في كل مرة يثبت المغاربة أنهم أكثر الشعوب جهلا بالسياسة و الأكثر وثوقا بأهلها على اختلاف أحزابهم ومذاهبهم و توجهاتهم . و في كل مرة يغلب المغاربة منطق العاطفة على العقل في الحكم على تجارب الساسة حتى قبل أن يخوضوها
ففي منظر يجسد بجلاء طيبوبة المغاربة و تناسيهم للماضي و آهاته بسرعة، غمرت الشارع سعادة لا توصف و هلل البعض و علت وجوه فئة عريضة أخرى منهم علامات الارتياح بعد فوز حزب المصباح في الاستحقاقات الانتخابية و بالتالي صعود حكومة ذات مرجعية إسلامية إلى سدة الحكم.
و اعتبر السواد الأعظم من المغاربة أن تشكيل بن كيران لحكومة ملتحية تضم خيرة الوزراء الذين طالما أرغدوا و أزبدوا منكرين على أسلافهم كثيرا مما يفعلون، سيضع قطيعة أبدية مع الظلم و الاستبداد و القمع ظانين أن أيام الفقر قد ولت إلى غير رجعة و أن أيام النماء و الخير العميم قد أقبلت لمن أراد استدراك ما فات
و على عكس ما تشتهيه سفن الذين حملوا بن كيران إلى العلى تغيرت أوضاع العامة من سيء إلى أسوء بعد أن مررت قوانين لم تجرؤ على تمريرها حكومة من قبل فعم الغلاء معيشة السكان و عان العامل المسكين من الحكرة و التشريد في كل مكان و لاحقته الزرواطة فضربت منه كل بنان إلا أن قال أعطوني حقوقي فإني في بلدي مهان.
إن إقدام الحكومة على سن قوانين انفرادية كالاقتطاع من أجور المضربين و ما يصاحبه من احتجاجات سلمية تقمع في غالبيتها في تحيز واضح للباطرونا المتغطرسة على حساب الطبقة العاملة المهضومة الحقوق لهو أمر جلل يعود بالمغرب إلى الوراء و من شأنه زرع كثير من الألغام في جسم الديموقراطية التي يتشدق بها كثيرون بالمغرب
لا نعترض أبدا على سعي الدولة لإعادة هيبتها و سلطتها لكن بالموازاة مع ذلك فمن غير المعقول التعامل مع اللصوص و المفسدين بمنطق عفا الله عما سلف و تركهم أحرارا طلقاء و بالمقابل معالجة ملفات الصحة و التعليم و الجماعات المحلية و الطبقة العاملة عموما بالمقاربة الأمنية فقط لأنهم طالبوا بحق مشروع يكفله الدين و القانون و الدستور
إذن على الحكومة أن تعالج السبب لا النتيجة أي أن تقف عند مسببات الاضراب و ليس الاضراب في حد ذاته على اعتبار أنه من غير المنطقي أن يضرب أحد للنزهة إنما يلجأ للاضراب بعد أن تصل الأمور إلى الباب المسدود
و إذا كانت ذريعتا ضرورة سير المرفق العام و عدم وجود قانون منظم للإضراب قد أحدثا انقساما بين مؤيد و معارض ،حفظت به الحكومة قليلا من ماء وجهها ، فإن قضية المعطلين لم تترك لبن كيران سبيلا للمناورة ليبقى منطق الالتفاف و الاستبداد بالرأي سيدا الموقف.
و لعل ما زاد اللوم على حكومة العدالة و التنمية تعاملها بعنف شديد مع قضية المعطلين المطالبين فقط بتفعيل قرار حكومي سابق من شأنه إضفاء مزيد من المصداقية على المحاضر التي توقعها الحكومة في إطار النزاعات الاجتماعية قد تكون لها بصمة واضحة في إخماد نيران الاحتجاجات المستعرة و لو مؤقتا لإعطاء الحكومة وقتا كافيا لمعالجتها
و بعجز الحكومة الذريع عن تنفيذ ما نادت به في برنامجها الانتخابي و العجز عن محاربة الفساد و زادت على ذلك بأن أجهزت على القدرة الشرائية للمواطنين و قمع حركاتهم الاحتجاجية السلمية تكون قد دقت آخر مسمار في نعش السلم الاجتماعي في وقت تمور فيه الأرض مورا في المنطقة العربية برمتها و تنذر بمزيد من القلاقل و قد تفتح الباب على مصراعيه أمام جولة ثانية من الربيع العربي
نأمل أن تتدارك الحكومة ما فات و أن تسرع باتخاذ تدابير فعلية تحد من حالة الاحتقان و تعيد الثقة إلى المواطنين في الحكومة الحالية حتى يتسنى لها تحقيق و لو القليل مما تعهد به بن كيران قبل تسلمه مقاليد السلطة و إلا فمن الصعب أن يثق المغاربة في أية حكومة ستخلفها مهما كانت توجهاتها و مهما كانت فصاحة و بلاغة المتكلمين باسمها و لو حرصوا على انتقاء أجود الكلمات و أكثرها حرارة و تعبيرا.
على الحكومة ذات المرجعية الاسلامية أن تستحضر قول الرسول الكريم لأبي ذر الغفاري إذ قال له لما تمنى عليه أن يوليه على المسلمين، يا أبا ذر إنك رجل ضعيف و إنها أمانة و يوم القيامة خزي و ندامة. و الأمانة تقتضي محاسبة القوي قبل الضعيف خصوصا إذا تعلق الأمر بحقوق العباد، لا تركه كما فعل من كانوا قبلنا فأهلكوا. و في مقابل ذلك فإن الأمانة تستوجب إنصاف المساكين و الفقراء و الكادحين بدل تعنيفهم بكرة و أصيلا دون وجه حق إلا أن يطالبوا بحق مشروع 




