عند مسعود/ قصة قصيرة

 

ألقى عقب سيجارته على التراب، وسحقه بقدمه، ثم التفت إلى مساعده، وهو ينفث ما علق برئتيه من دخان، وقال:

 

* أسرع في إيقاد النار يا “محمد”.. ليس أمامنا إلا بضع دقائق، ويشرع الجوعى في الوصول.

 

رد الفتى، بحماس مشتعل:

 

* سيكون الجمر متقدا في لحظات.. ولن نتأخر في إعداد الشواء لمن يطلبه.

* ولكن عليك بالإسراع يا “محمد”.. إن الزبائن لن يقربوا خيمتنا لو وجدونا غير جاهزين، وستضيع الدراهم. لقد تأخرنا كثيرا هذا اليوم.

* ليس هذا ذنبي.. “الحسنية” لم تأتي في الموعد، وقد استغرقتُ وقتا في نصب الخيمة وتنظيم الموائد وإيقاد النار وحدي.

* أسرع، ودع شأنها لي.. سيكون لي معها كلام عندما تحتج على قيمة الأتعاب التي سأحددها لها في نهاية هذا السوق.

 

*************************

 

وضع “مسعود” قطع اللحم على الطاولة الخشبية العتيقة، وبعد حركات شحذ السكين المعتادة على القضيب الحديدي، بدأ يقطع الشرائح الداكنة بمهارة كبيرة، ويمددها بدقة وعناية على خشبة عريضة، فيما انصرف “محمد” إلى المجمر المستطيل، وأوقد جذوة نار في الفحم الخشبي استعدادا للشروع في إعداد الشواء لمن يطلبه من الزبائن والعابرين.

 وبين الفينة والفينة، كان يرفع رأسه المُكور، ويتفحص بنظره الكليل، على صغر سنه، ملامح مرتادي السوق الأسبوعي، ليضبط لحظة ظهور “الحسنية”، لعلمه الراسخ بعدم قدرته على الاستجابة إلى متطلبات العمل والزبائن، وطلبات مشغله “مسعود”، دون “الحسنية”.

في تلك الأثناء بدأ بعض مرتادي سوق “الخميس” الأسبوعي، الذي ينعقد كل أسبوع في ضاحية سلا الجديدة، على تخوم العاصمة الرباط، ومعظمهم فلاحين أو جزارين أو بائعي خضر وتوابل، يتوافدون على خيام الشوائين، سعيا إلى طلب وجبة الغذاء وإسكات البطون الجائعة، بعدما أنهوا فترتهم الصباحية في طلب الرزق أو ركضا وراء أشياء أخرى، فمرتادو السوق الأسبوعي، القادمون من الحواضر والبوادي المجاورة، لا يأتون فقط من أجل طلب الرزق وسد الجوع بما لذ وطاب من كباب وكفتة، وإنما هناك من يأتي لإشباع شهوات أخرى، متاحة وسائلها وظروفها في أماكن سرية بسوق “الخميس” أكثر من أي مكان آخر، وبأسعار بخسة لا تصدق.

 

 

******************************************

 

أجساد الزبائن متهالكة، وملامح وجوههم تنطق بألف تعبير عن قهر الزمن وشظف العيش، لكن نوبة طارئة من الهمة والحماس الزائد كانت تنتابهم على حين غرة كلما اقتربوا من خيمة شواء، إذ يطلعون على اللحوم المعروضة، وسقط الذبائح، ويقيمون جودتها من خلال لمسة متحسسة ونظرة خبيرة متفحصة. وبعد غير قليل من الأخذ والرد مع الشواء، ومساومات عسيرة لتخفيض الثمن الذي يحدده للكيلوغرام الواحد، وفق التقليد المعهود، يطلبون كمية معينة، ويتخذون مقاعدهم أمام الموائد الخشبية المتهالكة، ويشرعون في احتساء كوب شاي ساخن، وقد يدخن بعضهم سيجارة، لتصريف قلق الانتظار، ريثما تنضج اللحوم على مهل.

 

يتوقف أحدهم أمام الخيمة، ويبدو أنه من الزبائن الأوفياء المقتنعين بجودة سلعة “مسعود”، ويسأل مبتسما:

 

* مسعود و”الخميس” أبدا حتى الممات.. كيف حال اللحم اليوم يا مسعود؟ 

 

يرد “مسعود” بمزاحه الاعتيادي، وكأنه يراهن على إمتاع الناس لكسب قلوبهم قبل بطونهم. 

 

* هذه فرصة المسكين.. الأمطار لم تشفق، وكيلو اللحم بـ 50 درهما لا غير، ولست مسؤولا إن لم تأكل الشواء.

 

عبارة ألقاها في وجه محدثه، كما دأب، دون أن ينظر إليه، وهو منشغل بتقليب أسياخ اللحم على الجمر، بحرص شديد، خشية احتراقه.

وكلما عبرت ناهد حسناء، أو امرأة ممتلئة الجسم، الطريق المتربة أمام خيمته، في تهاد ودلال، كان شعور قاهر بالنطق يتعاظم في داخله، فيصرخ فجأة باندفاع، دونما اعتبار للأسر “المحترمة” التي تتناول الشواء في خيمته:

 

* اللحم اللحم.. هذا من فضل ربي.. اللحم.. اشويه أو اقليه أو بخريه.. أو تعالي أريك كيف تفعليه.. اللحم.. اللوز.. الموز.

 

 

ابتسم زبون آخر للموقف الطريف، حتى بانت نواجذه الصدئة، ثم قال، وهو يتتبع بعين زائغة مؤخرة إحداهن تتبختر في عبورها:

 

* الرجوع إلى الله يا “مسعود”.. أما زال حالك هكذا؟ زن لنا كيلو ونصف كفتة، ولا تتركها على النار كثيرا، كما فعلت “الخميس” السابق.

 

رد عليه بغير مبالاة، وهو يدخل يده في صحن اللحم المفروم، ويخرج كرة كبيرة ملء قبضته من الكفتة، ويضعها على الميزان:

 

* قبل الموسم كنا نشتري اللحم بـ 50 درهما، ونبيعه بـ 80.. واليوم، وبعد أن ضنت السماء، أصبحنا نبتاعه بـ 40، وبالكاد نجد من يأكل الشواء بـ 50.. يا له من طالع مع الحكومة الملتحية.

 

تدخل زبون يسدل اللحية، ودون مقدمات، أقحم نفسه في الحديث، وقد تجهمت سحنته من امتعاض، بعدما استفزته العبارة الأخيرة:

 

*  ما بيد حكومة العدالة والتنمية من حيلة. تقول هذا وكأنك لم تشاهد في التلفزيون عبد الإله بنكيران، رئيس الحكومة، يؤدي صلاة الاستسقاء، وهو يتوسل إلى الله بضراعة، والدموع تنهمر من عينيه.

 

رد عليه “مسعود” بنبرة اليائس:

 

*  ليتني أصدق، وأقتنع بوعودهم.

*  “إن الإنسان خلق هلوعا، إذ مسه الشر جزوعا، وإذا مسه الخير منوعا”.. مهلكم يا مغاربة.. دعوا للناس مهلة حتى تحاسبوهم.

*  شخصيا، لا أنتظر شيئا من الحكومة ولا من غيرها.. همي لقمة عيش سائغة لتلك العجوز المقعدة، وتوفير واجبات الكراء.. منذ رحل الوالد وهي تنتظر أجلها في صمت، ولا من يسأل.

*  لنا ولكم الله.. أما النوايا الحسنة في برنامج الحكومة الإسلامية فلا يتجاهلها إلا ناكر للجميل أو عابر سبيل لا يعلم أحوال هذا البلد.. منذ الأيام الأولى وهم يكدون ويجتهدون.. أفشوا أسرار المستفيدين من اقتصاد الريع، وشنوا حربا ضروسا على مظاهر الرذيلة والفساد، وأمر وزيرهم في العدل، مصطفى الرميد، بإلقاء القبض على كل من يثبت تورطه في ارتكاب جرائم اقتصادية.. في عهدهم تم الإفراج عن صندوق التكافل العائلي، وبطاقة العلاج المجاني للفقراء والمعوزين.. هل حصلت على بطاقة العلاج المجاني يا “مسعود”؟

* لا تحاول أن تقنعني بأن من يدخل مستنقع السياسة يخرج نظيف اليدين.. كلهم يتمسحون بأعتاب الانتخابات لخدمة مآربهم الشخصية، وتأمين مستقبل أبنائهم وأقاربهم.. لن أصدق أبدا أن المشاركين في اللعبة متطوعون بالفعل إرضاء لله وخدمة للوطن والمجتمع.. ليس في القنافذ أملس. 

* ولكن السياسة، في شقها المتعلق بالانتخابات والتصويت، هي في حد ذاتها منهاج عصري للدين الإسلامي.. “وأمرهم شورى بينهم” كما يقول الله تعالى.

* سيتحقق هذا، يا سيدنا الفقيه، عندما تصبح السياسية عملا مجانيا غير مؤدى عنه.. أخبر تلك الوجوه المعروفة بسباقها المحموم عشية كل انتخابات بأن زمن الأجور العليا والتعويضات الخيالية قد ولى وانقضى، وقل لي بعدها كم سياسيا ترشح للانتخابات عندكم.

 

 

قاطع “مسعود” حديثه عندما شاهد “الحسنية” تتسلل خلسة إلى داخل الخيمة، مدارية وجهها خوفا أو حرجا، وهتف يناديها باستياء بالغ:

 

* ما سر هذا التأخر.. لست في حاجة إلى تذكيرك بموعد الحضور.

* الحافلة.. لعن الله الحافلة.. لقد تعطلت في منتصف الطريق، ولم يكن معي ما يكفي من نقود حتى أستقل سيارة أجرة.

* وهل كنت تنتظرين أن آتي إليك بنفسي لحملك مثل عروس.. لعنة الله على من لا يخجل.. انصرفي من أمامي وابدئي في إعداد الشاي، فالزبائن ينتظرون.

 

 

*************************

 

 

كان مسعود يلتفت مرة تلو الأخرى إلى فناء الخيمة، حيث تتوزع الموائد والكراسي، ويجلس الرعيل الأول من الزبائن، ثم يلتفت ليمدد بصره في الأفق البعيد، حيث يتهادى الناس مثل الأشباح.. كل يلغي بلغوه.. مساومات ومناوشات.. وغير قليل من الضحك والمزاح.. فلاحون وتجار.. نساء ورجال.. شيوخ وأطفال.. متعلمون وجهلة.. لصوص وبائعات هوى.. لوطيون وشواذ. الكل يأتي إلى “سوق الخميس” الأسبوعي.. في كل يوم خميس، والمآرب شتى.

كما لو كان في انتظاره، هب “مسعود”، دون أن يحتسب، إلى شاب أسمر اللون طويل القامة.. يرتدي سروالا عسكريا باهت اللون، ومعطفا من زمن السبعينيات، على شدة الحر، وانزوى به في ركن قصي، متنازلا عن مهامه للفتى “محمد” مؤقتا.

التفت الشاب الأسمر يمنة ويسرة، شأنه شأن المقدم على فعلة نكراء، ثم انحنى وأدنى رأسه حتى يعادل قامة “مسعود” القصيرة، وهتف في أذنه:

 

* لعلمك.. هناك بقرة نافقة..

 

بدا “مسعود” مثل المرتاع وهو يسمع هذا الخبر، فاقترب أكثر من زائره غير العادي حتى التصق بجسده، وبدأت أسئلته تنهمر في غير هوادة:

 

* أين أين.. كيف عثرت عليها.. كم لها من يوم؟

* منذ ساعات فقط كانت تحتضر. دمها ما يزال ساخنا، ولحمها طري.

 

علق “مسعود” وهو يبتسم بخبث، وفرائصه تكاد تحلق من فرط السعادة:

 

* نمرود ابن نمرود.. لا يُخاف عليك يا علال.

* لقد تعقبت مربين للمواشي قادمين من “دكالة” إلى أن تخلصوا منها خارج السوق.. لقد نفقت البقرة في شاحنتهم المحملة بأكثر من 50 رأسا. سمعت أحدهم يقول إنها اختنقت نتيجة حرارة الاكتظاظ.. لقد راقبتهم منذ أنزلوا جثتها من الشاحنة، ولاحقتهم إلى أن ألقوا بها في الخلاء المحاذي.

* وماذا تنتظر.. أسرع يا ملعون.. لا تأتني إلا محملا بأحشائها قبل أن يسبقك إليها الآخرون، فأصحاب الحسنات في انتظار مثلها.

* والأتعاب؟

* جئني بالسقط أولا، ويكون بعدها خير.

 

ثم هامسا مع نفسه، وهو يتابع “علال” متجها إلى خارج السوق بهرولة:

 

* لعنة الله على أبوك..  عن أي تعب تتحدث؟.

 

لم يكن الشاب الأسمر في حاجة إلى كثير من الوقت، فربع ساعة فقط كانت كافية ليعبر المسافة الفاصلة بين موقع الخيمة والخلاء المجاور للسوق الأسبوعي، ويعود أدراجه محملا بكيسين بلاستيكيين مليئين، والدماء القانية تتقاطر من يديه وملابسه.

ابتسم “مسعود”، ومد يديه في لهفة لتسلم الكيسين، إلا أن “علال” سحبهما إلى خلف مؤخرته، وقال وهو يبسط كفه ورجله اليمنى تتراقص:

 

* وأتعابي؟

* لستُ ممن يأكلون أموال الناس بالباطل.. خذها ولا تهمس ببنت شفة.

 

قالها بلا مبالاة، ثم حمل ساطورا وشرع في شحذه بطريقة ذات معنى، فيما تفحص “علال” الورقة المالية بذهول وصدمة، ورفع بصره إلى “مسعود” ممتعضا، قبل أن ينصرف إلى حال سبيله وهو يتمتم:

 

* تفعلون هكذا مع من لهم الفضل عليكم، ثم تتساءلون كيف تضيق عليكم أبواب الرزق.

 

 

********************************

 

بعدما انتهى “مسعود” من توزيع سقط الجيفة على مائدة العرض، بحركات غير مبالية، رمى بقطعة شحم على الجمر المتقد، فانبعثت روائح كثيفة يسيل لها اللعاب، ثم توجه إلى جوقة الزبائن العابرين أمام الخيمة جيئة وذهابا وهتف:

 

* هذه فرصة المسكين.. الأمطار لم تشفق، وثمن اللحم 50 درهما لا غير، ولست مسؤولا إن لم تأكل الشواء.

 

محمد البودالي/ صحافي وقاص وسيناريست من المغرب*

[email protected]

 ملحوظة: نص مُستلهم من وقائع حقيقية ..

 


شارك بتعليقك

شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية
   

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني