التحالف الحكومي والحل الأخير

ونحن على مشارف طي صفحة من الصراع والتشنج الحاصل بين طرفين أساسيين في التحالف الحكومي ،حزب الاستقلال وحزب العدالة والتنمية، واختيار حزب الاستقلال الركون للمعارضة واستكمال باقي الولاية الحكومية داخل صفوفها.

نعتقد أنه كان على رئيس الحكومة التفاعل مع مطالب حلفائه كيفما كانت، فكان حريا به أن يتجاوب مع مذكرة حزب الاستقلال وإعطائها ما يكفي من الأهمية ومناقشتها وعدم الاستهتار بها، فلا يمكن أن يتم اتخاذ أي قرار دون الرجوع لأطراف التحالف الحكومي، وإلا لما تم اختيار التحالف معهم؟.

فعدد المقاعد التي يتوفر عليها حزب العدالة والتنمية في مجلس النواب لا تؤهله لألا تكون رئاسة الحكومة في منأى عن النقذ والتوجيه إن اقتضى الحال، لكن واقع الحال أبرز أنه لا مجال لتقبل النقذ في علاقة بين رئيس الحكومة وباقي حلفائه، حيث كثرت التصريحات والتصريحات المضادة، بشكل يوضح بجلاء غلبة المصالح الحزبية الضيقة على المصلحة التي من أجلها فوض للتحالف الحكومي برمته تنفيذها.

وواهم من يظن أن المشاكل كثرت داخل تحالف الأغلبية بمجرد وصول حميد شباط إلى زعامة حزب الاستقلال، حيث انقطع التواصل بالكل، و لم يتقبل رئيس الحكومة الوافد الجديد على أغلبيته، مستحضرا المناوشات التي كانت بين حزبه وشباط بين الفينة والأخرى.

لكنه اليوم لا يخاطب عضوا في اللجنة التنفيذية لحزب الاستقلال وإنما أمينا عاما له، والغريب في المسألة، هل بنكيران لم يكن يعلم أن حزب الاستقلال كان يتهيأ لعقد مؤتمره السادس عشر؟، حتى يتفاجأ بوصول حميد شباط إلى الأمانة العامة لحزب الاستقلال؟.لا أعتقد ذلك.

 لكن كان على رئيس الحكومة أن يعي جيدا أن حميد شباط يخاطبه من موقع آخر غير الذي عرفه فيه، وعليه كان ينبغي أن يولي العناية التامة لمقترحاته بمعية القيادة الجديدة لحزب الاستقلال، فتصور هذه الأخيرة قد يكون مشابها أو مختلفا لتصور القيادة السابقة للحزب، مما يحتم على رئيس تحالف الأغلبية أخذ هذا المعطى بعين الاعتبار،وبالتالي حينما رفعت القيادة الجديدة مذكرة له، كان عليه أن يعطيها الأهمية القصوى ويناقشها مع حلفائه ويتم الاتفاق على كل ما يمكن من تنفيذ البرنامج الحكومي، فلا عيب أن تأخذ مقترحات الحلفاء بعين الاعتبار، وإلا لن نسميه تحالفا، إذا كان ميثاقه غير مفعل، فمطالب حزب الاستقلال في نظرنا لم تمس جوهر الاتفاق الذي دبر من قبل القيادة السابقة لحزب الاستقلال وإنما هي حلول أملتها الضرورة لتسريع وثيرة العمل الحكومي.

لذلك نعتبر أن من حق حزب الاستقلال أن يصوغ مذكرات وليس مذكرة واحدة لرئاسة التحالف الحكومي، يطالبها فيها بالقيام بالإصلاحات الضرورية، بما فيها إجراء تعديل حكومي، وأن ينبه الحكومة لكل ما من شأنه أن يساعدها على بناء واستكمال مسارها الذي انتدبت إليه.

لكن مطلب التعديل الحكومي أثار حفيظة رئيس الحكومة واعتبره تشويشا عليه، بل هناك من ذهب أكثر من ذلك وأشار إلى أنه لا يعدو إلا تبديل أشخاص بأشخاص.

لنذهب في هذا الطرح القائل بكونه تبديل أشخاص بأشخاص، ولنرجع إلى استحضار الحكومات السابقة، سنجد وزراء استوزروا لفترات طوال، وهذا ما يطرح التساؤل، هل فقط هذه الفئة هي فقط من تتسم بالكفاءة؟ ! لا يمكنني أن أتماشى مع هذا الطرح لأنه مثلا حزب الاستقلال كان ولازال يزخر بكفاءات وازنة إلا أنه كان يمارس عليها الفيتو، لما كانت تقدم سيرها الذاتية للإستوزار.

علينا أن نعي جيدا أن منصب الوزير ليس تشريفا له، وإنما هو تفعيل لمرتكزات البرنامج  الحكومي، وبالتالي لما تبين لحزب الاستقلال أنه لابد من إحداث بعض التغييرات على التركيبة الحكومية الحالية، فإنه لم يكن ليجابه بكونه تشويشا على الحكومة، لأن التعديل يجرى كلما اقتضت الضرورة ذلك مرتين واكثر في أعتى الديمقراطيات.

وهناك من يعزو عدم جدوى التعديل الحكومي إلى كون الأشخاص المحتمل استوزارهم ليسو في مستوى الاستوزار ، فمثلا لا أوافق الذين يدعون عدم كفاءة حميد شباط للإستوزار، فهذا خطأ فادح في حقه، فهو خبر دهاليز السياسة منذ أمد بعيد، وقام بالتسيير داخل الجماعة الحضرية لفاس منذ 1993، كما أن عبدالقادر الكيحل يعتبر من خيرة أطر حزب الاستقلال، ولا يقل شأنا عن هؤلاء الوزراء الموجودين في الحكومة، فهو أستاذ جامعي وأكاديمي تخرج على يديه خيرة الطلبة بكليتي الحقوق بفاس ووجدة، وخبر العمل السياسي في صفوف حزب الاستقلال منذ صغره، وكذلك الشأن بالنسبة للدكتورة كنزة الغالي الأستاذة الجامعية في الحضارة واللغة الإسبانية والخبيرة في الشؤون المغربية الإسبانية وكذلك شؤون الهجرة، والحاصلة على وسام ملكي منحه لها المرحوم الحسن الثاني نظير تفوقها في اللغة الإسبانية سنة 1986، كما خبرت بدورها العمل السياسي والجمعوي اذ التحقت بحزب الاستقلال منذ سنة 1979.

إنني لا أزكي هؤولاء للاستوزار، ولكن أنبه رئيس الحكومة إلى أن الاختيار الأمثل هو القبول بمطالب حزب الاستقلال بما فيها التعديل الحكومي، لأن انسحاب حزب الاستقلال سيخلق متاعب أكبر للحكومة الحالية، فمن غير المجدي المطالبة بانتخابات سابقة لأوانها لأنها ستفرز نفس التركيبة الموجودة حاليا وربما بتقلص طفيف لعدد مقاعد حزب العدالة والتنمية، أما إذا خرج حزب الاستقلال للمعارضة، فسيتم إهدار الكثير من الوقت للبحث عن حليف آخر، وقد يلاحظ نفس ملاحظات حزب الاستقلال ويشتد الصراع من جديد، وتهضر الحكومة زمنها في الصراعات.

فعلى سبيل المثال لو كانت الحكومة في منأى عن هذا الصراع لتم تسريع وثيرة العمل التشريعي من خلال سن قوانين تنظيمية مكملة للدستور، وكذلك سن القوانين التنظيمية لمختلف القوانين، وهذه أبسط الأمور التي تعطلت في خضم هذا الصراع.

إذن لا بد لرئيس الحكومة أن يغلب منطق الرجاحة على منطق الصراع، و يقوم بجمع أغلبيته ويحاول الخروج من هذا المأزق دون خسائر، لأن هذا الحل هو المنطقي في نظرنا وغيره سيدخل الحكومة في دوامة سيتعطل معها كل ما كان ممكنا تنفيذه.

فالاستمرار في التدرع بعرقلة عمل الحكومة من قبل التماسيح والعفاريت لن يكون سوى بداية لفشل ذريع في تحمل المسؤولية.

فعلى رئيس الحكومة تغيير نظرته للتحالف الحكومي كيفما كان، وأن يحسن الإصغاء لكل مكوناتها.

هذا هو السبيل الأمثل لنجاحها، والركون لغير هذا لن يمكن الحكومة كيفما كانت مكوناتها من النجاح في مهامها.

بوبكر السوسي

باحث في العلوم السياسية

عضو المجلس الوطني لحزب الاستقلال


شارك بتعليقك

شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية
   

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني