فضيحة الاستوزار تهز حكومة المنصوري.. أسئلة محرجة تطارد نزار بركة

 

لم تعمّر ماديحة خيير في الحكومة الجديدة سوى 48 ساعة، لكنها كانت كافية لتحويل أولى محطات حكومة فاطمة الزهراء المنصوري إلى أزمة سياسية وإعلامية وضعت طريقة اختيار الوزراء تحت مجهر الرأي العام. فبعد الإعلان عن تعيينها وزيرة منتدبة مكلفة بالتكوين المهني والتأهيل، انفجر الجدل بشأن معطيات قضائية وطبية متداولة مرتبطة بملف سابق، لينتهي الأمر بطلب إعفائها من مهامها، وهو الطلب الذي وافق عليه الملك محمد السادس يوم الأحد 18 أكتوبر الجاري، طبقا للفصل 47 من الدستور.

هكذا، وجدت الحكومة الجديدة نفسها أمام واقعة غير مألوفة في بداية ولايتها: تعيين رسمي يعقبه إعفاء سريع، قبل أن تستقر صورة التشكيلة الحكومية لدى الرأي العام، وقبل أن تنتقل الأنظار إلى البرنامج الحكومي والأولويات الاجتماعية والاقتصادية التي تنتظر المواطنين.

السؤال الذي يفرض نفسه اليوم لا يتعلق فقط بقرار الإعفاء، بل بكيفية وصول اسم ماديحة خيير إلى الحكومة من الأساس. فالوزيرة المعفاة تنتمي إلى حزب الاستقلال، الذي يقوده نزار بركة، ما يضع قيادة الحزب أمام مساءلة سياسية بشأن معايير اختيار مرشحيها للمناصب الحكومية، ومدى التدقيق في الملفات المرتبطة بهم قبل تقديم أسمائهم.

فاطمة الزهراء المنصوري، التي تقود الحكومة الجديدة، وجدت نفسها مطالبة بالتعامل مع ملف يهدد بإرباك انطلاقة فريقها الحكومي. ورغم أن الناطق الرسمي باسم الحكومة تحدث عن معالجة استعجالية للموضوع في إطار تقدير سياسي ومؤسساتي مشترك بين مكونات الأغلبية، فإن سرعة الإعفاء لا تلغي التساؤلات بشأن آليات التدقيق التي سبقت التعيين.

وتزداد حساسية القضية بالنظر إلى الرمزية السياسية التي يحملها تولي امرأة رئاسة الحكومة للمرة الأولى، وما يرافق ذلك من انتظارات بشأن أسلوب التدبير والشفافية والمسؤولية. فالصورة التي تقدمها الحكومة في أيامها الأولى ليست تفصيلا ثانويا، بل جزء من رصيد الثقة الذي تحتاج إليه لإقناع المواطنين بقدرتها على تنفيذ التزاماتها.

والتحدي الذي تواجهه المنصوري اليوم هو أن تثبت الوقائع أن الإعفاء لم يكن مجرد محاولة لإغلاق ملف محرج، وإنما خطوة ضمن نهج واضح في التعامل مع أي معطيات جدية تمس شروط تولي المسؤولية العامة.

إن إنهاء مهام الوزيرة لا يعني بالضرورة أن الأسئلة السياسية قد انتهت. فالرأي العام يحتاج إلى فهم ما جرى، وكيف لم تظهر الإشكالات المثارة إلا بعد التعيين، وما إذا كانت هناك ثغرات في عملية فحص الترشيحات تستوجب المراجعة.

فالقضية لم تعد مرتبطة باسم ماديحة خيير وحده، بل بصورة حكومة لم تبدأ بعد تنفيذ برنامجها، ووجدت نفسها أمام أول أزمة تتعلق بتشكيلتها. كما أنها تضع حزب الاستقلال أمام امتحان توضيح ملابسات الترشيح، وتضع رئاسة الحكومة أمام مسؤولية مراجعة المسار الذي انتهى إلى تعيين لم يدم سوى يومين.

قد تنجح الحكومة في تجاوز هذه الواقعة والعودة إلى ملفات التشغيل والتعليم والصحة والقدرة الشرائية، لكن ذلك لن يتحقق بمجرد الانتقال إلى جدول أعمال جديد. فالثقة لا تُستعاد بالشعارات، وإنما بوضوح المعايير، وتحمل المسؤولية، والقدرة على تفسير القرارات التي تثير تساؤلات مشروعة.

وفي انتظار مزيد من التوضيحات، يبقى السؤال السياسي قائما: من يتحمل مسؤولية وصول هذا الترشيح إلى التعيين، وما الذي سيتغير في آليات اختيار الوزراء حتى لا تتكرر الواقعة؟

إن إعفاء ماديحة خيير أنهى مهمتها الحكومية بسرعة قياسية، لكنه فتح في المقابل ملفا أوسع يتعلق بمصداقية الاختيارات السياسية، ومسؤولية الأحزاب في تزكية مرشحيها، ومسؤولية رئيسة الحكومة عن التشكيلة التي تقودها. وهي أسئلة لن يحسمها قرار الإعفاء وحده، بل ما ستقدمه الأطراف المعنية من توضيحات وما ستتخذه من إجراءات لتفادي تكرار مثل هذا التعثر.


شارك بتعليقك

شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية
   

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني