الرباط: كواليس اليوم
يبدو أن سياسة الحكومة الحالية، خصوصا في الشق المتعلق بالاقتطاع من أجور المضربين عن العمل، وكذا صيغة مشروع قانون المالية، جلب عليها ويلات نقابية وحقوقية، فقد تقاطرت البيانات والبلاغات التنديدية شديدة اللهجة على موقع “كواليس اليوم”، كلها لتنظيمات حقوقية أو نقابية، والتي تعكس حالة الاحتقان لدى فئات عريضة من المجتمع تجاه السياسة الحالية للحكومة.
وجاء في نداء لأعضاء الأمانة الوطنية للإتحاد المغربي للشغل، خديجة غامري وعبد الحميد أمين وعبد الرزاق الإدريسي، إلى الرأي العام “من أجل التصدي النضالي الوحدوي” ضد الاقتطاع من أجور الموظفين المضربين، أن الحكومة قررت الاقتطاع من أجور موظفي الدولة والجماعات الترابية المضربين عن العمل. وقد عممت وزارة العدل والحريات مذكرة حول ما سمته بالأسس القانونية لهذا الاقتطاع.
واعتبر الأعضاء أنه يبدو لحد الآن أن ثلاثة وزارات عازمة على تطبيق هذا القرار هي وزارات العدل والصحة والداخلية بالنسبة للجماعات الترابية.
ويرى الأعضاء الثلاثة أن هذا الإجراء غير مشروع في ظل دسترة حق الإضراب وغياب قانون يسمح بذلك وباعتبار أن عدم الاقتطاع من أجور الموظفين المضربين ظل حقا مكتسبا منذ عشرات السنين. كما اعتبروا أن الإجراء يدخل في إطار الموجة الجديدة من الهجوم على الحريات العامة وعلى الحريات النقابية بشكل خاص.
واستغرب الأعضاء نشر مذكرة وزير العدل والحريات حول الاقتطاع من أجور المضربين دون استشارة النقابات، رسميا على الأقل، وفي عز الحوار الاجتماعي الذي يتأكد مرة أخرى أنه “حوار مغشوش” من حكومة بنكيران.
من جهته، استنكر المكتب الإقليمي للجامعة الوطنية لعمال وموظفي الجماعات المحلية بإقليم تاونات، المجتمع يوم السبت 03 نونبر 2012، في بيان يحمل توقيع محمد الخلادي، الهجوم الشرس للحكومة الحالية على الحريات النقابية، وعزم وزارة الداخلية على محاربة العمل النقابي بقطاع الجماعات المحلية بإصدارها مجموعة من المراسلات المتتالية بخصوص اقتطاع أيام الإضراب من أجور الموظفين المضربين، ضاربة عرض الحائط الدستور وكل القوانين والمواثيق الدولية حول الحريات النقابية، يقول بيان توصل “كواليس اليوم” بنسخة منه.
وأمام هذه التطورات فان المكتب الإقليمي للجامعة الوطنية لعمال وموظفي الجماعات المحلية بإقليم تاونات يعلن لشغيلة القطاع وللرأي العام الوطني والمحلي تضامنه المطلق مع المناضلين لحسن علابو ببلدية فاس وعبد الحمان الشاهد بجماعة سيدي بوبكر الحاج بإقليم القنيطرة، مدينا كل ما صدر من قرارات الطرد التعسفية في حقهم وطالب وزارة الداخلية بالتدخل العاجل قصد وضع حد للتسيب الذي يعرفه تسيير شؤون الموظفين بالقطاع.
كما أدان ما جاء في بيان لـ “فرع قرية با محمد لحزب الاستقلال”، حول الوقفة الاحتجاجية التي نظمت تضامنا مع سائق شاحنة جمع النفايات ببلدية قرية با محمد عبد السلام التارهي، الذي تعرض للشتم والاهانة من طرف أحد الأعضاء المحسوب على حزب الاستقلال، واعتبر البيان بمثابة تزكية للحرب التي تشنها الحكومة على الحريات النقابية وعلى الحركات الاحتجاجية المشروعة.
وندد بالاقتطاعات التي مست أجور الموظفين في الجماعات التابعة لإقليم تاونات (بلدية تاونات وجماعة الولجة وبلدية القرية وجماعة المكانسة وجماعة بني سنوس).
أما حركة اليقظة المواطنة، فقد تناولت جانبا آخر من الوجوه المظلمة لسياسة الحكومة الحالية، ويتعلق الأمر بملاحظات حول مشروع قانون المالية لسنة 2013.
وجاء في تصدير للنص أن مشروع قانون المالية ينذر بتفاقم نسبة التضخم، ويسائل مصداقية التوقعات الاقتصادية لدى الحكومة، كما يكشف انعدام الرؤية الإستراتيجية للملاءمة بين السياسات القطاعية والتوجهات المالية الكبرى.
واعتبرت الحركة أن قراءة وتحليل قانون المالية لسنة 2013 يمكن من الوقوف على العديد من الملاحظات المرتبطة بشكل مباشر أو غير مباشر بطبيعة القانون المذكور، وكذا من استنباط العديد من الخلاصات ذات العلاقة بالنظام الاقتصادي والمالي، ومدى انعكاساته على الأوضاع العامة بالبلاد سيما وأن القانون المذكور هو أول قانون مالي تضعه حكومة عبد الإله بنكيران. مما يشكل قاعدة تقويمية لمدى استجابة الحكومة لمجمل الوعود التي أطلقتها، وللبرامج المعلنة من خلال البرنامج الحكومي.
وترى اليقظة المواطنة أن:
1- أولى الملاحظات التي يجمع عليها المحللون والمراقبون بخصوص القانون المالي لسنة 2013 هو اندراجه بشكل عام في إطار منطق الاستمرارية إن على مستوى هندسته العامة، أو على مستوى الاختيارات المالية وآفاق التوقعات التي تحكمه. وهو ما يتناقض مع ما أعلنته حكومة بنكيران بكون التجربة الحكومية الحالية ستشكل قطيعة مع توجهات السياسات العمومية المتبعة لحدود الساعة. بل إن الإطار العام لقانون المالية يؤكد التطور السلبي للسياسة المالية المتبعة Evolution négative ، ولمنحى التراجعات الاقتصادية الحادة انطلاقا من العديد من المؤشرات.
2- إن قانون المالية بحكم أنه يترجم عمليا السياسة الاقتصادية المنتهجة يطرح أسئلة فعلية حول مآل البرامج القطاعية التي من المفترض أن تشكل الوعاء الحقيقي لأجرأة الدستور الجديد على مستوى العديد من المجالات باعتماد رؤية استراتيجية منسجمة بمقاربات أفقية Approches transversales ، سواء تعلق الأمر بمجال حقوق الإنسان والديمقراطية، وإصلاح القضاء، والأمازيغية، والمرأة، والطفولة، والشباب، وإصلاح السجون، والسكن، والتعليم، والصحة، والفلاحة، ومحاربة الفساد… وهو ما لا ينعكس في التوجهات المالية التي أغرقت المشروع المذكور في ” الحسابات الخصوصية للخزينة ” من خلال صناديق افرد لها قانون المالية ما يقارب 60 مليار درهما من قبيل: (الصندوق الخاص بالزكاة، الصندوق الخاص بالطرق، الصندوق الخاص بالتنمية الطاقية، الصندوق الخاص لإنقاذ مدينة فاس، صندوق محاربة آثار الجفاف، صندوق النهوض بتشغيل الشباب، صندوق التنمية القروية والمناطق الجبلية، صندوق دعم المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، صندوق دعم التماسك الاجتماعي، صندوق الدعم لفائدة الأمن الوطني، الصندوق الوطني للعمل الثقافي، صندوق الإصلاح الزراعي، صندوق مكافحة آثار الكوارث الطبيعية…). وتمثل مخصصات الحسابات الخصوصية لهذه الصناديق ما يقارب 17% من مجموع موارد مشروع ميزانية 2013 التي بلغت 345 مليار درهما. وبالنظر لكون هذه الحسابات تطرح أسئلة جوهرية بخصوص آليات المراقبة والمحاسبة ( صناديق لا تخضع للمراقبة التشريعية )، وهي الصناديق التي عرفت ارتفاعا في اعتماداتها من 12% سنة 2003 إلى 18% هذه السنة على الرغم من آثار الأزمة الاقتصادية وانعكاساتها المالية على بلادنا. وهو ما يضع شعار الحكامة موضع مساءلة على الحكومة التي ظل الحزب الذي يقودها ينتقد هذه الصناديق وطرق تدبير اعتماداتها.
3- يكرس القانون المالي الحالي النموذج الاقتصادي السائد القائم على سياسة دعم الطلب الداخلي مما يطرح أسئلة حقيقية على قدرة الحكومة على تقديم بدائل حقيقية لمواجهة آثار الأزمة الاقتصادية وتداعياتها. وهي التوقعات التي لم تندرج أصلا في البرنامج الحكومي. إذ طرحت نسبة النمو المعلنة أسئلة عن مدى واقعية تحقيق فرضية 5,5% ، إلى أن اصطدمت الحكومة بالأرقام المعلنة من لدن بنك المغرب والمندوبية السامية للتخطيط حيث لم تتجاوز نسبة النمو المسجلة من خلال تقاريريهما 2,5% خلال السنة الجارية. مما يعني ان تراجع نسبة النمو من 7% (البرنامج الانتخابي للعدالة والتنمية) إلى 5,5% (البرنامج الحكومي) ثم إلى نسبة 2,5% المسجلة رسميا يعد خللا فضيعا في التوقعات الاقتصادية تنجم عنه انعكاسات خطيرة على مستوى تدبير السياسات العمومية والتوازنات المالية (انعكاسات على المداخيل، والنفقات، ومستويات العجز، والسيولة …).
4- انسجاما مع توجهات ومقتضيات الدستور الجديد كان من المفروض تأطير قانون المالية لسنة 2013 بقانون تنظيمي جديد، لأن القانون التنظيمي المعمول به حاليا لم يعد يتلاءم مع مقتضيات الدستور. وهو ما يطرح سؤال الملاءمة ما بين المخطط التشريعي للحكومة وأجراة الدستور الجديد.
5- بالنظر للوضعية الاقتصادية الحالية والمتسمة إجمالا بتراجعات على العديد من المستويات، واستحضارا لمضامين القانون المالي لسنة 2013 نتساءل عن قدرة الحكومة على الالتزام بتعهداتها لترجمة وعودها في برامج قطاعية منسجمة وواضحة للاستجابة للطلبات الاجتماعية المتزايدة. ويستوجب الأمر التنبيه للمؤشرات الآتية:
v تراجع معدلات الادخار من الناتج الداخلي الخام.
v تراجع مؤشرات مناخ الأعمال والثقة.
v توسع دوائر الرشوة.
v تفاقم عجز الميزانية الذي وصل إلى ناقص 6,1% خلال 2011. وهذه الوضعية تدق ناقوس الخطر، لأن الفرق أصبح شاسعا بين العجز الموازناتي المسموح به في حدود 3,8% والعجز المسجل. مما سيرفع بالضرورة معدل المديونية من جهة، ويفتح الأبواب على مخاطر التضخم من جهة ثانية. حيث ارتفعت نسبة التضخم من 0,9% نهاية 2011 إلى 2,5% متم 2012.
v التدهور المستمر لحجم الصادرات التي تراجعت من 70% سنة 1999 إلى 43% سنة 2009، وتفاقم العجز التجاري من ناقص 13% ما بين 2000 و2006 إلى ناقص 23% خلال 2011. حيث ناهز متم 2010 حوالي 150 مليار درهما.
v تراجع الاستثمارات من 42 مليار درهما سنة 2007 إلى 30 مليار درهما سنة 2011.
v تآكل الاحتياطي من العملة الصعبة ليصل إلى ما يناهز أربعة أشهر من الاستيراد متم 2011.
v انخفاض مداخيل السياحة وتراجع تحويلات المغاربة المقيمين بالخارج.
6- إن نسبة النمو المصرح بها في القانون المالي لسنة 2013 (4,5%) فرضية تطرح علامة استفهام كبرى على واقعيتها باستحضار مؤشرات التراجع المالي والاقتصادي المشار إليها سابقا في علاقة بنيوية بهشاشة المنظومة الاقتصادية. فارتفاع حجم الواردات، واتساع الهوة بين الادخار والاستثمار، وتقلص مخزون العملة الصعبة، وارتفاع نسبة التضخم، وعجز الميزان التجاري يدفع في اتجاه توقع استمرار الأزمة الاقتصادية ببلادنا، مما يعني عدم القدرة على تلبية طلبات الشغل المتزايدة حيث يقدر عدد العاطلين بمليون ومائة ألف عاطل. وللتغلب على هذا الطلب يجمع الخبراء الاقتصاديون على ضرورة بلوغ نسبة نمو في حدود 7,5%. وهو ما يعتبر أمرا مستحيلا في ضوء الأوضاع الاقتصادية الوطنية، والإقليمية والدولية.
7- عن ارتباط قانون المالية بالمنظومة الاقتصادية الحالية يفسر العديد من أوجه الاختلالات التي ما زالت ترافق النسيج الاقتصادي الوطني الذي يعاني من تراجع الاستثمار في القطاع الصناعي. بل إن الناتج الداخلي الخام يتشكل في معظمه من قطاع الخدمات (65%) على حساب قطاع الصناعة التحويلية. فما زال الاقتصاد المغربي يتجه إلى المواد غير القابلة للتصدير، وهو ما يفسر اتساع حجم الواردات. مما ينذر بتفاقم عجز الميزان التجاري الذي تضاعف ثلاث مرات منذ 2003.
8- إن فشل التوقعات الاقتصادية المعتمدة في قانون المالية ستتأكد طالما أن اعتماد فرضية نسبة نمو غير واقعية، وكذا توقع سعر النفط في حدود 105 دولارا للبرميل، تبقى مرهونة بعوامل خارجية. وهو ما يعني أن الكلفة المرتقبة لتحملات المقاصة ستزداد حيث يظل الاختلال قائما بين توقعات المداخيل ونفقات التسيير المتزايدة.




