لنخبرهم؟ كم مرة انتصرنا في معركة صغيرة من معارك الحياة وأردنا أن نسمع عبارة واحدة منهم: “أنا فخور بك.”
ثم تذكرنا أن أرقامهم ما زالت محفوظة في هواتفنا، لكن لا أحد سيجيب، وأن أسماءهم ما زالت تضيء الشاشات، لكن أيديهم لم تعد هنا لتكتب، وأن المسافة بيننا وبينهم لم تعد أمتاراً أو مدناً أو بحاراً، بل موتا، والموت أبعد مسافة اخترعها الله بين قلبين.
لا يعرف الموتى أننا أحياناً نتشاجر معهم بعد رحيلهم. نعاتبهم، نغضب منهم، ونسألهم باكين: لماذا رحلتم بهذه السرعة؟ لماذا تركتمونا وحدنا أمام هذا العالم؟ لماذا أخذتم دفء المكان معكم؟ ثم لا نحصل على أي جواب، فنجلس في صمت يشبه اليتم. ذلك النوع من اليتم الذي لا علاقة له بالعمر.
فقد يكون الرجل في السبعين من عمره، لكنه حين يتذكر أمه يصبح طفلاً ضائعاً يبكي في داخله. وقد تكون المرأة جدة لأحفاد كثيرين، لكنها حين تشتاق إلى أبيها تشعر أن الدنيا كلها أصبحت أكبر من قدرتها على الاحتمال.
لا يعرف الموتى أننا حين نتألم كثيراً نبحث عن أصواتهم. بعضنا يشغل رسالة صوتية قديمة للمرة الألف. لا ليستمع إليها حقاً، بل لينجو، لينجو من الاختناق، لينجو من فكرة أن النسيان بدأ يقترب.
فبعض الناس لا يخافون الموت بقدر ما يخافون أن ينسوا صوت من يحبون. أن يستيقظوا ذات يوم فلا يتذكروا نبرة الضحكة، ولا طريقة النداء، ولا الكلمات المفضلة. وكأن الموت لم يسرق الجسد فقط، بل بدأ يسرق التفاصيل أيضاً. وتلك فاجعة أخرى لا يتحدث عنها أحد.
لا يعرف الموتى أن أكبر كوابيسنا ليست صور قبورهم، بل خوفنا من أن تتآكل ملامحهم داخل ذاكرتنا. أن نحاول استحضار وجوههم فلا تأتي كاملة، أن نغلق أعيننا بحثاً عنهم فنجد الصورة مشوشة، أن يبدأ الزمن بسرقة ما أبقاه الموت لنا.
حينها لا نبكي الغياب فقط، نبكي الذكرى نفسها وهي تموت، نبكي آخر الأشياء التي كانت تربطنا بهم، نبكيهم مرة أخرى، وكأن موتهم الأول لم يكن كافياً.
لا يعرف الموتى أن الزمن لم يشفِ شيئاً
لا يعرف الموتى أن الناس كذبوا علينا حين قالوا إن الأيام ستخفف الوجع. قالوا إن الوقت طبيب، وإن السنوات ستمحو آثار الفاجعة، وإن القلب سيتعلم النسيان. لكنهم لم يكونوا يعرفون أن بعض الأحزان لا تشفى، بل تتجذر. لا تموت، بل تنمو بصمت، وتتمدد داخل الروح مثل جذور شجرة سوداء لا نراها، لكنها تلتف حول كل شيء جميل وتحوله إلى ذكرى مؤلمة.
لا يعرف الموتى أننا لم نتجاوزهم، كل ما في الأمر أننا تعلمنا كيف نحمل المصيبة بأناقة أكبر. تعلمنا كيف نبتسم أمام الناس، كيف نرد على الأسئلة، كيف نذهب إلى أعمالنا، كيف نشارك في الأفراح، كيف نبدو طبيعيين. لكن أحداً لا يرى تلك المقبرة التي نحملها معنا إلى كل مكان. أحداً لا يسمع أصوات الغائبين التي لا تنام في رؤوسنا. أحداً لا يعلم أن بعض البشر يضحكون طوال النهار، ثم يجلسون في منتصف الليل يبكون شخصاً مات منذ عشرين عاماً وكأن التراب أُهيل عليه قبل ساعة واحدة فقط.
لا يعرف الموتى أن الحزن الحقيقي لا يشبه العاصفة. العاصفة تنتهي، أما الحزن الحقيقي فيشبه نزيفاً بطيئاً. قطرة بعد قطرة، سنة بعد سنة، حتى يكتشف الإنسان أنه لم يعد الشخص الذي كأنه يوماً.
لا يعرف الموتى أن بعض الليالي تتحول إلى مآتم سرية. بعد أن ينام الجميع، بعد أن يخفت الضجيج، بعد أن تتوقف الحياة عن التظاهر بالقوة، نجلس وحدنا، نحدق في السقف، ونشعر أن العالم كله ابتعد فجأة. فتبدأ الوجوه بالظهور، وتبدأ الأصوات بالعودة، وتبدأ الذكريات بفتح أبوابها الواحدة تلو الأخرى. فنكتشف أننا لم ننجُ، لم نتعافَ، لم ننسَ، كنا فقط مؤجلين. وكان الوجع ينتظر هدوء الليل ليأخذ حقه كاملاً.
لا يعرف الموتى أن أكثر ما يحطمنا ليس أنهم غادروا، بل أن الحياة استمرت من بعدهم، استمرت بشكل مهين، بشكل قاسٍ، بشكل لا يليق بحجم الكارثة.
حين تشرق الشمس في اليوم التالي، وتفتح المتاجر أبوابها، وتزدحم الشوارع بالناس، وبضحك الأطفال، وينشغل العالم بأخباره الصغيرة.
بينما نحن كنا نحاول أن نفهم كيف يمكن للأرض أن تواصل دورانها، بعدما توقف شخص واحد عن التنفس؟ كيف لم تسقط السماء؟ كيف لم ينطفئ الضوء؟ كيف لم يشعر الكون كله بالفاجعة التي مزقتنا؟
بالنسبة للعالم مات إنسان، أما بالنسبة لنا فقد انهار عالم كامل، بما فيه من وجوه وأصوات وأمان وأحلام.
ولا يعرف الموتى أن أقسى مراحل الحزن ليست البدايات، بل النهايات البطيئة. حين يبدأ الناس بنسيانهم، حين يقل ذكر أسمائهم، حين تتوقف الألسنة عن الحديث عنهم، حين يصبحون عند الآخرين مجرد ذكرى بعيدة.
أما نحن، فنظل نحرس غيابهم وحدنا، نحمله كمن يحمل طفلاً ميتاً في قلبه، لا يستطيع دفنه، ولا يستطيع إعادته إلى الحياة، فنعيش أعمارنا كلها بين مصيبتين: مصيبة أنهم رحلوا، ومصيبة أن العالم كله تعافى منهم، بينما بقينا نحن عالقين عند باب الفاجعة، نبكي في السر، ونكبر في العمر، لكن ذلك الجزء المكسور داخلنا ما زال جالساً في يوم الرحيل نفسه، ينتظر معجزة لن تأتي أبداً.
لا يعرف الموتى أن بعضنا مات معهم
لا يعرف الموتى أن الذين وقفوا عند قبورهم يوم الرحيل لم يعودوا إلى بيوتهم كما كانوا. عادوا بأجسادهم فقط. أما شيء آخر في داخلهم، فقد بقي هناك، تحت التراب، إلى جوار الاسم المحفور على شاهد القبر.
لا يعرف الموتى أن بعض الناس لم يفقدوهم فقط، بل فقدوا أنفسهم معهم، فقدوا النسخة التي كانت تضحك من قلبها، والنسخة التي كانت تؤمن أن الدنيا مكان آمن، والنسخة التي كانت تنام دون هذا الثقل فوق صدرها، والنسخة التي كانت قادرة على الفرح دون أن تشعر بالذنب.
لا يعرف الموتى أن هناك يوماً ينقسم فيه العمر إلى نصفين: عمر قبلهم، وعمر بعدهم.
وأن ما بعدهم لا يشبه ما قبله أبداً، حتى لو بدت الأشياء نفسها، حتى لو بقي البيت نفسه، والشارع نفسه، والوجوه نفسها، فإن الروح لم تعد الروح، والإنسان لم يعد الإنسان.
لا يعرف الموتى أن بعض الأحزان لا تجعلنا نبكي فقط، بل تجعلنا نشيخ، فجأة، بلا مقدمات. كأن الفاجعة تضيف عشرات السنين إلى القلب في ليلة واحدة، فتتغير نظرتنا للحياة، ونظرتنا للناس، ونظرتنا لأنفسنا، ونكتشف أن جزءاً من البراءة مات إلى الأبد، وجزءاً من الطمأنينة مات إلى الأبد، وجزءاً من القدرة على الحب دون خوف مات إلى الأبد.
لا يعرف الموتى أننا منذ رحيلهم أصبحنا نخاف الوداع أكثر. نخاف التعلق، نخاف الغياب، نخاف الهواتف التي ترن في ساعات متأخرة، ونخاف المستشفيات، ونخاف الأخبار المفاجئة، لأننا تعلمنا بالطريقة الأكثر وحشية أن كل شيء يمكن أن يُسلب منا في لحظة واحدة. كل شيء، دون استئذان، ودون رحمة.
لا يعرف الموتى أن بعضنا يجلس أحياناً بين الناس ويشعر بأنه غريب. يضحك معهم، ويتحدث معهم، ويرد على أسئلتهم. لكن شيئاً عميقاً في الداخل يبقى بعيداً، بعيداً جداً، كأنه عالق في زمن آخر، في يوم آخر، في لحظة أخرى. في تلك الدقيقة التي سمع فيها الخبر للمرة الأولى، الدقيقة التي انطفأ فيها العالم، ولم يعد مضاءً كما كان.
لا يعرف الموتى أن أكثر ما يؤلم ليس أننا نفتقدهم، بل أننا نفتقد الإنسان الذي كنا عليه حين كانوا معنا. نشتاق إلى أنفسنا القديمة، إلى ذلك القلب الذي لم يكن يعرف كل هذا الخراب.
إلى تلك الروح التي لم تكن تحمل كل هذه المقابر، إلى ذلك الشخص الذي كان يخطط للغد بثقة، دون أن يعرف أن الغد قادر على أن يسرق كل شيء.
لا يعرف الموتى أن بعضنا لم يخرج من يوم رحيلهم أبداً. مرت السنوات، وتبدلت المدن، وتغيرت الملامح، وشابت الرؤوس، لكن هناك جزءاً صغيراً في داخلنا ما زال جالساً في ذلك اليوم.
يبكي، وينتظر، ويرفض أن يصدق. جزء ما زال ينظر إلى الباب الأخير الذي خرجوا منه، ويرجو في أعماقه أن يعودوا، ولو مرة واحدة، ولو دقيقة واحدة، ولو حلماً واحداً لا ينتهي بالاستيقاظ.
لأن بعض البشر حين يرحلون لا يتركون وراءهم فراغاً فقط، بل يتركون خراباً صامتاً يمتد في أرواح من أحبّوهم سنوات وسنوات. وتمضي الحياة بعد ذلك، لكن شيئاً في الداخل يبقى راكعاً عند حافة الفاجعة، يبكي بصمت، وكأن الرحيل حدث قبل لحظات فقط.
لا يعرف الموتى أن انتظارهم لم ينتهِ أبداً
لا يعرف الموتى أن قلوبنا لم تقتنع تماماً برحيلهم. ليس لأننا ننكر الموت، ولا لأننا نجهل الحقيقة، بل لأن الحب أحياناً يكون أقوى من التصديق، وأبطأ من التصديق، وأعند من التصديق.
لا يعرف الموتى أن جزءاً صغيراً جداً في أعماقنا ما زال ينتظرهم حتى الآن. بعد سنة، وبعد عشر سنوات، وبعد عمر كامل، ما زال ينتظر، كأن شيئاً في الداخل لم تصله الأخبار بعد.
لا يعرف الموتى أننا أحياناً نرفع رؤوسنا فجأة عندما نسمع صوتاً يشبه أصواتهم. فنلتفت بسرعة، بلهفة، بخوف، برجاء خفي. ثم نكتشف أن الغريب غريب، وأنهم ليسوا هنا، فنبتلع خيبة جديدة، ووجعاً جديداً، وفقداً جديداً. وكأن الموت يعيد تقديم نفسه لنا كل مرة بصورة مختلفة.
لا يعرف الموتى أن بعضنا ما زال يحفظ أماكنهم كما تركوها. لا يمسها كثيراً، لا يغيرها كثير، كأنه يخشى أن يعودوا فلا يجدوا أشياءهم، كأن القلب ما زال يجهز البيت لاستقبال مستحيل.
لا يعرف الموتى أن أسماءهم ما زالت تخرج منا بصيغة الحاضر. نقول: “كان يحب”، ثم نصححها، “هو يحب”، ثم نتوقف. “سيأتي”… ثم نصمت، لأن القلب يسبق الحقيقة أحياناً، ولأن اللسان يكشف أحياناً ما نحاول إخفاءه.
لا يعرف الموتى أن بعض الأمهات ما زلن يعددن أبناءهن الموتى ضمن عدد أطفالهن. وبعض الآباء ما زالوا يتركون مساحة فارغة على المائدة لا يشعر بها سواهم. وبعض الزوجات يلتفتن نحو الجانب الآخر من السرير قبل النوم. وبعض الأبناء ما زالوا يبحثون عن آبائهم وسط الوجوه، رغم أن السنوات مرت، ورغم أن الشعر شاب، ورغم أن القبور امتلأت بالعشب.
لا يعرف الموتى أن بعض الليالي تتحول إلى جلسات انتظار طويلة. نجلس فيها وحدنا، نتخيل لو أنهم دخلوا الآن، هذه اللحظة، لو فُتح الباب فجأة، لو عاد الصوت، لو عاد الوجه، لو عادت الخطوات التي كنا نحفظ إيقاعها أكثر من نبض قلوبنا.
ماذا سنفعل؟ هل سنبكي؟ هل سنضحك؟ هل سنرتمي في أحضانهم؟ أم سنعاتبهم لأنهم تركونا لكل هذا العذاب؟ ثم تنتهي الفكرة دائماً بالطريقة نفسها، صمت، وفراغ، وحقيقة باردة لا ترحم. أنهم لن يعودوا، أبداً.
ولا يعرف الموتى أن أقسى ما فعلوه بنا أنهم حولوا الانتظار إلى أسلوب حياة. ننتظرهم في الأحلام، وننتظرهم في الذكريات، وننتظرهم في كل شيء يشبههم، حتى إذا جاءت النهاية إلينا يوماً ما، ورأينا ملامحهم من جديد، لن يكون ذلك لقاءً عادياً. سيكون انهيار عمر كامل من الشوق، انهيار كل تلك السنوات التي قضيناها نمد أيدينا نحو الفراغ. وننادي أسماءهم في سرّنا، ونبكيهم بصمت، ونعيش بنصف قلب، في انتظارهم.
العالقون عند باب الفاجعة
لا يعرف الموتى شيئاً عن كل هذا الخراب الذي تركوه خلفهم. لا يعرفون أن رحيلهم لم يكن يوماً واحداً، بل كان عمراً كاملاً من الانكسارات المتلاحقة. لا يعرفون أننا لم نبكهم في يوم الدفن فقط، بل بكيناهم في كل مرة احتجنا إليهم ولم نجدهم.
في كل مرة هزمنا التعب، في كل مرة خذلتنا الحياة، في كل مرة أردنا أن نهرب إلى حضن يعرف كيف يرمم أرواحنا، ثم تذكرنا أنه تحت التراب.
لا يعرف الموتى أن أكثر ما قتلنا ليس رحيلهم، بل اعتيادنا القسري على رحيلهم. ذلك الشعور المهين حين يعتاد الإنسان غياب أعز الناس إليه. حين يمر يوم كامل دون أن يسمع صوتهم، ثم أسبوع، ثم شهر، ثم سنة، ثم عمر بأكمله. وكأنه يُدرَّب ببطء على الحياة مبتور القلب.
لا يعرف الموتى كم يبدو الأمر مرعباً حين تكتشف أن آخر مرة رأيت فيها وجههم أصبحت قبل عشر سنوات. وأن آخر عناق صار بعيداً إلى درجة تشبه الأساطير. وأن آخر كلمة قالوها بدأت تتآكل في الذاكرة.
وأن كل ما تبقى منهم الآن، بعض الصور، وبعض الذكريات، وقلبٌ متعب يرفض الاستسلام للنسيان.
لا يعرف الموتى أن بعض أحبتهم ما زالوا يعيشون بنصف روح، نصفٌ يمشي بين الناس، ويعمل، ويضحك، ويتحدث. ونصفٌ آخر ما زال جالساً هناك، في ذلك اليوم البعيد، في تلك الغرفة، عند ذلك السرير، أو أمام ذلك القبر. يراقب اللحظة التي أخذتهم للمرة الأخيرة، ويعيدها في رأسه آلاف المرات. كأن الإعادة ربما تغيّر النهاية، لكن النهاية لا تتغير، أبداً.
ولا يعرف الموتى أن هناك قلوباً أنهكها الانتظار حتى لم تعد تطلب عودتهم، بل صارت تطلب لقاءهم فقط، أي لقاء، أي لحظة، أي حلم طويل لا ينتهي بالاستيقاظ. لأن الشوق حين يطول جداً لا يعود شوقاً، بل يتحول إلى شكل من أشكال الألم المزمن. ألم يسكن الإنسان حتى يصبح جزءاً من دمه، وجزءاً من صوته، وجزءاً من نظرته إلى العالم.
وربما أكثر الأشياء التي لا يعرفها الموتى عنا، أننا لم نكمل الحياة بعدهم لأننا أقوياء، بل لأن الموت لم يأخذنا معهم، فقط لهذا السبب. لقد بقينا هنا رغماً عنا. نجرّ أيامنا، ونحمل أشواقنا، ونخبئ دموعنا، ونتظاهر بأن الأمور بخير. بينما في أعماقنا شخصٌ صغير لم يكبر منذ يوم رحيلهم. شخصٌ ما زال يبكيهم في السر، وما زال ينادي أسماءهم في العتمة، وما زال ينتظر المستحيل، وما زال يتمنى، بكل ما بقي فيه من قلب.
لو أن الموت كان أرحم قليلاً، فأعاد لنا مرة واحدة فقط، شخصاً أخذ معه كل الضوء ورحل.




