جريا على عادته كل سنة يخصص مهرجان سينما الشعوب بايموزار كندر ندوة دورته التاسعة ، من فاتح الى رابع نونبر 2012 ، لمحور جديد هو ” دلالة المقدس في السينما المغاربية ” ، يشارك في تناوله ومناقشته من زوايا مختلفة ثلة من النقاد والباحثين السينمائيين المغاربيين . ومعلوم أن أشغال هذه الندوة العلمية سيتم تجميعها واصدارها في كتاب يكون جاهزا بحلول الدورة العاشرة للمهرجان سنة 2013 .
فيما يلي الأرضية الفكرية التي أعدها الدكتور حميد اتباتو لموضوع هذه الندوة الجديدة :
” المقدس سؤال إشكالي بامتياز في الفكر و الوافع يستدعي الحديث عنه الكثير من الحذر لالتباس تعيينه ،و مفارقاته،واباحة الحق في تملكه والتعبيرعنه وفرضه باسم الجميع ،وتقاطع أبعاد دينية و أسطورية و إيديولوجية ،عديدة داخله،و لارتباطه بأشياء مهيبة كالدين والسلطة بمعانيها المتعددة .حين نحاول قراءة دلالة كل هذا من داخل السينما تزداد صعوبة الموضوع ،خاصة أن هذا الحقل لا زال يعيش سؤالا جوهريا في مجتمعنا يرتبط بمشروعيته التي لن تتحدد نهائيا إلا بتعيين حدود المقدس و حدود المدنس في الواقع و في الثقافة و الإبداع السينمائي بعيدا عن المسلمات و الجاهز و الاعتبارات الجامدة.
طرح مفهوم المقدس دوما الكثير من الغموض في تعريفه الذي تحدد بتعيينه بذاته ،و بمفارقاته ، و بما يتقابل معه أي العادي و الدنيوي،وبما يتجاور معه أي الحرام ،وبالأثر المترتب عنه إلخ … لقد تعرف المقدس باعتباره “مجموعة من المعتقدات الدغمائية و الطقوس الإلزامية المفروضة من قبل سلطة تراتبية” ،و “ما لا يقبل الانتهاك “، و”القوة الخفية التي تبعد الأشياء و الكائنات و الجسد و السلوك و مظاهر الوجود عن اليومي و العادي”.
يعتبر المقدس الفكرة المؤسسة للدين ،و هو أي كائن أو شيئ يجذب بقيمته المطلقة ،و يهاب من طرف من يرتبط به بعلاقة قوية، وقد تجلى منذ القديم في مواضيع مختلفة ، وفي كل شيئ ،بما في ذلك المكان و الزمان ،و النبات ، وفي كل ما يعتبر قوة بإمكانها فعل أشياء خارقة و عجيبة.هكذا جعل الإنسان من بعض الشجر و،ينابيع الماء ،و المغارات ، والخلاءات ، و الأمكنة ، و الحيوانات ،و العناصر الطبيعية مقدسات يتبرك بها ، ويزورها و يقدسها، و يتضرع إليها عبر شعائر و أضحيات ،و طقوس .لقد صار من الثابت ،كما يرى ميرسيا إلياد ، “أن كل ما استعان به الإنسان ، ما شعر به ، ما صادفه ،أو أحبه أمكن تحوله إلى قدسية .أي إلى نوع قدسي” .إنه ما يؤكده روجي كايوا بالقول “ليس هناك شيئ لا يمكنه أن يغدو هو المقدس “. طبعا يتوسع معنى المقدس أكثر باستحضار الدين والعبادات و الشعائر التي يتم التقرب بها إلى الله ،و إلى فكرة الناس عنه في هذا الدين أو ذاك.
بناء على هذا تموقع المقدس في أشياء عديدة ،و انتشر بلا حدود ، و في مسعى ضبط حدوده اعتبر ذلك تفجيرا و تدنيسا له ، فكان أن صار التعبير عن تبجيله و تأكيده يأخذ أشكالا متناقضة فيها الهادئ و فيها العنيف منها الأضحية والقربان و المواسم و الحضرة و الطقوس و التمائم و الأطعمة و أنظمة الاعتقاد إلخ… في كل هذا وجد العقل موضوعا للتحليل و الجدل خاصة في علوم الأنتروبولوجيا و السوسيولوجيا و التحليل النفسي …كما وجد الإبداع عامة و الإبداع السينمائي بشكل خاص ما يخصب أبعاده الرمزية و التخييلية ،و ما يؤسس روحانية فرجته و تلقيه ،و ما يدفع بإبداعية الإبداع للقطع مع المعاني الحرفية للواقع ، ويبني خاصيته الطقوسية تترجم بذلك الجلال و السحر و البهاء الذي تخلقه لحظة المشاهدة السينمائية ، لينفذ إلى الأعماق ويستدعي فيها ما يبدو منسيا و لامفكر فيه و مهملا و مطلقا بلا حدود .
إنه ما يعني ندوة مهرجان سينما الشعوب بإيموزار أن تقاربه من خلال موضوع ” دلالة المقدس في السينما المغاربية “،وذلك بالتركيز على معاني المقدس و تجلياته و صوره و هويته في الأفلام المغاربية، كما يهمها ضبط كيفية إغنائه لمتخيل السينما المغاربية و جمالياتها وخطابها الفكري ،و تحديد الغاية من استدعائه .لقد استحضرت السينما المغاربية المقدس بصيغ عديدة ،و تجلى في أفلامها في شكل قداسات ، و طقوس ، و تعبدات ،وشعائر ، و حضرة ،و إيقاع ،ومزارات ،ومساجد ، و أضرحة ،و ذبائح ،و في شكل أفكار و تمثلات و مواقف و اختيارات ثقافية و فنية و طرائق عيش ، و أطعمة ، كما حضر عبر أنواع المطلقات و السلط و المتعاليات .إنه ما نجد تعبيرا عنه في أفلام عديدة مثل “وشمة ” و” السراب “و “الزفت ” و”باب السما مفتوح”،و الرحلة الكبرى”،و “خيط الروح” … من المغرب ، و “ظل الأرض “، و ” الهائمون” ،و”ريح السد”،و” حلفاوين”، و “سفرة يا محلاها” ،و” شمس الضباع” …من تونس، و” 100/100 أرابيكا ” ،و”القلعة”، و” باب الواد الحومة”، و”رشيدة”، و” جبل باية “،و”التل المنسي”، …من الجزائر..إلخ…
الغاية من الندوة هي الوقوف عند صيغ استحضار المقدس و دلالة ذلك ،و عند ما يجعل من السينما، إبداعا و فرجة ، لحظة تحيل بجلالها على جلال المقدس و طقوسيته خاصة حين تصير إحدى أساطير زمننا الحديث، لهذا تكون المداخل المقترحة لمناقشة محور الندوة هي:
ـ معاني المقدس في السينما المغاربية؛
– المقدس في السينما المغاربية بنياته و دلالاتها؛
– أوجه المقدس في التجارب السينمائية المغاربية؛
– دلالة المقدس من الواقع إلي المتخيل الفيلمي المغربي-أو الجزائري –أو التونسي ،
ـ الأبعاد الجمالية و الإيديولوجية للمقدس في السينما المغاربية،
– جدلية المقدس و المدنس في السينما المغاربية؛
ـ المقدس و العنف في السينما المغاربية؛
– حدود الديني و الإيديولوجي في السينما المغاربية،
ـ المقدس :تجليات و أبعاد:قراءة في نماذج فيلمية من المغرب و الجزائر و تونس .
إضافة إلى هذا يمكن للمشاركين الدمج بين أكثر من محور أو اقتراح مداخل أخرى لإغناء الندوة ” ـ




