الهجرة بين السيادة والابتزاز السياسي: الخطاب الملكي وإشكالية إعادة توزيع المسؤوليات بين المغرب وإسبانيا والاتحاد الأوروبي 2/3

بقلم الدكتور محمد محاسن
بتاريخ 19 أكتوبر 2026
توطئة: حين تكشف الأزمة حدود النموذج لا حدود التعاون
في المقال الأول من هذه السلسلة، توقفنا عند الدلالات الاستراتيجية للهدوء الذي طبع الخطاب الملكي، واعتبرنا أن أهميته لا تكمن في مجرد ضبط رد الفعل، وإنما في اقتران هذا الضبط بالإعلان عن مبادرة مغربية ترمي إلى تطوير شروط التعاون مع الشركاء. وقد قادنا ذلك إلى التمييز بين الصرامة الهادئة، باعتبارها قدرة على المحافظة على وضوح الموقف دون الانجرار إلى التصعيد، والقدرة على المبادرة الاستراتيجية، باعتبارها انتقالاً من الاستجابة إلى المساهمة في إعادة صياغة قواعد العلاقة. غير أن هذا الانتقال يطرح سؤالاً أكثر تعقيداً: ما الذي ينبغي تغييره تحديداً في نموذج التعاون المغربي الإسباني الأوروبي في مجال الهجرة؟ قد يبدو الجواب المباشر مرتبطاً بتعزيز المراقبة الأمنية، وتطوير تبادل المعلومات، وتسريع إجراءات العودة، ومحاربة الشبكات التي تستغل تطلعات الشباب إلى الهجرة. لكن الاقتصار على هذه الجوانب يعني معالجة بعض مظاهر الأزمة دون مساءلة البنية التي تجعل تكرارها ممكناً. فالهجرة ليست مجرد حركة أشخاص عبر الحدود. إنها ظاهرة تتداخل فيها تفاوتات التنمية، والتشريعات الوطنية، والالتزامات الدولية، والسياسات الأمنية، والمنافسة الحزبية، وتمثلات الهوية والانتماء. وعندما تقع أزمة بحجم أحداث سبتة، لا يعود السؤال مقتصراً على كيفية وقف تدفق المهاجرين. بل يصبح من الضروري التساؤل عن توزيع المسؤوليات بين الدول، وحدود التزامات كل طرف، ومدى انسجام القوانين المعمول بها مع الأهداف المعلنة للتعاون. ومن هذه الزاوية، لا ينبغي قراءة الخطاب الملكي بوصفه إعلاناً عن تراجع المغرب عن التعاون. فالأقرب إلى منطقه المعلن أنه يدعو إلى مراجعة نموذج لم يعد، في تقدير الجانب المغربي، قادراً على الاستجابة لمتطلبات المرحلة. وهذا فرق جوهري بين إنهاء الشراكة وإعادة التفاوض حول شروط استدامتها.
أولاً: الجغرافيا لا تعني تحمّل المسؤولية وحدها
تضع الجغرافيا المغرب في موقع استراتيجي بالغ الحساسية. فهو يقع عند ملتقى إفريقيا وأوروبا، ويطل على واجهتين بحريتين، ويشكل مجالاً رئيسياً للعبور والتبادل والتواصل بين ضفتي البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي. فهذا الموقع يمنحه فرصاً اقتصادية ودبلوماسية مهمة، لكنه يضعه أيضاً أمام تحديات أمنية وإنسانية مرتبطة بحركة الأشخاص والسلع والشبكات العابرة للحدود. غير أن الموقع الجغرافي لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر لتحميل دولة واحدة مسؤولية ظاهرة تتجاوز حدودها وقدراتها. فالمغرب لا يحدد بمفرده السياسات الأوروبية المتعلقة بالتأشيرات واللجوء والإقامة والعودة. كما أنه لا يتحكم في جميع العوامل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي تدفع مواطنين من دول متعددة إلى محاولة الوصول إلى أوروبا. ولا يستطيع، من الناحية القانونية، أن يحل محل السلطات الإسبانية في اتخاذ القرارات التي تدخل ضمن اختصاص القضاء أو الإدارة الإسبانيين. ومن ثم، فإن مطالبة المغرب بتحقيق نتائج محددة في مجال ضبط الهجرة تستدعي، في المقابل، مساءلة الأدوات القانونية والمؤسساتية التي يملكها شركاؤه لتحقيق الأهداف نفسها. وهنا تظهر إحدى المفارقات البنيوية للتعاون. فقد تتحمل دولة العبور جانباً كبيراً من كلفة الوقاية والمراقبة، بينما تحتفظ دولة الاستقبال بسلطة تقرير الوضع القانوني للأشخاص الذين تمكنوا من الوصول إلى أراضيها. ولا يعني ذلك أن الدولة المستقبلة ينبغي أن تتخلى عن اختصاصاتها أو التزاماتها. بل يعني أن فعالية التعاون تتوقف على الاعتراف بحدود سلطة كل طرف وعلى توزيع الأعباء وفق هذه الحدود. فلا يمكن أن تستقيم المسؤولية المشتركة حين تتوزع السلطات بين الشركاء بينما يُنتظر من أحدهم وحده ضمان النتائج.
ثانياً: عندما تصبح القوانين جزءاً من الإشكال
أثار الخطاب الملكي مسألة حساسة تتعلق ببعض المقتضيات القانونية والقرارات القضائية الإسبانية التي يعتبرها الجانب المغربي عائقاً أمام فعالية التعاون في مجال الهجرة. إنها مسألة جديرة بالمعالجة الدقيقة، بعيداً عن اختزالها في اتهام القضاء الإسباني أو الدعوة إلى تجاوز الضمانات القانونية. فالدولة الديمقراطية تقوم على توزيع الاختصاصات بين المؤسسات، ولا تملك السلطة التنفيذية بالضرورة حرية تجاوز الأحكام القضائية أو الالتزامات الدولية كلما تعارضت مع متطلبات الاستعجال الأمني. وفي المقابل، فإن استقلال القضاء لا يعفي السلطات السياسية من مسؤولية تقييم مدى ملاءمة التشريعات والإجراءات القائمة للتحديات الجديدة. وقد تكشف الأزمات الاستثنائية عن ثغرات إجرائية أو بطء مؤسساتي يستدعي إصلاحاً تشريعياً أو تطويراً لآليات التنسيق. لكن ينبغي التمييز بين وجود صعوبة قانونية وبين اعتبار الحماية القانونية نفسها سبباً غير مشروع للأزمة. فحق اللجوء، ومبدأ عدم الإعادة القسرية، والضمانات المتعلقة بالإبعاد، وحماية القاصرين ليست مجرد عوائق إدارية. إنها التزامات قانونية وإنسانية يتعين احترامها، حتى في الظروف الاستثنائية. والمطلوب، من منظور الحكامة الرشيدة، ليس إضعاف هذه الضمانات، بل إيجاد إجراءات أكثر وضوحاً وفعالية تسمح بالتوفيق بين احترام الحقوق وتنفيذ القرارات المشروعة. إن القانون الذي يحمي الإنسان لا ينبغي أن يصبح ذريعة للعجز المؤسساتي، كما أن الحاجة إلى الفعالية لا ينبغي أن تتحول إلى مبرر لتجاوز القانون. وهذه المعادلة تمثل أحد الاختبارات الحقيقية لأي نموذج جديد للتعاون.
ثالثاً: ليس القاصر مهاجراً بالغاً في وضع قانوني مختلف فحسب
تكتسب مسألة القاصرين غير المصحوبين أهمية خاصة في أزمة سبتة. فالقاصر لا يتمتع بالأهلية القانونية نفسها التي يتمتع بها الراشد، ولا يجوز التعامل مع وضعه باعتباره مجرد نسخة مصغرة من ملف الهجرة غير النظامية لدى البالغين. إنه شخص يحتاج إلى حماية خاصة، وإلى تحديد هويته وسنه ووضعه الأسري، وإلى تقييم فردي لمصلحته الفضلى. ومن هنا لا يمكن اعتبار إعادة جميع القاصرين إلى بلد المنشأ هدفاً إدارياً يمكن تنفيذه بصورة آلية. فإعادة القاصر قد تكون مناسبة حين تتوافر شروط قانونية وإنسانية واضحة، ولا سيما عندما تسمح بلمّ شمله بأسرته في ظروف آمنة. وقد لا تكون مناسبة عندما توجد مخاطر جدية على سلامته أو حقوقه أو عندما يتعذر تحديد وضعه الأسري بصورة موثوقة. وفي جميع الحالات، ينبغي أن تستند القرارات إلى تقييم فردي لا إلى اعتبارات سياسية جماعية. غير أن هذه الحماية تطرح بدورها تحديات مؤسساتية. فإذا كانت السلطات الإسبانية مسؤولة عن حماية القاصرين الموجودين تحت ولايتها، فإن التعاون مع السلطات المغربية يظل ضرورياً للتحقق من الهوية والروابط الأسرية وتيسير الحلول القانونية المناسبة. وبذلك لا يتعلق الأمر بمفاضلة بين حماية الطفل والتعاون في مجال العودة. إنما يتعلق ببناء إجراءات تجعل الحماية والعودة المشروعة ولمّ الشمل أهدافاً متكاملة متى سمحت الظروف بذلك. ويمكن أن يشكل هذا المجال اختباراً عملياً لأي إصلاح مستقبلي. فنجاح التعاون لا يقاس فقط بعدد الأشخاص الذين غادروا مراكز الاستقبال، وإنما أيضاً بمدى احترام حقوقهم واستقرار أوضاعهم بعد اتخاذ القرارات المتعلقة بهم.
رابعاً: الأرقام لا تفسر الأزمة وحدها
تظهر البيانات الإسبانية المنشورة خلال الأسابيع التي أعقبت أحداث يوليو حجم الجهد الإداري والأمني الذي استدعته الأزمة. فقد أعلنت السلطات الإسبانية في 8 أكتوبر تسجيل أكثر من أحد عشر ألف عودة إلى المغرب منذ العاشر من أغسطس، مع التمييز بين العودة الطوعية وقرارات الإبعاد. كما أشارت إلى استمرار وجود آلاف القاصرين داخل منظومة الحماية المحلية في سبتة. وتكتسب هذه المعطيات أهمية لأنها تكشف تعدد الفئات القانونية والإدارية المعنية بالأزمة. لكن قراءة الأرقام تتطلب الحذر. فعدد الأشخاص الذين دخلوا خلال الأيام الأولى، وعدد الذين عادوا سريعاً، وعدد العائدين خلال مرحلة لاحقة، وعدد المقيمين في مراكز الاستقبال لا يمثلون بالضرورة فئات مستقلة يمكن جمعها للحصول على حصيلة واحدة. كما أن العودة الطوعية لا تعادل الإبعاد القسري، ولا ينبغي الخلط بين إعادة شخص راشد ولمّ شمل قاصر مع أسرته. والأهم أن المؤشرات الكمية، مهما بلغت دقتها، لا تكفي وحدها لتقييم نجاح السياسة العامة. فانخفاض عدد الوافدين قد يعكس تحسناً في الوقاية، لكنه قد ينتج أيضاً عن تغير المسارات أو الظروف المناخية أو أساليب عمل شبكات التهريب. كما أن ارتفاع عدد العائدين لا يثبت بالضرورة معالجة الأسباب التي دفعتهم إلى الهجرة. لذلك ينبغي الانتقال من منطق الحصيلة العددية إلى تقييم متعدد الأبعاد يشمل سلامة الأشخاص، واحترام الإجراءات القانونية، وفعالية التنسيق، وكلفة التدخلات، وقدرة السياسات المعتمدة على تقليل احتمالات تكرار الأزمة.
خامساً: الهجرة حين تتحول إلى مادة للصراع السياسي الداخلي
لا يمكن فهم تداعيات أزمة سبتة دون أخذ السياق السياسي الإسباني بعين الاعتبار. فالهجرة من القضايا التي يسهل توظيفها في المنافسة الحزبية، لأنها تجمع بين الأمن والهوية والاقتصاد والخدمات العمومية والمخاوف الاجتماعية. وقد تسعى بعض القوى السياسية إلى تقديمها بوصفها دليلاً على ضعف الحكومة، بينما تؤكد قوى أخرى ضرورة احترام الحقوق الإنسانية والتزامات الدولة القانونية. وتزداد حدة هذا الاستقطاب عندما تتزامن الأزمة مع استحقاقات انتخابية أو خلافات بين الحكومة المركزية والسلطات المحلية. غير أن التحليل الجيوسياسي ينبغي أن يميز بين نقد الاستغلال السياسي للهجرة وبين إنكار المخاوف المشروعة للمواطنين. فاستقبال أعداد كبيرة من الأشخاص خلال فترة وجيزة يفرض بالفعل ضغوطاً على المرافق الصحية والاجتماعية والأمنية والتعليمية. ومن حق السكان المطالبة بإجراءات فعالة تضمن سلامتهم واستمرار الخدمات العمومية. لكن الاعتراف بهذه الصعوبات لا يبرر تحويل المهاجرين إلى تهديد جماعي أو تحميلهم مسؤولية جميع الاختلالات. كما لا يبرر نقل المنافسة الحزبية الداخلية إلى مستوى العلاقات الدولية بطريقة تجعل الشريك الخارجي طرفاً في صراع لم يختره. ومن هنا يمكن فهم حساسية الانتقادات التي وجهها الخطاب الملكي إلى توظيف الأزمة من قبل بعض الأوساط السياسية والإعلامية الإسبانية. فالاعتراض لا يتعلق بوجود نقاش سياسي حول الهجرة، وهو نقاش مشروع داخل أي مجتمع ديمقراطي. إنما يتعلق باحتمال تحويل هذا النقاش إلى أداة ضغط على شريك خارجي، أو إلى وسيلة لإعادة تفسير العلاقة الثنائية من خلال اعتبارات انتخابية ظرفية. وهنا ينبغي طرح سؤال أساسي: هل يجوز أن تصبح الالتزامات الاستراتيجية بين دولتين رهينة للتنافس الحزبي داخل إحداهما؟ إن استقرار العلاقات الدولية يقتضي قدراً من الاستمرارية المؤسسية يسمح بالفصل بين الاختلافات السياسية الداخلية والالتزامات التي تنظم التعاون بين الدول.
سادساً: بين التضامن الأوروبي وتوزيع المسؤوليات الأوروبية
تتجاوز أزمة سبتة العلاقة الثنائية بين المغرب وإسبانيا. فإسبانيا عضو في الاتحاد الأوروبي، وسياساتها المتعلقة بالهجرة واللجوء والحدود تتفاعل مع منظومة قانونية ومؤسساتية أوروبية أوسع. ومن الطبيعي أن تتلقى دولة عضو دعماً من شركائها عندما تواجه أزمة كبيرة. لكن التضامن الأوروبي لا يعفي من مساءلة السياسات التي تحكم إدارة الأزمة، ولا ينبغي أن يؤدي إلى اختزال جميع أبعادها في المنظور الوطني للدولة المعنية. فالقرارات المتعلقة باللجوء والهجرة وإعادة الأشخاص وحماية الحدود لا تصدر جميعها عن المؤسسة نفسها، ولا تخضع دائماً للإجراءات ذاتها. كما ينبغي التمييز بين المواقف السياسية للبرلمان الأوروبي، والتشريعات الملزمة للاتحاد، والاختصاصات التنفيذية للمفوضية، والقرارات التي تتخذها الدول الأعضاء. إنه تمييز ضروري خصوصاً عندما تتداخل قضية الهجرة مع الخلاف بشأن الوضع السياسي والقانوني لسبتة ومليلية. فالمغرب يتمسك بمطالباته التاريخية المتعلقة بالمدينتين، بينما تعتبرهما إسبانيا جزءاً من أراضيها الخاضعة لسيادتها. ولا يمكن حسم هذا الخلاف بمجرد الإشارة إلى موقعهما الجغرافي في إفريقيا، كما لا يكفي صدور موقف سياسي أوروبي لإلغاء وجوده. فالمطلوب، في هذا السياق، ألا يؤدي التضامن الأوروبي في إدارة الهجرة إلى إغلاق المجال أمام النقاش القانوني والتاريخي أو إلى الخلط بين التعاون الأمني والتسليم المتبادل بجميع المواقف المتعلقة بالسيادة. ومن منظور استراتيجي أوسع، ينبغي أن تكون المسؤولية الأوروبية عن الهجرة متناسبة مع دور الاتحاد في صياغة السياسات والتمويل والتنسيق، لا أن تُترك آثارها الميدانية للدول الواقعة عند نقاط التماس وحدها.
سابعاً: متى يتحول التعاون إلى وسيلة للضغط؟
يستعمل مفهوم الابتزاز السياسي بكثرة في وصف العلاقات غير المتوازنة بين الدول. غير أن توظيفه في التحليل العلمي يقتضي قدراً من الدقة. فليس كل اختلاف في المصالح ابتزازاً، ولا تشكل كل مطالبة بتعديل اتفاق أو كل تهديد مشروع باللجوء إلى إجراء قانوني صورة من صوره. يمكن الحديث عن ضغط سياسي عندما يسعى طرف إلى التأثير في قرارات طرف آخر من خلال ربط ملفات لا تجمع بينها بالضرورة علاقة مباشرة، أو التلويح بإجراءات قد تفرض عليه كلفة غير متناسبة. أما وصف ممارسة معينة بالابتزاز فيتطلب النظر إلى طبيعة المطالب، والوسائل المستعملة، ومدى مشروعيتها، والظروف التي تمارس فيها. ومن ثم، فإن استعمال الخطاب الملكي لمفردات الضغط والتهديد والابتزاز ينبغي فهمه في سياق تأكيد مبدأ سيادي: التعاون اختيار إرادي، وليس التزاماً يمكن فرضه من خلال التهديد. لكن التحليل لا ينبغي أن يتوقف عند هذه الصياغة. فالسؤال الأعمق يتعلق بالشروط التي تجعل التعاون عرضة للتحول إلى علاقة ضغط متبادل. قد يحدث ذلك عندما يتركز التعاون في ملف واحد شديد الحساسية، أو عندما يصبح أحد الشركاء معتمداً بصورة مفرطة على أداء الطرف الآخر، أو عندما تغيب آليات واضحة لمعالجة الخلافات. ومن هنا تبرز أهمية تنويع مجالات الشراكة، وربطها بمصالح اقتصادية وتنموية طويلة الأمد، وتطوير مؤسسات مشتركة قادرة على معالجة الأزمات دون تحويلها إلى مواجهات سياسية. فالوقاية من الابتزاز لا تتحقق فقط برفضه خطابياً. إنها تتطلب بناء علاقات تجعل اللجوء إليه أقل جدوى لجميع الأطراف.
ثامناً: المسؤولية المشتركة لا تعني المسؤولية المتطابقة
قد يبدو تقاسم المسؤوليات مبدأ بديهياً. غير أن تطبيقه في العلاقات الدولية يثير إشكالات معقدة. فالدول تختلف في قدراتها ومواردها واختصاصاتها القانونية وموقعها داخل مسارات الهجرة. ولذلك لا يمكن أن تعني المسؤولية المشتركة قيام جميع الأطراف بالمهام نفسها أو تحمل الأعباء نفسها. فالمغرب يضطلع بأدوار تتعلق بالمراقبة والوقاية ومحاربة شبكات الاتجار بالبشر والتعاون في تحديد الهوية والعودة وفق القانون. وتتحمل إسبانيا مسؤوليات مرتبطة بالاستقبال والحماية والبت في طلبات اللجوء وتنفيذ القرارات التي تدخل ضمن اختصاص مؤسساتها. أما الاتحاد الأوروبي، فيملك أدوات تشريعية وتمويلية وتنسيقية يمكن أن تسهم في بناء استجابة أوسع وأكثر استدامة. ويمكن تطوير هذا التصور حول أربعة مبادئ مترابطة. أولها وضوح الاختصاصات، حتى لا يطالب أي طرف بنتائج لا يملك وحده الوسائل القانونية لتحقيقها. وثانيها تناسب الأعباء مع القدرات، بما يضمن ألا تتحول الجغرافيا إلى مصدر التزام غير محدود. وثالثها احترام الحقوق والضمانات القانونية، خصوصاً فيما يتعلق بالقاصرين وطالبي اللجوء والأشخاص المعرضين للخطر. ورابعها وجود آليات مشتركة للتقييم والمراجعة، تسمح بتعديل السياسات عندما تظهر اختلالات جديدة. ولا يتعلق الأمر هنا بإنشاء نظام يعفي الأطراف من المسؤولية. بل بإقامة نظام يجعل المسؤولية قابلة للتحديد والمساءلة والتنفيذ.
تاسعاً: من أمن الحدود إلى الأمن الإنساني والتنمية المشتركة
تؤكد أزمة سبتة أن المقاربة الأمنية، رغم ضرورتها، لا تستطيع بمفردها معالجة جميع أبعاد الهجرة. يمكن تعزيز المراقبة، وتطوير الوسائل التقنية، وتوسيع تبادل المعلومات، لكن هذه التدابير لا تلغي تلقائياً الدوافع التي تجعل الهجرة خياراً جذاباً أو اضطرارياً لدى بعض الشباب. ومن هنا ينبغي التمييز بين إدارة الحركة عبر الحدود ومعالجة الظروف التي تنتجها. فالأولى تتعلق بالأمن والإجراءات القانونية والتنظيمية. أما الثانية فتتصل بفرص التعليم والتكوين والتشغيل والتنمية المحلية وتوقعات الشباب بشأن المستقبل. ولا يعني ذلك أن التنمية الاقتصادية ستقضي بالضرورة على الهجرة. فالعلاقة بين التنمية والتنقل البشري أكثر تعقيداً؛ إذ قد يؤدي تحسن الدخل والتعليم، في بعض المراحل، إلى زيادة القدرة على الهجرة بدل خفضها فوراً. لكن التنمية تظل عنصراً أساسياً في توسيع الخيارات المتاحة للأفراد وتقليل اضطرارهم إلى سلوك مسارات خطرة. لذلك فإن أي تصور جديد للتعاون ينبغي أن يتجاوز تمويل إجراءات المراقبة إلى دعم مشاريع منتجة وفرص تكوين وتشغيل ومسارات قانونية ومنظمة للتنقل. كما ينبغي أن يتضمن تعاوناً أكثر فعالية ضد الشبكات التي تستغل هشاشة الأشخاص وتعرض حياتهم للخطر. وهنا تتضح أهمية الربط الذي أقامه الخطاب الملكي بين التعاون والتنمية المشتركة والتنافسية الاقتصادية والاستقرار الإقليمي. فالشراكة التي تستند إلى مصالح تنموية متبادلة تصبح أقل عرضة للاختزال في الأزمات الأمنية.
عاشراً: الصرامة الهادئة وإعادة بناء الثقة
لا يمكن لأي نموذج جديد للتعاون أن ينجح إذا انعدم الحد الأدنى من الثقة بين الشركاء. لكن الثقة في العلاقات الدولية لا تعني غياب الخلافات، ولا تقوم على افتراض تطابق المصالح. إنها تنشأ من وضوح الالتزامات، واحترام الاتفاقات، وإمكان توقع سلوك الأطراف، ووجود آليات لمعالجة الاختلافات. من هذه الزاوية، يمكن فهم الصرامة الهادئة باعتبارها أسلوباً يساعد على حماية الثقة دون إخفاء التباينات. فالصرامة تقتضي التعبير الواضح عن المصالح والحدود التي لا يقبل الطرف تجاوزها. أما الهدوء فيسمح بإبقاء قنوات التواصل مفتوحة وتجنب القرارات الانفعالية التي قد تجعل العودة إلى التفاوض أكثر صعوبة. غير أن الثقة لا تستعاد بالخطاب وحده. إنها تحتاج إلى إجراءات قابلة للتحقق، وإلى توافق حول المسؤوليات، وإلى مراجعة دورية لنتائج التعاون. وإذا كانت المبادرة المغربية المرتقبة ستقدم إطاراً جديداً للشراكة، فإن أحد معايير تقييمها سيكون مدى قدرتها على تحويل هذه المبادئ إلى ترتيبات مؤسساتية واضحة. فنجاحها لا يقاس فقط بقبول الشركاء مناقشتها، بل أيضاً بقدرتها على إنتاج حلول عملية تحترم السيادة والقانون والكرامة الإنسانية.
عود على بدء: من تحميل المسؤولية إلى هندسة المسؤولية المشتركة
تكشف أزمة سبتة أن التعاون في مجال الهجرة لم يعد قابلاً للاختزال في عمليات المراقبة أو إجراءات العودة أو الاستجابة الأمنية للحوادث الطارئة. لقد أصبح مجالاً تتقاطع فيه السيادة الوطنية مع الالتزامات القانونية، والمصالح الاستراتيجية مع الحسابات السياسية الداخلية، ومتطلبات الأمن مع الحقوق الإنسانية. ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي لا يتعلق بتحديد الطرف الذي ينبغي أن يتحمل المسؤولية كاملة. بل يتعلق بكيفية بناء نموذج يحدد مسؤوليات جميع الأطراف بصورة عادلة وواضحة وقابلة للتنفيذ. ولا تعني العدالة هنا المساواة الحسابية بين الدول، وإنما التناسب بين الاختصاصات والقدرات والالتزامات. كما لا تعني الفعالية تجاوز الضمانات القانونية، بل تطوير المؤسسات والإجراءات بما يسمح باحترامها دون تعطيل غير مبرر. أما الشراكة المستدامة فلا تقوم على إخفاء الخلافات أو تحويلها إلى وسائل ضغط، وإنما على الاعتراف بها وإيجاد آليات لإدارتها. في هذا السياق، تتضح الصلة بين المقال الأول وهذا المقال. فإذا كان الهدوء قد ظهر في الخطاب الملكي بوصفه تعبيراً عن ضبط الموقف والحفاظ على الشراكة، فإن الصرامة الهادئة لا تبلغ مداها الاستراتيجي إلا عندما تتحول إلى قدرة على معالجة الاختلالات التي تكشف عنها الأزمات. وبذلك ننتقل من مفهوم رد الفعل إلى مفهوم هندسة المسؤولية المشتركة. فالمطلوب ليس أن يتخلى المغرب أو إسبانيا أو الاتحاد الأوروبي عن مسؤولياتهم، بل أن يعيدوا تحديد كيفية ممارستها في إطار تعاون أكثر توازناً. غير أن إعادة توزيع المسؤوليات، مهما بلغت أهميتها، لا تكفي وحدها لتفسير التحول المحتمل في موقع المغرب داخل علاقاته الإقليمية. فقدرة الدولة على اقتراح قواعد جديدة للشراكة تتأثر أيضاً بحجم اقتصادها، وتنوع تحالفاتها، ومكانتها في شبكات التجارة والطاقة والأمن، ومدى امتلاكها بدائل استراتيجية ذات مصداقية. ومن هنا ينبثق السؤال الذي سنخصص له المقال الثالث والأخير: هل يستطيع المغرب تحويل تنويع شراكاته وتعزيز قدراته الاقتصادية والدبلوماسية إلى هامش أوسع للمبادرة، بما يسمح له بالمساهمة في إعادة هندسة التوازنات الجيوستراتيجية في غرب المتوسط دون الدخول في منطق القطيعة مع إسبانيا أو الاتحاد الأوروبي؟ ذلك أن السيادة لا تكتمل بمجرد القدرة على رفض الضغوط، وإنما تتعزز حين تمتلك الدولة من الخيارات ما يجعل التعاون معها قائماً على الاقتناع بالمصلحة المشتركة، لا على الضرورة أو الإكراه




