تتسع رقعة الاحتجاجات في أوروبا، مع تصاعد الغضب من ارتفاع تكاليف المعيشة وأزمة السكن وتراجع جودة الخدمات العمومية، فيما تعيش فرنسا واحدة من أكثر موجات الاضطراب حدة خلال الأسابيع الأخيرة، بعدما انتقلت التحركات الطلابية إلى الشارع وانضمت إليها فئات اجتماعية ونقابية أخرى.
في فرنسا، شهدت مظاهرات السبت 17 أكتوبر مواجهات وأعمال تخريب في عدد من المدن، من بينها باريس ومرسيليا وليون وبوردو. وقدرت وزارة الداخلية عدد المشاركين بنحو 550 ألف شخص، فيما تحدثت تقارير إعلامية عن أكثر من ألفي موقوف وإصابة مئات من عناصر الأمن، وسط استمرار الجدل بشأن استخدام القوة خلال تفريق الاحتجاجات.
وبدأت التحركات بمطالب مرتبطة بظروف الدراسة ونقص المدرسين وتدهور بعض المؤسسات التعليمية، قبل أن تتسع لتشمل غلاء المعيشة وارتفاع أسعار الوقود والتفاوتات الاجتماعية ورفض إجراءات التقشف. كما عادت حركة «السترات الصفراء» إلى واجهة المشهد الاحتجاجي، في مؤشر على تداخل المطالب الاجتماعية مع الاحتقان السياسي والاقتصادي.
ولم تتوقف التطورات عند المظاهرات؛ إذ شهدت باريس، مساء الأحد، عمليات نهب وتخريب طالت متاجر، بالتزامن مع انتشار أمني وإغلاق بعض محطات المترو، بينما توعدت السلطات بمحاسبة المتورطين في أعمال العنف.
وبالتوازي مع التطورات الفرنسية، شهدت دول أوروبية أخرى احتجاجات على خلفيات اجتماعية واقتصادية وسياسية مختلفة. ففي بلجيكا، اندلعت مواجهات خلال تحركات رافضة لسياسات التعليم والتخفيضات في الميزانية، بينما عرفت إيطاليا احتجاجات على غلاء المعيشة، تخللتها مواجهات في بعض المدن.
وفي البرتغال، خرج متظاهرون إلى شوارع لشبونة للتنديد بارتفاع الإيجارات وتفاقم أزمة السكن، فيما تواصلت الاحتجاجات في ألبانيا، حيث امتدت المطالب من تحسين التعليم إلى الاعتراض على الفساد والقيادة السياسية.
ورغم اختلاف السياقات المحلية، يجمع هذه التحركات شعور متزايد بالضغط الاقتصادي والاجتماعي، وتنامي الاستياء من السياسات العمومية، خصوصا لدى الشباب والفئات المتضررة من ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية.
يرتبط مستقبل هذه الاحتجاجات بقدرة الحكومات على الاستجابة للمطالب الاجتماعية، واحتواء الغضب دون توسيع دائرة المواجهة. لكن انتقال التحركات بين دول القارة لا يعني بالضرورة وجود قيادة موحدة أو حركة احتجاجية واحدة؛ فلكل بلد أسبابه السياسية والاجتماعية الخاصة.
ومع ذلك، تكشف التطورات عن تحدٍّ مشترك أمام الحكومات الأوروبية: كيف يمكن استعادة الثقة في المؤسسات وتخفيف الأعباء الاقتصادية، مع ضمان الحق في التظاهر وحماية الممتلكات والأشخاص؟ وفي فرنسا تحديدا، بات الاختبار أكثر إلحاحا، بعدما تجاوزت الأزمة حدود المطالب الطلابية لتضع العلاقة بين الدولة والشارع أمام مواجهة مفتوحة على احتمالات متعددة.




