الفاشلون أو الفاشيون الجدد

 

آثرنا الخوض في هذا الموضوع ليس لمناقشة بيزنطية ولا مجادلة سفسطائية، بل لكون ثلة الفاشلين تستدعي منا وقفة تأمل وجرة قلم بحبر التاريخ الذي لا يصح معه إلا الصحيح ولا يدوم معه إلا الحقيق، والفتات طبعا إلى مزبلة التاريخ لاريب.

هم فاشلون فاشيون يبحثون بشتى الوسائل ويتحرون تحميل المؤسسات العمومية مسؤولية أي حادث طبيعي كان أو أي تصرف عابر يقع في المجتمع.

وفي سبيل المثال لا الحصر يجدون في وفاة امرأة حامل أثناء الولادة أو حادث مروري يسفر عن قتلى بمناسبة أو غير مناسبة مطية سهلة للعب على أوتار العواطف وتسخيرها للضرب تحت الحزام مستغلين الأمية المستشرية في أوساط العامة، بينما مثل هذه الأحداث في الدول المتقدمة تبقى بعيدة عن التجاذبات السياسية والتطاحنات الحسابات الشخصية حيث الكل يحترم حدوده والكل يرسم له قواعد واضحة للعبة السياسية في وعي جماعي بمالهم وما عليهم.

أحداث تبقى عادية ويتم التسليم بها في إطار الإيمان بالقدر خيره وشره، كما حدث في أوروبا بحر سنة 2006 حيث قضى المئات من الشيوخ والأطفال جراء موجة الحرارة التي اجتاحت القارة صيف تلك السنة.

بينما انقطاع التيار الكهربائي أو انهيار منزل آيل للسقوط رغم علم وتيقن العائلة الساكنة به ما ينتظر هذا المسكن يجعل المتربصين الفاشلين والحقوقيين المناسباتيين يبحثون عن الضحايا أينما وجدوا ويتاجرون بالجثث والفقر والعوز ليس لسواد عيونهم طبعا لكن بغية إحراج المؤسسات وتأليب المواطنين عليها، وبث السموم والأحقاد في المجتمع ركوبا على أميتهم عوض تقديم حلول لمشاكل المواطنين والتشمير عن السواعد للبناء الجماعي لا السكوت إلى حين وقوع الحوادث وتصيد المناسبات الأليمة كالغربان التي تنعق فرحا بالجثث مما يعتبر خيانة للوطن وللأمانة الملقاة على عاتقهم.

هنا نسائلهم: هل بناء مجتمع ديموقراطي سيمر حتما عبر هدم الوطن؟ بإشعالهم للنعرات وفتيل الفتن وإذكاء الاحتقان الإجتماعي بإتلاف الممتلكات العامة والخاصة كما حدث بحر هذا الأسبوع أثناء تظاهرة لطلبة جامعة ابن زهر بأكادير وما صاحبها من انفلات اد أن يأتي على الأخضر واليابس لولا الألطاف الإلهية وحنكة وحكمة وتبصر رجال حفظ الأمن العام.

إن الديموقراطية وسيلة لبناء مجتمع حداثي راقي وليست غاية في حد ذاتها، غير أن هؤلاء الفاشلين الفاشيين المتعصبين لرؤاهم وجدوا في الانفتاح الذي دشنه العهد الجديد ببلادنا والتوجه الديموقراطي والمؤسساتي فضاءا ووسيلة لاستغلالها لأغراضهم الدنيئة التي لا ترعى إلا ولا ذمة وتمرير معتقداتهم وسمومهم عبر تأسيس والدخول في إطارات جمعوية ونقابية وتنسيقيات لجعلها منطلقات ووسائل للإنتقام وتصفية الحسابات والغط لصالح مصالحهم الشخصية في تمثل منهم لقيم الانحطاط والتخريب عوض قيم البناء والمساهمة في رفاه المواطنين المتَكَلَّمِ بلِسانهم.

أمام هذه الظاهرة يمكن تصنيف هؤلاء الفاشلين إلى 3 أصناف:

–         الصنف الأول نخبوي: الذي يستغل الانفتاح والاختيارات الديموقراطية للبلاد للمساس بالسيادة والمؤسسات، ونأخذ هنا كمثال بسيط وفاة الطالب بنعمار بمدينة مراكش ومارافقه من بهرجة إعلامية حيث أقاموا الدنيا ولم يقعدوها بشحذ سكاكين إعلامهم وأقلامهم وألسنتهم بتوجيه الإتهام المسخر والمدبر للدولة مستغلين كونه ناشطا فبرايريا، بينما اتضح بعدها أن الأمر لايعدوا أن يكون حادثة سير عادية ارتكبت من طرف مواطنة طافحة السكر، مستغلين الحادث لنفخه واعتباره قضية رأي عام محاولين تصوير الدولة في مخيلة الشعب وكأنها غول يسترخص حياة أبنائه وأن هؤلاء الفاشلين الفاشيين وحيدوا الحرص على هذا الشعب، رغم أن هؤلاء متخصصون في استغلال حزن العوائل وجثث الشرفاء من أجل أغراضهم الرخيصة.

–         الصنف الثاني “الإنتهازيين”: يستغلون هذه المؤسسات بالتقرب المبيت للنصب باسم المبادرة الوطنية والمشاريع التنموية ودعم الإعاقة وتنظيم الحملات الطبية وغيرها من الأعمال لنيل نصيبهم من الكعكة والإستيلاء على الأموال العمومية بمكر وخديعة دون التفكير في مصير الشعب وما سيؤول إليه في تمثل واضح لمقولة “نفسي نفسي والطوفان من بعدي” لينضافوا إلى الفاشلين القابعين وراء الأسوار والذين يتصيدون بؤر التوثر بدعوى التأطير والتنظيم وهذا كل ماجادت به قريحتهم ففاقد الشيئ لا يعطيه والعقم لا ينتج إلا العقم.

–         الصنف الثالث “المنتخبون”: بشتى أصناهم وألوانهم  وانتماءاتهم السياسية، والذين وصلوا لمآربهم باستغلال الضعف المادي والمعرفي للناخب رغم افتقارهم لآليات الاشتغال على الشأن العام، هذا الكائن الهجين الذي يتلون تلون الحرباء في اللهث وراء الأغراض الشخصية لا يعدوا أن ينكشف المستور لحظة توليه المسؤولية التي لا يرى فيها غير الإغتناء وقضاء مصالحه ومصالح أقربائه ومدعميه.

هنا حق لنا التساؤل، أمام كل هذه الأصناف أليس للمواطن رأي؟ إلى متى يبقى هذا المواطن مجرد سلعة وبضاعة رخيصة في متناول كل من هب ودب كهذه الأصناف الماكرة التي تتربص وتكيد مما لا جدال فيه خدمة أجندات عدائية ومبيتة السوء التي ستوصل هذا الوطن البريء والبلد الامين إلى متاهات لاتحمد عقباها، فالعبرة بالخواتم وجوارنا عبرة لكل من يعتبر.

 

أحمد أمغار


شارك بتعليقك

شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية
   

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني