في خضم التساؤلات المؤرقة، التي لم تفتأ تنثال على الرؤوس داخل وخارج الشقيقة الجزائر، حول مدى قدرة رئيسها عبد العزيز بوتفليقة الصحية على تدبير شؤونها، ينتصب السؤال الحارق والأكثر تداولا بين الناس عمن يمسك فعليا بزمام الحكم، لاسيما أنه بلغ سن الثمانين في 2 مارس 2017.
وجدير بالذكر أن الرجل الثمانيني الذي أنهكته السنون، اختفى عن الأنظار عدة شهور، لم يظهر خلالها في أي وسيلة إعلامية أو مناسبة رسمية. ولم يوجه خطابا مباشرا للشعب منذ عام 2012، حين أفصح عن نيته في مغادرة السلطة مع نهاية ولايته الثالثة سنة 2014، مقرا بحاجته الشديدة إلى الراحة، بالقول: “جيلي طاب جنانو”، ما يعني أنه بلغ من العمر عتيا وحان وقت رحيله.
بيد أنه سرعان ما فاجأ الجميع بالترشح لولاية رابعة، دون أن يعلم أحد إن كان الأمر نابعا عن قناعاته الشخصية أم أجبر على ذلك لأغراض خفية، علما أنه كان قد أصيب سنة 2013 بجلطة دماغية، ألزمته الفراش بالمستشفى مدة طويلة، وأفقدته القدرة على المشي والنطق السليمين، مما اضطره إلى الاستعانة بكرسي متحرك. ومن المفارقات الغريبة، أنه رغم وضعه الصحي المتدهور، فاز في الانتخابات الرئاسية بنسبة 81 % من الأصوات دون أدنى حملة انتخابية، بل لم يكن قادرا حتى على التلاوة الكاملة لنص القسم الرئاسي، وهو ما أثار حنق المعارضة وشرع الباب على مصراعيه أمام التأويلات، وبالأخص حول من يتولى إدارة البلاد: شقيقه أم الطغمة الفاسدة من “الجنرالات” ؟
مؤسف حقا أن نرى بلد المليون شهيدا، الذي قدم شرفاؤه أرواحهم فداء للوطن وقاموا بثورة التحرير من أجل دحر المستعمر الغاشم وإجلائه، يرزح لعقود أخرى تحت نير احتلال مختلف وأشد مضاضة، تجسده القبضة الحديدية لرجال الجيش في دائرة الحكم المغلقة، ويعيش الشعب الجزائري الأبي ضحية أكبر خدعة في تاريخ الأمم والشعوب، لولا أن الحالة المزرية ل”القائد”، كشفت عن حقيقة عزلته والفراغ المهول في رئاسة الجمهورية. إذ كيف يقبل ذو عقل سليم، أن يتدبر أمور دولة بحجم الجزائر، رجل صامت ومقعد، بالكاد يحرك شفتيه وأصابع يديه، وغير مسموح حتى لبعض مقربيه من رؤيته؟
وتمهيدا لمرحلة ما بعد رحيله الأبدي، انطلقت حملة تطهير جهاز الاستخبارات، باعتقال عدد من الجنرالات، وصدور رزنامة من القوانين لتكميم الأفواه وتشديد الخناق على الصحفيين الأحرار. والأدهى من ذلك كله، أنه كلما حاول الشعب الانتفاضة ضد تردي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، إلا وتم قمعه وسارع كبار المسؤولين إلى تصدير الأزمة إلى جهات خارجية من بينها المغرب، الذي طالما اتهم بتمويل الجماعت الإرهابية بأموال المخدرات !
كان ممكنا أن ينعم أشقاؤنا الجزائريون بخيرات بلادهم، المتمثلة في ما حباها الله به من ثروات النفط والغاز الهائلة، غير أن حكام قصر المرادية أساؤوا التصرف والاختيار، حين قادتهم أطماعهم التوسعية إلى خوض حرب “سرية” ضد المغرب، غير عابئين بحرمة الجوار وما يجمع البلدين من قواسم مشتركة في الدين واللغة والعروبة والكفاح المسلح ضد الاحتلال، وراحوا يسخرون جزء من عائدات الموارد الطبيعية في تنمية أرصدتهم المالية بالخارج، وشراء الذمم وتمويل المرتزقة والانفصاليين الصحراويين.
ذلك أنهم بدل الانشغال بالقضايا الداخلية لبلادهم، حشروا أنفسهم في قضية تكلفهم استنزاف الملايير من أموال الشعب بلا طائل، وانصرفوا صوب عرقلة استكمال وحدة المغرب الترابية، بعد مساهمتهم المفضوحة في صناعة الكيان الوهمي “الجمهورية الصحراوية”، يقوده مجموعة من الشباب المغاربة الصحراويين الضالين “جبهة البوليساريو”. أليس من العار الاستمرار في صرف الملايير من أموال الشعب الشقيق، في نزاع مفتعل؟ فما يخيف هؤلاء الجنرالات، أنهم يرون في استرجاع المغرب أراضيه المغتصبة، فقدان بلادهم لتوازنها، خاصة أن الحدود الشرقية والجنوبية الشرقية بين البلدين مازالت غير مرسمة، فضلا عن أطماعهم في الاستيلاء على ثروات المنطقة.
وبالرغم من القلق السائد على استقرار البلاد، ليس فقط بسبب مرض “الرئيس” والمشاكل السياسية، بل كذلك المشاكل الاقتصادية والاجتماعية العويصة، التي تفاقمت بفعل الانخفاض المهول في أسعار النفط، فإن إخواننا الحكام -سامحهم الله- مازالوا متمادين في غيهم وتعنتهم، جاعلين من المغرب مشجبا يعلقون عليه أزماتهم. إذ كلما ارتفعت أمواج الغضب وعمت الاحتجاجات الشعبية منددة بالزيادات الصاروخية في الضرائب وأسعار المواد الغذائية، ومطالبة بالعدالة الاجتماعية والحرية والعيش الكريم، إلا ووجهت أصابع الاتهام للمغرب، محملة إياه مسؤولية تأجيج النعرات وزرع البلبلة…
فقد بات هاجسهم منحصرا في تقويض جهود المغرب، وتجنيد كل طاقاتهم العسكرية والدبلوماسية لمعاكسته، إذ كلما أزف موعد دولي وأممي لمدارسة ملف الصحراء المغربية، يقومون بالضغط على الزر لينطلق كراكيز البوليساريو في تهديداتهم بالعودة إلى الحرب، كما فعلوا مؤخرا في منطقة الكركرات العازلة، بعد أن ضاقوا ذرعا بما يحققه الملك محمد السادس من انتصارات في رحلاته المكوكية لبلدان إفريقيا، وعودة المغرب المظفرة إلى مكانه الطبيعي بالاتحاد الإفريقي…
من هنا يجدر بكبار الشرفاء الجزائريين ذوي الضمائر الحية، أن يهبوا إلى إنقاذ بلادهم الموشكة على الإفلاس، من هذا العبث الذي طال أمده. الالتفات إلى يد المغرب الممدودة لطي صفحة الماضي، الاتجاه صوب المستقبل وإحياء روح التضامن ورفع التحديات التنموية والأمنية المشتركة، تجديد العهد بخدمة مصالح الشعبين الشقيقين ومعالجة مختلف القضايا العالقة، بدءا بفتح الحدود البرية…




