بقلم ذ.محمد المعاشي ، باحث مختص في القانون الاجتماعي

الهاتف  0661542442

البريد الالكتروني:    [email protected]

_____________________________________________________________

إتفاقية الشغل الجماعية والآليات القانونية

3/4

بقلم: ذ. محمد المعاشي* [email protected]

 

الجزء الثالث

بعد أن تناولنا في الجزء الأول، كل من المفاوضة الجماعية، والتشاور الاجتماعي، والحوار الاجتماعي، ومدى مساهمتهم في ابرام اتفاقية الشغل الجماعية، وخصصنا الجزء الثاتي لمفهوم اتفاقية الشغل الجماعية و أهميتها ثم ابرامها، ففي هذا الجزء سنتطرق إلى نطاق تطبيق اتفاقية الشغل الجماعية.

 ____________________________________________________

رابعا : إتفاقية الشغل الجماعية

 

4.   نطاق تطبيق اتفاقية الشغل الجماعية

يتحدد نطاق تطبيق اتفاقية الشغل الجماعية بأربعة عناصر[1]، من حيث المهنة، ومن حيث الأشخاص، ومن حيثر  المكان، ومن حيث الزمن.

من حيث المهنة: إن المقتضيات الواردة في مدونة الشغل من خلال القسم الرايع من الكتاب الأول لم تنص على أي قيد في هذا المجال، وهو ما يفيد على أن اتفاقية الشغل الجماعية يمكن انشائها في جميع أنواع الأنشطة الاقتصادية والمهنية الخاضعة لقانون الشغل، التي تتوفر فيها نقابات الأكثر تمثيلا، باستثناء الوظيفة العمومية حيث يخضع الشغل لقواعد نظامية[2] .

إن المشرع المغربي ترك لأطراف الاتفاقية الصلاحية في تحديد النطاق المهني لتطبيق أحكامها، بحيث طبقا لمقتضيات المادة 111 من مدونة الشغل، أوجب المشرع المغربي على الاطراف الموقعة على اتفاقية الشغل الجماعية التنصيص على المقاولة التي سيسري عليها تنفيذ الاتفاقية أو مؤسسة أو عدة مؤسسات تابعة للمقاولة.

كما لا يمكن للتنظيم النقابي النص في الاتفاقية أثناء إبرامها على سريان أحكامها على مهن لا يمثلها هذا التنظيم النقابي، أو لا تمت بصلة إلى المهنة الممثلة.

من حيث الأشخاص: أثر اتفاقية الشغل الجماعية لا يقتصر على الاطراف الموقعة فقط، بل يمتد إلى أطراف غيرها، وتعتبر الأطراف الموقعة على الاتفاقية هم الذين يخضعون من الدرجة الاولى للإلتزامات المنصوص عليها في الاتفاقية، وقد تولت المادة 112 من مدونة الشغل تحديد الأشخاص الذين يخضعون لأحكام اتفاقية الشغل الجماعية والتي تسري على الأطراف الآتية:

–       المنظمات النقابية للأجراء التي وقعتها أو انضمت إليها،

–       الأشخاص المنتمون إلى تلك المنظمات النقابية؛

–        الأشخاص الذين يصبحون أعضاء  في  تلك المنظمات النقابية؛

–       المشغل أو المشغلون الذين وقعوا الاتفاقية بصفتهم الشخصية،

–       المنظمات المهنية للمشغلين التي وقعت الاتفاقية أو انضمت إليها.

تسري الاتفاقية على جميع الأجراء المرتبطين بعقد الشغل، سواء كانوا منخرطين في التنظيم النقابي الموقع على الاتفاقية أم لا، وعليه فبمجرد ارتباط المشغل بالاتفاقية فإنها تسري على جميع الأجراء بدون استثناء.

لكن، قد تصادف اتفاقية الشغل الجماعية بعض المؤسسات المالية الكبرى تخضع لقانون الشغل، من إبرامها لعقود الشغل بامتيازات خاصة وأكثر فائدة من الاتفاقية، ففي هذا الصدد  أورد المشرع المغربي نصا  خاصا من خلال المادة 113 من مدونة الشغلـ والتي تنص على أنه((تسري مقتضيات اتفاقية الشغل الجماعية التي التزم بها المشغل، على عقود الشغل المبرمة من طرفه. تكون أحكام اتفاقية الشغل الشغل الجماعية ملزمة في كل مقاولة أو مؤسسة يشملها مجال تطبيقها، ما لم تكن هناك مقتضيات أكثر فائدة للأجراء في عقود شغلهم)).

من حيث المكان: إن أطراف اتفاقية الشغل الجماعية حسب المقتضيات القانونية الواردة في المادة 111 من مدونة الشغل، يتمتعون بكامل الحرية في تحديد النطاق المكاني الذي ستطبق فيه الاتفاقية، لكن شريطة التنصيص على الدائرة الترابية التي سيتم التنفيذ فيها، سواء تعلق الأمر بجماعة محلية معينة، أو منطقة معينية، أو على صعيد التراب الوطني، لأنه إذا لم تتضمن اتفاقية الشغل الجماعية نصا في هذا الشأن، فإنها تكون نافذة إلا في دائرة اختصاص المحكمة الابتدائية التي أودعت بكتابة ضبطها اتفاقية الشغل الجماعية، طبقا للمادة 106 من مدونة الشغل.

ولا تكون اتفاقية الشغل الجماعية قابلة للتطبيق بدائرة محكمة ابتدلئية أحرى، إلا إذا أودعها كلا الطرفين بكتابة ضبطها.

من حيث الزمان: تعتبر اتفاقية الشغل الجماعية من العقود الزمنية التي يكون الزمن عنصرا جوهريا فيها، بحيث وضع المشرع المغربي قواعد خاصة بالاتفاقية التي يمكن أن تبرم لمدة  زمنية غير محددة المدة أو إبرامها لمدة محددة المدة أو لمدة إنجاز المقاولة للمشرع، بمقتضى المادة 115 من مدونة الشغل التي نصت على أنه ((يمكن إبرام  اتفاقية الشغل الجماعية لمدة محددة، أو لمدة غير محددة، أو لمدة مشروع معين)).

–       اتفاقية الشغل الجماعية محددة المدة: هي التي يتفق فيها الطرفان صراحة على مدة معينة  لإجراء العمل بها، بحيث تنتهي بمجرد انقضاء المدة المتفق عليها، وقد خول المشرع لطرفي الاتفاقية حرية تحديد مدتها شريطة أن لا تتجاوز المدة ثلاثة سنوات، وإذا تجاوزت المدة المحددة اعتبرت شأنها  شأن الاتفاقية غير محددة المدة، وذلك بموجب مقتصيات المادة 119 من مدونة الشغل التي تنص على أنه ((لا يمكن أن تتجاوز مدة اتفاقية الشغل الجماعية المبرمة لمدة محددة ثلاث سنوات. تظل آثار اتفاقية الشغل الجماعية المحددة المدة سارية المفعول بعد حلول أجلها، شأنها في ذلك شأن الاتفاقية غير محددة المدة)).

وهكذا تنقلب اتفاقية الشغل الجماعية من محددة المدة إلى غير محددة المدة، حيث ستظل آثارها سارية المفعول إلى أن يتم فسخها من طرف أحد الأطراف، ما عدى إذا تضمنت الاتفاقية نصا صريحا يقضي بانتهائها فور انتهاء مدتها.

كما تجدر الملاحظة أن انتهاء مدة اتفاقية الشغل الجماعية لا تؤثر على المكاسب التي استفاد بها الأجراء بموجب الاتفاقية، وقد نصت مقتضيات المادة 121 من مدونة الشغل على أنه ((إذا حل أجل اتفاقية الشغل الجماعية أو أنهيت، إحتفظ الأجراء بالاستفادة من المنافع التي اكتسبوها بموجب تلك الاتفاقية، ما لم يبرم اتفاق جديد، فرديا أو جماعيا ينص على منافع أفيد لصالح الأجراء)).

–       اتفاقية الشغل الجماعية غير محددة المدة: هي التي لم يحدد فيها المدة الزمانية، ففي هذه الحالة تبقى الاتفاقية سارية المفعول إلى أن تنتهي بتراضي الطرفين، أو بالإرادة المنفردة لأحدهما، فحق الفسخ يمكن أن يمارس في أي وقت، لكن مع احترام المقتضيات القانونية الواردة في المادة 116 من مدونة الشغل، المتعلقة بإخبار الأطراف المتعاقدة وكذا كتابة ضبط المحكمة الابتدائية  وكذلك وزارة التشغبل، بفسخ الاتفاقية بشهر واحد على الأقل، والتي تنص على أنه ((يمكن إنهاء اتفاقية الشغل الجماعية  غير محددة المدة، في أي وقت، بإرادة أحد الطرفين.

 يجب تبليغ إنهاء اتفاقية الشغل الجماعية إلى جميع أطرافها، وإلى كتابة ضبط المحكمة المعنية، وإلى السلطة الحكومية المكلفة بالشغل اللتين أودعت بهما، وذلك قبل التاريخ المحدد لإنهائها بشهر واحد على الأقل.

غير أنه إذا كانت الرغبة في مراجعة بعض أحكام اتفاقية الشغل الجماعية هي سبب الانهاء، وجب إرفاق وثيقة الإنهاء بمشروع التعديلات المزمع إدخالها على الاتفاقية)).

لكن، في الحالة التي يرتبط بالاتفاقية أكثر من منظمة نقابية أو أكثر من مشغل أو أكثر من منظمة مهنية للمشغلين ففي هذه ي في الحالة لا تبطل الاتفاقية إلا بتخلى الأخيرة من المنظمة النقابية للأجراء أو الأخير من المشغلين أو الأخيرة من المنظمات المهنية للمشغلين.

إذا لجأت إحدى النقابات أو الهيئات المذكورة إلى فسخ الاتفاقية، فإن الهيئات الأخري المتبقية يمكن أن تعلن في ظرف عشرة أيام  الموالية لتوصلها بقرار الفسخ، عن تبليغ فسخها هي أيضا للاتفاقية إلى الأطراف الأخرى، وذلك ابتداء من التاريخ المحدد من طرف النقابة أو الهيئة الأولى التي تخلت عن الاتفاقية، وهذا طبقا للمقتضيات القانونية الواردة في المادة 117 من مدونة الشغل.

كما يترتب على فسخ اتفاقية الشغل الجماعية من طرف النقابة الأكثر تمثيلا أومن طرف المنظمة المهنية للمشغلين إنهاؤها بقوة القانون بالنسبة لكل أعضائها (المادة 118 من مدونة الشغل).

–       اتفاقية الشغل الجماعية لمدة إنجاز المشروع: إذا كانت اتفاقية الشغل يمكن ابرامها لمدة محددة أو لمدة غير محددة المدة،فإنه يمكن أيضا إبرامها لمدة إنجاز مشروع معين، ( مثلا بناء سد أو طريق أو مجمع سكني الخ)، ففي هذه الحالة تستمر الاتفاقية طيلة إنجاز لمشروع، لكن إذا لم ينته الشغل داخل أجل ثلاث سنوات، فسوف لن تعتبر الاتفاقية في حكم اتفاقية الشغل الجماعية غير محددة المدة وتطبق عليها أحكامها كما هو منصوص عليه في المادة 119 من مدونة  الشغل الفقرة الثانية، لكن، تظل اتفاقية الشغل الجماعية قائمة إلى حين إنتهاء من المشروع، وتخضع لنص المادة 120 من مدونة الشغل الذي نص المشرع المغربي صراحة من خلال هذه المادة والتي تنص على أنه ((تظل اتفاقية الشغل الجماعية المبرمة لمدة إنجاز مشروع معين قائمة إلى حين الانتهاء من هذا المشروع)).

لكن أمام متغيرات الظروف الاقتصادية والاجتماعية في حالة إذا طالت المدة ونجاوز ثلاث سنوات، ألا تصبح الانفاقية متجاوزة؟

بحيث يلاحظ أن المشرع المغربي لم يسير على نهج ظهير 17 أبريل 1957 الملغى من خلال الفصل 10 منه والذي كان ينص على أنه ((إذا ابرمت اتفاقية الشغل الجماعية لمدة القيامة بانجاز مقاولة في أمد ثلاث سنوات، فتعتبر الاتفاقية مبرمة لمدة ثلاث سنوات)) .

*باحث مختص في القانون الاجتماعي


[1]   عبد اللطيف خلفي، “الوسيط في مدونة الشغل ، الجزأ الثاني، علاقات الشغل الجماعية 2” المطبعة والوراقة الوطنية مراكش، سنة 2009، ص 8 .

[2]  موسى عبود، دروس في القانون الاجتماعي، النمركز الثقافي العربي بيروت، الطبعة الثالثة لسنة 2004، ص 80..