أنا زوجة عندي ابنتان، واكتشفت مؤخراً خيانة زوجي لي، وإقامة علاقة جنسية مع أخرى! من خلال مشاهدة صور لهذه المومسة على موبايله، وعند مواجهته بالأمر صمت ولم ينكر، لأن هذه المرة الثالثة التي يعرف امرأة أخرى, والآن أنا لا أعرف كيف أتصرف! أأطلب الطلاق لأنه زاني؟ أم أحرم نفسي عليه فقط؟ أنا حالياً لا أطيقه، خاصة أنني في غربة، ووحدي بدون أسرتي.
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:
فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، فإن هذا البلاء قد وقع لكثير من الناس، وما أكثر أن تقع هذه العلاقات المحرمة حتى ممن قد منَّ الله عليهم بالزواج الذي يُعف الإنسان، ويحصنه، ويأتيه الحلال الطيب، فيذهب بعد ذلك إلى الحرام الخبيث! وهذا أمر يحتاج يا أختي إلى وقفة قبل أن تفكري في الطلاق من زوجك، مع أننا نعذرك تمامًا في هذا الشعور الذي يطعنك في صدرك ونعذرك كذلك في التفكير في فراق زوجك، بعد أن تكرر منه إقامة العلاقات مع النساء، ليس مرة واحدة بل مرتين وثلاث، ومع هذا فأمر الزنا لا يثبت بمجرد أن يكون الإنسان صاحب علاقة ببعض النساء، إلا إذا صرح بذلك زوجك تصريحًا وأقر به واعترف، والمقصود يا أختي هو أن تبذلي جهدك الآن في وعظه ونصحه، اجلسي إليه في وقت يكون فيه هادئ النفس، قد هيأت نفسك بأحسن ما تتهيئين به من الملابس والزينة وألبست بنتيك الحبيبتين – حفظهما الله تعالى ورعاهما – وتكلمت معه بكلام واضح، بعيدًا عن مسامع بناتك إن كنَّ يفهمن هذا الكلام، فكلميه يا أختي وقولي له: يا زوجي الحبيب ألست أنا زوجتك التي قد صانت نفسها وعفَّت وحصنت فرجها طاعة لله عز وجل؟ ألست أنا التي حفظتك في حال حضورك وفي حال غيبتك؟! ألا أحب أن يكون زوجي عفيفًا كريمًا بعيدًا عن هذه العلاقات؟! لماذا تذهب إلى مثل هذه العلاقات المحرمة وقد آتاك الله الحلال الطيب؟! لماذا تقيم مثل هذه العلاقات المحرمة وأنت لديك هذه الأسرة، لديك ابنتان؟ ألا تخشى على عرضك؟ ألا تخشى من أن يعاقبك ربك جل وعلا؟ فإنك كما تدين تدان، وكما تعبث في أعراض الناس فقد يسلط الله عليك مثل هذا الأمر، ألا ينبغي أن ترجع إلى ربك، أن ترجع إلى رحاب التوبة؟ أين أنت من قول الله تعالى: {وََالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً * إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً}؟ أين أنت من قول النبي – صلى الله عليه وسلم – وقد سئل: أي الذنب أعظم؟ قال: (أن تجعل لله ندًّا وهو خلقك. قال: ثم أي؟ قال: أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك. قال: ثم أي؟ قال: أن تزاني بحليلة جارك) -متفق عليه-؟ أين أنت من قول النبي – صلى الله عليه وسلم -: (ما ظهر في قوم الزنا أو الربا إلا أحلوا بأنفسهم عذاب الله) -خرجه أبو يعلى-؟ أين أنت من قول النبي – صلى الله عليه وسلم – قال فيما يراه أنه انطلق به آتٍ فمر – صلوات الله وسلامه عليه – بقوم أشد شيء انتفاخًا وأنتنه ريحًا كأن ريحهم المراحيض. فقال – صلى الله عليه وسلم -: من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الزانون) -خرجه ابن خزيمة-؟ بل أين أنت من قوله -صلى الله عليه وسلم– وأنه قد أتاه آتيان في منامه – وهو وحي من عند الله – فقال: (فأتينا على مثل التنور – أي الموقد – فإذا فيه لغط وأصوات، فاطلعنا فيه فإذا فيه رجال ونساء عراة وإذا هم يأتيهم لهب من أسفل منهم فإذا أتاهم ذلك اللهب ضوضوا – أي صاحوا – فقال – صلى الله عليه وسلم -: ما هؤلاء؟ فقالوا: إنهم الزناة والزواني) -والعياذ بالله تعالى، والحديث متفق عليه-؟!
وأخيرًا: أين أنت من قوله -صلوات الله وسلامه عليه- : (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن)؟
ألم تقرأ قول الله جل وعلا: {سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ}؟! ألم تقرأ قوله: {قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ}؟ ألم تقرأ قوله: {نَبِّئ عِبادِي أَنَّي أَنَا الغَفُورُ الرَّحِيمُ * وأن عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمُ}؟
فهذا هو الذي ينبغي أن تبدئي به، وهو وعظه وإرشاده ثم تذكيره بالتوبة، ذكريه بأنه الآن أمام الوقوف أمام ربه كيف سيكون جوابه؟ وأمام دخوله القبر فكيف سيكون حسابه؟ ذكريه بأنه بهذه الحالة لا يخونك أنت فقط بل يخون ربه، فإن طاعة الله أمانة، ومن فرط فيها فقد خان الله، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ}، بل إنها خيانة للنفس، قال تعالى: {عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُ}. أي علم الله أنكم كنتم تخونون أنفسكم بالمعصية؛ فمن عصى الله فقد خان الأمانة، لأن شريعة الله وطاعته كلها أمانة؛ ولذلك قال تعالى: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً}.
فذكريه بربه وذكريه أيضًا أنك لن تصبري على هذه الحال، وأنك لن ترضي بأن يكون زوجك على علاقة بالنساء، لاسيما إن اعترف لك بأنه أقام معهنَّ علاقة الفواحش والزنا والعياذ بالله، وبيني له أنك ستصبرين عليه، وأنك سوف تعطيه الفرصة لكي يرجع إلى ربه جل وعلا، فإن فيه الخير وفيه مادة الصلاح – بإذن الله عز وجل – فليرجع إلى الله، حثيه يا أختي على أداء صلاته قال تعالى: {وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ}. فإنك إن أفلحت في حثه على الالتزام بصلاته، وعلى الالتزام بطاعة ربه، فقد أفلحت في كفه عن كل الحرام، فمن أطاع الله جل وعلا سهل عليه أن يجتنب معاصيه، فابذلي جهدك في نصحه، وبيني له أيضًا أنك تسترينه، وأنك بحمدِ الله لا تريدين أن تفضحيه وأنك تريدين أن تحافظي على أسرتك، وأن تحافظي عليه، لأنك تحبينه، وأن تحافظي على بنتيه أيضًا، وأنه بذلك يطعنك الطعنة النجلاء في ظهرك، وذكريه بأن الله لا يهدي كيد الخائنين، وأنه لا يحب الخائنين، وأنه ينبغي أن يتوب إلى ربه وأن يرجع إليه، فابذلي جهدك في ذلك أولاً، ثم بعد ذلك انظري النتيجة، فلعل الله عز وجل أن يرده للحق ردًّا جميلاً، وبأسلوبك الرفيق وبتذكيرك له وبحرصك على إرشاده للحق، لعلك أن تظفري بإذنِ الله بهدايته.
مضافًا إلى ذلك أن تنتبهي إلى خطوة عظيمة وهي: أن يكون لك يا أختي علاقات بأسر فاضلة لديهم أزواج صالحون، فأنت تجلسين مع تلك الأخت الفاضلة وزوجك يجلس مع زوجها، فحينئذ يلتقي به ويحثه على الصلاة، ويذهب به إلى المسجد، ويختلط بأهل الخير، فإن مادة الفساد إنما تدخل أصلاً من صحبة السوء، فالغالب أن لزوجك – عفا الله تعالى عنه – صحبة تدله على الحرام، ولذلك يقع في مثل هذه العلاقات، فينبغي أن تنتبهي لهذا الأمر، وينبغي أن تحرصي على أن يكون اختلاطكم بالأسر الفاضلة، ومن علمت أن فيها أزواجًا غير صالحين، فينبغي أن تتجنبوا زيارتهم تمامًا، فهذه أساليب تأخذ بيد زوجك إلى الحق، فلعل الله أن يهديه وأن يرده للحق ردًّا جميلاً.
ونود أن تعيدي الكتابة إلى الشبكة الإسلامية أولاً بأول لدوام التواصل معك، ولتقديم مزيد من الإرشاد والتوجيه، مع التكرم بالإشارة إلى رقم هذه الاستشارة، ونسأل اللهَ برحمته التي وسعت كل شيء أن يشرح صدوركم وأن ييسر أموركم، وأن يجعلكم من عباد الله الصالحين وأن يوفقكم لما يحبه ويرضاه.
وبالله التوفيق.
عن موقع (إسلام ويب)




