د. محمد ناجي
اللبنات الأساسية والتوجيهات العامة للسياسة الجنائية للدولة
لاشك أن الغاية المثلى من كل سياسة جنائية لأي دولة ديمقراطية هي مكافحة الظاهرة الإجرامية والحد منها ومعاقبة مقترفيها .. ومقياس نجاح تلك السياسة أو فشلها يتحدد بمدى قدرة الدولة على مناهضة الجريمة، ومحاصرة المجرمين، وتقديمهم للعدالة وفق شروط المحاكمة العادلة، حيادا عن كل عامل أو مؤثر أجنبي يؤدي إلى إفلات أي مجرم من العقاب؛ باعتبار أن العقاب هو وسيلة وغاية في نفس الوقت : فهو وسيلة للتأديب والزجر والردع . وغاية لتحقيق العدالة.. فالحكم الصادر عن المحكمة بمعاقبة المجرم، إنما تتحدد غايته في إنزال تلك العقوبة على ذلك المجرم؛ فإذا لم تنفذ تلك العقوبة فإن العدالة لم تحقق غايتها من ذلك الحكم.. ولذلك كان العقاب حقا مشروعا؛ بل مقدسا، لأنه في الشرائع السماوية يعتبر حقا من حقوق الله سبحانه، سواء كان حدا أو كفارة . وفي القوانين الوضعية هو من حقوق الدولة. وبالنسبة للمواطن هو الباعث على اطمئنانه بصفته عنصرا ضمن مكونات المجتمع الذي يعيش فيه، والذي ينشد الحياة في ظل دولة آمنة، عادلة، مطمئنة، يسودها الحق والقانون، وليس فيها أحد فوق القانون، أو يمكن أن يكون ـ بقرار معيب ـ فوق القانون.
وإذا كانت الأدوات التشريعية التي تحقق مبادئ السياسة الجنائية تتمثل في نصوص القوانين الزجرية والردعية المضمنة في القانون الجنائي وغيره من المدونات القانونية للدولة ، وكذا في الإجراءات المسطرية المعمول بها لضمان تحقيق محاكمة عادلة، بكل ما تتطلبه من ضمانات وافية: حقوقية وبدنية واجتماعية، للمتهم والضحية على السواء، وفي التدابير الاحترازية أو الوقائية المعتمدة لمنع وقوع الجريمة، أو لمنع تكرارها، باعتبار أن الوقاية خير من العلاج، كما صرح به الأمين العام للأمم المتحدة الأسبق السيد كوفي عنان في تقريره المقدم أمام مجلس الأمن بتاريخ 3 غشت 2004: «وبطبيعة الحال ففي أمور مثل العدالة وسيادة القانون ، فإن أوقية من الوقاية تساوي أكثر بكثير قنطارا من العلاج » ؛ فإن من شأن هذا كله أن يعود بنا إلى تعقيبنا على الشق الثاني من كلمة الأستاذ عبد الكبير طبيح المشار إليها في الحلقة السابقة ، مستفيدين في هذا التعقيب من كلامه الصحيح الذي يفرق فيه بين دولة الحق والقانون، ودولة القانون، حيث قال في مقاله المنشور في “الجريدة القانونية” الإلكترونية بعنوان ” القانون الجنائي والمسطرة الجنائية” : «لابد من الإشارة إلى أن دولة الحريات والكرامة هي (Etat du droit) دولة الحق والقانون، وليس (Etat du lois) أي دولة القانون؛ إذ إن القانون الذي لا يعمل لصيانة وحماية الحق يصبح عدوا للحق وآلية للتحكم والاستبداد» ؛ لنقول بأنه قد ميز بنفسه بين الأمرين، وضمن كلامه بتورية بليغة الفرق بينهما ؛ فقد تكون قوانين الدولة وافية شافية ، ضامنة لكل الحقوق المدنية لكل المواطنين على السواء؛ وتكون مؤسساته شاملة متنوعة مستجيبة لكل الحاجيات المدنية والاجتماعية والحقوقية للمواطن، ولكننا عندما ننظر في كيفية تطبيق تلك النصوص وإخضاع المواطنين لها، أو في تسيير تلك المؤسسات؛ هنا نكون إزاء حالتين : إما أن تلك النصوص والقوانين والمساطر تطبق بطريقة صحيحة ونزيهة، و مؤسساته خاضعة للشفافية والمحاسبة؛ فنكون بذلك إزاء دولة الحق والقانون . وإما أن تكون المؤسسات تسير بطريقة بعيدة عن الشفافية، في منأى عن المراقبة، وبمنجاة من المحاسبة ، وقوانينه تطبق بطريقة انتقائية أو مشوبة بكثير من مواطن الخلل وبواعثه، أو متأثرة بعوامل أجنبية عن القانون، سواء كانت إغرائية (رشاوى أو امتيازات أو منافع شخصية)، أو بعوامل أمرية (خضوعا لأوامر فوقية ) ؛ فإننا في هذه الحالة نكون إزاء “دولة القانون” ؛ وهي مسألة لا ترتبط ـ كما هو واضح ـ بالمشرع بقدر ما ترتبط بالقائمين على تنفيذ تلك التشريعات والقوانين ، وإنزالها إلى أرض الواقع، وإخضاع كل المواطنين لمقتضياتها بما يضمن النزاهة والمساواة كغايتين من غايات المشرع في تشريعاته .. وهو ما لم يغب عن قائد الدولة المدبر لشؤونها عندما قال في خطاب العرش لسنة 2011 بعد الاستفتاء على الدستور الجديد : « ومهما كانت فعالية هذه المؤسسات، فستظل صورية، ما لم تنعكس نتائج عملها على الوطن صيانة لسيادته وأمنه ووحدته، وتنميته وتقدمه؛ وعلى المواطنين: حرية، ومساواة، وكرامة، وعدالة اجتماعية »
وقد بينا في الحلقة السابقة جوابا على تساؤل الأستاذ حول من يضع السياسة الجنائية للدولة أن الملك بحكم صلاحياته الدستورية هو الذي يرسم خطوطها العريضة ، على شكل توجيهات يعمل البرلمان ومجلس المستشارين على بلورتها وصياغتها قانونيا، مما يفضي بنا إلى مناقشة الشق الثاني في كلمته حول عدم وجود أي نص في قانون المسطرة الجنائية « يتكلم عن الجهة التي تضع هذه السياسة الجنائية » ، لنقول بأن المسطرة الجنائية لا تعدو أن تكون قسما من مجموع الأقسام التي يتكون منها الهيكل العام للنصوص التشريعية في البلاد، وهي وإن كانت بمثابة الرأس من الجسد؛ إلا أنها مع ذلك تبقى من الناحية الوضعية والاعتبارية مثلها مثل سائر القوانين والمساطر الأخرى التي تتألف منها المدونة القانونية العامة للدولة، من مسطرة مدنية أو مدونة الأسرة أو ظهير الالتزامات والعقود، أو مدونة التجارة، أو القانون العقاري… أو غيرها من القوانين التي تتآلف كلها لتشكل المنظومة القانونية للدولة. ومعلوم أن هذه المدونات القانونية؛ وعلى رأسها المسطرة الجنائية؛ والقانون الجنائي، تستوحي نصوصها من المبادئ العامة للسياسة الجنائية التي يرسمها دستور المملكة؛ مما يجعل نصوصها تنزيلا لتلك المبادئ؛ باعتبار الدستور هو القانون الأسمى للدولة ؛ المهيمن على كل يقع تحته تراتبيا من نصوص قوانين وتشريعات ؛ فيكون واضع قانون المسطرة الجنائية والقانون الجنائي ضمنيا هو واضع الدستور، لأنهما فرعان مـنَـزَّلان منه، أو بناء على الفصل71 الذي يحدد الميادين التي تدخل في اختصاصات القانون في التشريع؛ مما يعتبر بمثابة تفويض بمهمة؛ نقتصر على ما يتعلق منها بالسياسة الجنائية :
– الحقوق والحريات الأساسية المنصوص عليها في التصدير، وفي فصول أخرى من الدستور؛
– العفو العام؛
– تحديد الجرائم والعقوبات الجارية عليها؛
– التنظيم القضائي وإحداث أصناف جديدة من المحاكم؛
– المسطرة المدنية والمسطرة الجنائية؛
– نظام السجون؛ … الخ
… كما أعطى للبرلمان صلاحية التصويت على قوانين تضع إطارا للأهداف الأساسية لنشاط الدولة، في الميادين الاقتصادية والاجتماعية والبيئية والثقافية.
وبهذا ندرك أن الأصل في وضع المسطرة الجنائية هو فصول الدستور؛ فقرينة البراءة مثلا التي يَـفتتح بها قانون المسطرة الجنائية موادَّه؛ إنما هي تنزيل للفقرة الرابعة من الفصل 23 من الدستور : « قرينة البراءة والحق في محاكمة عادلة مضمونان. »
والتعذيب أصبح ممنوعا بنص الدستور الذي جاء في فصله الثاني والعشرين:
«لا يجوز المس بالسلامة الجسدية أو المعنوية لأي شخص، في أي ظرف، ومن قبل أي جهة كانت، خاصة أو عامة.
لا يجوز لأحد أن يعامل الغير، تحت أي ذريعة، معاملة قاسية أو لا إنسانية أو مهينة أو حاطة بالكرامة الإنسانية.
ممارسة التعذيب بكافة أشكاله، ومن قبل أي أحد، جريمة يعاقب عليها القانون.»
فجاءت المادة 293 من قانون المسطرة الجنائية لتنزيل هذا المبدإ الدستوري إلى أرض الواقع للتطبيق العملي في إطار المحاكمة العادلة؛ التي من شروطها عدم الاعتداد بالاعترافات المنتزعة تحت التعذيب ؛ حيث تنص المادة 293 ق م ج:
«يخضع الاعتراف كغيره من وسائل الإثبات للسلطة التقديرية للقضاة.
لا يعتد بكل اعتراف ثبت انتزاعه بالعنف أو الإكراه.
وعلاوة على ذلك يتعرض مرتكب العنف أو الإكراه للعقوبات المنصوص عليها في القانون الجنائي »
ومن ثم فقد أصبح كل إجراء تعذيبي صادر عن أي جهة كيفما كانت: قضائية أو تنفيذية أو مدنية؛ خرقا للقانون؛ لا يعتد بنتائجه، ويعاقب فاعله عليه.
ثم جاءت نصوص القانون الجنائي لتضع العقوبات الزجرية لهذه الممارسات حسب نوع التعذيب والجهة التي ارتكبته.
فهذا هو الشق القانوني الأول والأساسي في دولة الحق والقانون ؟
فإذا ما تم تطبيق هذا الشق على أرض الواقع تطبيقا صحيحا ونزيها؛ فنحن في ظل دولة الحق والقانون. أما إذا تم التغاضي عن التطبيق الصحيح ؛ فقد بقينا رازحين تحت رحمة وهيمنة “دولة القانون” .. وأهدر الحق. أي أبقينا على الأداة، وفرطنا في الغاية من استعمالها ، أو استعملناها لغير ما وضعت له.
وللتمثيل الفعلي لهاتين الوضعيتين نستشهد بنازلة أسالت مدادا كثيرا في الآونة الأخيرة، حين أصدرت محكمة الاستئناف بأكادير حكما ببراءة متهم بسبب تعرضه للتعذيب أثناء استنطاقه من طرف الشرطة القضائية .. حسبما أثبتته شهادة طبية تصف بدقة مؤثرة الآثار المرسومة على جسد الضحية المتهم وعلى حواسه..
فأصبح الحكم ببراءة متهم بسبب تعرضه للتعذيب أثناء الاستنطاق لدى الشرطة القضائية، حكما دستوريا صحيحا، وهو ما صرحت به هيئة الحكم بمحكمة الاستئناف بأكادير، ملغية بذلك الحكم الابتدائي الذي صدر بإدانة المتهم بسنة حبسا …
حيث نكون هنا أمام ثلاث وضعيات :
حكم المحكمة الابتدائية الذي أصدر حكما بمعاقبة المتهم رغم وجود شهادة طبية من المستشفى العسكري، تُثبت تعرضه للتعذيب أثناء استنطاقه، وهو حكم مخالف للدستور.
وحكم ببراءته طبقا للدستور وقانون المسطرة الجنائية ..
وتبقى حالة ثالثة تقتضي تنزيلها، وهي تفعيل الفقرة الأخيرة من المادة المذكورة 293 ق.م.ج.
«ممارسة التعذيب بكافة أشكاله، ومن قبل أي أحد، جريمة يعاقب عليها القانون»
وهذه من مسؤولية النيابة العامة .. التي تعتبر هي الجهة الوحيدة والفاعل الأساسي في تنقيل حالة الدولة من “دولة القانون” إلى “دولة الحق والقانون”.
وبناء عليه؛ يكون الدستور بذلك هو الإطار الواسع والعريض المتضمن للخطوط العريضة للسياسة الجنائية للدولة. والدستور المغربي عرف تدرجا واسعا نحو الترقي والاحترام لحقوق الإنسان؛ وإن كنا ـ ككل متطلع إلى ما هو أحسن ـ لا نرى أن دستور 2011 هو الحلقة الأخيرة والنهائية لما نطمح إليه من عدالة جنائية بمواصفات الحداثة والديمقراطية الصحيحة الحقة؛ وهو ما صرح به جلالة الملك نفسه في خطاب العرش الموالي للاستفتاء على الدستور؛ حيث قال : « بيد أن أي دستور، مهما بلغ من الكمال ؛ فإنه ليس غاية في حد ذاته، ولا نهاية المطاف؛ وإنما هو أساس متين، لتعاقد سياسي جديد، على المضي قدما، في ترسيخ دولة القانون وحقوق الإنسان، والحكامة الجيدة والتنمية ؛ وذلك بإرساء مؤسسات ناجعة وذات مصداقية.»
ولذلك فإننا بالنظر إلى الخطوات الواسعة المتحققة ما بين دستور وآخر بعده؛ ندرك أننا نسير نحو الأفضل؛ وإن بدت بعض التراجعات بتوسيع سلطات ومهام النيابة العامة؛ فإن ذلك ؛ من الناحية القانونية يعتبر إجراء متقدما محمودا، وإنما الذي يسئ إليه ويفقده فاعليته ونجاعته، ويحيله في نظر البعض إلى تراجع عن مكتسبات، هو سوء التطبيق الذي تعرفه بعض النوازل المعروضة على بعض النيابات العامة هنا وهناك؛ سواء في عدم استعمال تلك الصلاحيات فيما رصدت له، أو تحويلها إلى وسيلة أخرى إضافية لتحقيق مآرب أخرى، أو غير ذلك من الحالات التي يمكن تصحيحها برفع مبدإ عدم المساءلة بالنسبة لقرارات النيابة العامة، أو بفرض تعليل قراراتها تعليلا وافيا : قانونا وواقعا… أو على الأقل بمطالبتها بتقرير توضح فيه أسباب امتناعها ـ على سبيل المثال ـ عن فتح تحقيق في جريمة جنائية ثابتة بالحجة والدليل .. إذا كانت ترى في ذلك الامتناع مصلحة لا يراها غيرها.
إن الدستور المغربي ـ شأنه شأن كل دساتير العالم ـ هو أرضية للسياسة الجنائية؛ بمثابة توجيهات للسلطة القضائية . ولكن مع ذلك يبقى مصدر كثير من التوجيهات الموجهة للسلطة القضائية في بلادنا مستقى من خطب جلالة الملك ورسائله وتصريحاته .. ولو تتبعنا تلك الخطب والرسائل والتصريحات فإننا سنلاحظ أنه قد سار بتدرج ملحوظ في رسم معالم السياسة العامة للدولة، بما فيها السياسة الجنائية ، حيث عمل على ترصيف الطريق السالك للوصول إلى الغاية المنشودة منهما ؛ وبذلك فقد عرف عهده مجموعة من الإجراءات التي لا يمكن تجاهل فعاليتها في بناء صرح ديمقراطي سليم ومتين يستوعب كل أبناء الوطن ؛ يقوم على تكريس وتعزيز حقوق الإنسان، وحماية المواطن المغربي من أي تعسف أو شطط أو قهر أو تضييع لحقوقه المدنية والاجتماعية التي يضمنها الدستور.
فابتداء من الرسالة السامية التي وجهها جلالته إلى المشاركين في الندوة الوطنية حول “دعم الأخلاقيات بالمرفق العام” بتاريخ 29 اكتوبر 1999، والتي يتضح منها وعيه التام بحاجة (المرفق العام) إلى أخلاقيات جديدة، « نظرا لما أصبح يتعرض له من انتقادات وما يقتضيه من ترشيد وإصلاحات» ـ كما جاء في الرسالة ـ ؛ حيث كان التوجيه المقدم فيها إلى كل المسؤولين عن هذا (المرفق العام) يرتكز على التنصيص الصريح بأن الاختيار الديمقراطي في دولة الحق والقانون مرتبط بالضرورة بوجوب التزامه « بالأخلاق الحميدة » ، وهي صيغة مهذبة للتهرب من التصريح بمصطلح “الفساد” الذي كان قد تفشى في جل المرافق التي لها ارتباط بالمواطنين ومصالحهم؛ إداريا أو قضائيا أو خدماتيا. ولو عُـدنا تاريخيا لما قبل تلك الرسالة ببعض الوقت؛ لتذكرنا كيف أن حالة “الفساد” الذي عرفه المغرب في تلك الفترة ، كادت تؤدي بالبلاد إلى “السكتة القلبية”، ولاستحضرنا أنها كانت وراء المبادرة التوافقية الحميدة بين الملك الحسن الثاني رحمه الله وأحزاب المعارضة آنذاك، المجتمعة في كتلة شبه موحدة، ذات مرجعيات متباينة؛ لا شرقية ولا غربية، لتسيير شؤون الدولة من طرفها، فيما اصطلح عليه سياسيا بالتناوب التوافقي. ومع ذلك فقد اعتبرت الخطوة الأولى في مسيرة الألف ميل نحو الإصلاح السياسي والاجتماعي الحقيقي؛ العام والشامل، باعتماد “ديمقراطية الصناديق” لإفراز الهيئة السياسية التي تتولى تدبير شؤون الدولة ، بتمكين الحزب الفائز في الانتخابات من تسلم الوزارة الأولى واقتراح أعضاء الحكومة بالتوافق مع الأحزاب المكملة للأغلبية البرلمانية.. مع احتفاظ الملك بوزارات استحدث لها مصطلحا غير مسبوق؛ لم يلبث أن اقتبسته بعض الأنظمة العربية الأخرى، وهو مصطلح ” وزارات السيادة”؛ ذو المفهوم الغامض الفضفاض؛ حيث تولد عنه في وقته نقاش فقهي وسياسي بين مختلف مكونات المجتمع المغربي؛ انتهى إلى شبه إجماع على أن ما يطلق عليه “وزارات السيادة” هو مفهوم غير دستوري؛ حيث لا توجد في الدستور أي إشارة إلى هذا المصطلح ، ولا فيه أي نص يميز بين أعضاء الحكومة باعتبار “السيادة”؛ ما دام الدستور يقر بأن السيادة للأمة، تمارسها مباشرة بالاستفتاء، وبصفة غير مباشرة بواسطة ممثليها. ولكن هذا المفهوم مع ذلك تكرس بنسبة أقل في الحكومات الموالية، باعتباره “صيغة تطبيقية” متفقا عليها بين الفاعلين السياسيين لتشكيل الحكومة .. رغم انتهاء التبرير الذي كان قد برر به الحسن الثاني رحمه الله احتفاظه بهذه الوزارات في تلك الفترة الحرجة من تاريخ الدول العربية قاطبة؛ والذي مضمنه أن وزارة الداخلية لا يمكن تسليمها لأي حزب فائز نظرا لما كان بين الأحزاب الوطنية منذ الاستقلال من صراعات ومشاحنات وتدافعات ، فخيف أن يستغل الحزب الفائز موقعه ليتسرب إلى كل أسرار الأحزاب الأخرى قصد تسخيرها لمصلحته، أو توظيفها للإساءة إليها. وبالنسبة لوزارة الخارجية؛ فقد كان مبرر احتفاظ الملك بها نظرا لموقف الحزب الفائز آنذاك (الاتحاد الاشتراكي) من حرب الخليج؛ مما يجعل دول الخليج غير مرتاحة لوزير خارجية كان حزبه مؤيدا لصدام. وبالنسبة لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية؛ فلأن الملك هو أمير المؤمنين. أما بالنسبة لوزارة العدل فلأن العدل هو أساس الملك … هذه هي المبررات التي برر بها الحسن الثاني رحمه الله احتفاظه بهذه الوزارات ، والتي ميزها عن غيرها بإطلاق صفة “السيادة” عليها.
غير أن هذه الحكومة التي وصفت ساعتها بالبلقنة؛ لم تستطع أن تنتقل بالمغرب إلى مرحلة الديمقراطية الحقة والمتجذرة في (المرفق العام) حيث جاء جلالة الملك محمد السادس وهذا المرفق كما وصفه في رسالته المذكورة «يتعرض لانتقادات» وفي أمس الحاجة إلى «ترشيد وإصلاح» ؛ مما حدا بجلالته إلى المبادرة إلى القيام بعدد من الإصلاحات لتعزيز بنية حقوق الإنسان في المغرب والنهوض بثقافة هذه الحقوق والتربية عليها؛ انطلاقا من إيمانه الراسخ بأن احترام حقوق الانسان والالتزام بالمواثيق الدولية المكرسة لهذه الحقوق ليس ترفا أو موضة بل هو ضرورة تفرضها مستلزمات البناء والتنمية؛ كما جاء ذلك في رسالته السامية بتاريخ 9 دجنبر 1999 بمناسبة الذكرى الواحدة والخمسين لصدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.
لقد جاءت مبادرات جلالة الملك كلبنات أساسية بعضها فوق بعض، وبعضها يشد بعضا لبناء صرح العدالة والديمقراطية؛ بحيث لا يسع المتتبع لها إلا أن يقر بالرغبة الصريحة في تحقيق هذا المبتغى؛ الذي تباينت القطاعات والمرافق العمومية الوطنية في قدرتها على مواكبته والاستجابة لتطلعاته ؛ فأصبح حال المغرب كحال مشروع بناء صرح ضخم هائل؛ يضع تصاميمه ويحدد خطوطه وزواياه مهندس مقتدر ماهر ، ويقوم ببنائه بناؤون مختلفو الكفاءات والقدرات، فيأتي بعض البناء مستقيما، ويظل البعض الآخر راكدا أو محتاجا إلى الترميم والإصلاح..
لقد كانت المبادرات الأولى التي أقدم عليها الملك لبناء صرح دولة ديمقراطية حديثة أن عمد إلى إنشاء كثير من المراكز والهيئات عسى أن يؤدي تضافرها وتكاملها إلى قيام دولة متينة عتيدة ، قادرة على تخليق الحياة السياسية والاجتماعية والقضائية في البلاد، بشكل يرقى بالوطن إلى مصاف الدول الديمقراطية المتقدمة ، وذلك بخلق مركز التوثيق والإعلام والتكوين في مجال حقوق الإنسان (15 أبريل 2000) الذي ألحق بالمجلس الاستشاري لحقوق الإنسان ، أسندت له مهمة أساسية تتجلى في وضع سياسة وطنية ومجتمعية في مجال الديمقراطية وحقوق الإنسان، وكذا مواكبة الإصلاحات الجارية في مختلف قطاعات المجتمع المغربي، والمساهمة في تعزيز وترسيخ ثقافة حقوق الإنسان؛ وقد كان هذا المجلس يتشكل من أعضاء تابعين لسبعة قطاعات حكومية هي: وزارة العدل، ووزارة الداخلية، ووزارة التربية الوطنية، ووزارة التعليم العالي وتكوين الأطر، ووزارة الشبيبة والرياضة، والوزارة المكلفة بحقوق الإنسان، وكتابة الدولة المكلفة بالأسرة،، ومن سبعة قطاعات أخرى غير حكومية، بالإضافة إلى المجلس الاستشاري لحقوق الأنسان؛ وممثلين عن هيئات دولية تهتم بحقوق الإنسان . كما تم تجديد المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان وفق التطلعات الجديدة المعبر عنها في خطاب جلالة الملك لعيد العرش لسنة 2002؛ حيث تم تنصيبه من طرف جلالته مع ديوان المظالم في 10 دجنبر 2002 . ثم عُـوض ديوان المظالم بمؤسسة الوسيط بمقتضى ظهير رقم 1.11.25 مؤرخ في 17مارس 2011، بعد أن أن أثبتت هذه الآلية نجاعتها من خلال تجارب دول أوروبية متقدمة في الديمقراطية وحقوق الإنسان كالسويد وفرنسا وإسبانيا التي أنشأت في سنة 1981 مؤسسة شبيهة أسمتها “مؤسسة الدفاع عن الشعب” ، وكذلك لتجاوز العجز الذي أبانت عنه تجربة “ديوان المظالم” بسبب افتقاره إلى الإمكانيات الكافية والاختصاصات الموسعة التي تخول له القيام بالمهام المنوطة به على أحسن وجه.
ولم تمض سنة على تنصيب تينيك الهيئتين حتى بادر جلالته إلى إحداث هيئة أخرى تمثل روحا جديدة للتوجه العام الذي تسير الدولة على نهجه في إطار سياستها الجنائية التواقة إلى القطع مع كل أسباب القهر والتعسف والاختفاء القسري والمحاكمات الصورية ، حيث تم إحداث هيئة الإنصاف والمصالحة (2003) للبحث عن أحسن السبل لتسوية انتهاكات الماضي وإيجاد صيغة لحلها بشكل عادل ومنصف، يرد الاعتبار لضحاياها، ولو معنويا؛ ويقطع الطريق على تكرار مآسيها مستقبلا ؛ وذلك بواسطة آليات وقوانين زجرية واضحة وعادلة؛ تبلورت موادها ونصوصها فيما جاء بعدها من مراجعات لقوانين المساطر الجنائية والقانون الجنائي ؛ وهي التجربة التصحيحية والإصلاحية والتصالحية الوحيدة في العالم التي تميزت بكونها أحدثت تحت مظلة وسلطة نفس النظام الذي كان من وراء أسباب نشوئها؛ حيث إن تصحيحات الانتهاكات الجسيمة السابقة في سائر الدول الأخرى كانت تأتي من قبل نظام آخر جديد يكون قد حل محل النظام السابق المتهم بارتكاب تلك الانتهاكات والخروقات. وقد كانت الآلية المعتمدة في طريقة عمل هذه الهيئة هي الاشتغال عن طريق لجان تقصي الحقائق؛ وقد كانت هذه المنهجية موضع تعريف بها من طرف الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان في تقريره المقدم لمجلس الأمن في 23 غشت 2004 في موضوع : ” سيادة القانون والعدالة الانتقالية في مجتمعات الصراع ومجتمعات ما بعد الصراع”، وهو تقرير جدير بالقراءة حول المكونات الأساسية للانتقال الديمقراطي، أو ما يصطلح عليه حقوقيا بــ”العدالة الانتقالية” ؛ أشار فيه إلى تجربة المغرب في الفقرة 50 في النقطة الرابعة عشرة بعنوان: « تيسير الإبلاغ عن الحقيقة » حيث قال عن هذه الآلية: «ثمة آلية أخرى هامة لمعالجة انتهاكات حقوق الإنسان ألا وهي لجنة تقصي الحقائق … وشكلت حتى الآن أكثر من ثلاثين لجنة من هذا النوع، من بينها لجان الأرجنتين والشيلي وجنوب إفريقيا وغانا والمغرب والسيلفادور وغواتيمالا وتيمور ـ ليتشي وسيراليون … وتمتلك لجان تقصي الحقائق قدرات تجعلها مفيدة للغاية في مجال مساعدة المجتمعات بعد انتهاء النزاع على إثبات الحقائق المتعلقة بانتهاكات حقوق الإنسان السابقة، وتشجيع المساءلة بشأنها، وحفظ الأدلة عليها، والكشف عن هوية مرتكبيها، والتوصية بتقديم تعويضات، وبإجراء إصلاحات مؤسسية. كما يمكنها أن تشكل منبرا عاما يستخدمه الضحايا لكي يرووا للأمة قصصهم الشخصية ، وأن تُـيَـسِّـر النقاش العام بشأن كيفية تسوية مظالم الماضي» .. ومعلوم أن المغرب بكل مدنه وجهاته عاش وعايش حكايا وقصص معاناة أولئك الضحايا، وأنصت إليهم بكل حواسه وجوارحه وهم يروونها بكل حرية وتلقائية عبر تجمعات جماهيرية نظمتها هيئة الإنصاف والمصالحة في كثير من المدن المغربية؛ مما أعاد لأولئك الضحايا الاعتبار المعنوي لذواتهم وشخصياتهم؛ وفي نفس الوقت خفف عنهم وعن ذويهم، وعن الشعب المغربي عامة، معاناة كبت تلك التجارب القاسية والمحن الشديدة التي لم يكن بمستطاع أي مواطن التنفيس عنها أو البوح بها جماهيريا في عهد سنوات الرصاص …
وفي نفس السنة (2003) صدر القانون رقم 01.03 المؤرخ في 23 يوليوز 2003بشأن إلزام الإدارات العمومية والجماعات المحلية بتعليل قراراتها؛ مما قلص إلى حد كبير من استغلال النفوذ والشطط في استعمال السلطة، والتعسف في حق الموظفين العموميين وأشباه العموميين … «وحَـثَّ الإدارات العمومية على الالتزام بالمشروعية وسيادة القانون واحترام حقوق المواطن في إطار من النزاهة والمساواة »، كما أشار إلى ذلك الأستاذ مصطفى التراب في مقاله المنشور في مجلة ديوان المظالم العدد الثالث ـ دجنبر 2005 (ص28) بعنوان : “إلزام الإدارة بتعليل قراراتها تخليق للمرفق العام وترسيخ لقيم المواطنة”، في إطار عرضه لأسباب صدور هذا القانون، والتي كان على رأسها «تكريس التوجهات الملكية السامية الرامية إلى ترسيخ المبادئ الأخلاقية بالإدارات العمومية» ؛ مما يعني أن هذا القانون هو بمثابة التنزيل العملي والقانوني لفحوى الرسالة السامية المتعلقة بـ “دعم الأخلاقيات بالمرفق العام” المشار إليها أعلاه ، والتي تُـعتبر مرافق العدالة في بلادنا من أهم حصونها، ومن أكثرها حاجة إلى التخليق والترفع عن المفاسد ونبذ كل أسباب “الحكرة” ، والسلطوية ، وجعل “صالح العدالة” فوق أي مصلحة ذاتية أو اعتبارية .
لقد أثبتت هذه الإجراءات، وغيرها كثير، أن المغرب سائر في سياسته الجنائية نحو دولة الحق والقانون، ودولة المؤسسات، ولذلك لم يكن ملك البلاد يترك فرصة إلا ويلح فيها على مفهوم الدولة الحديثة ؛ دولة الحق والقانون، ودولة المؤسسات.. حيث كانت توجيهاته تشكل القواعد الأساسية للسياسة الجنائية في المغرب كما يراها، ويدعو إلى تطبيقها وإنزالها عبر قوانين أو قرارات إدارية وقضائية تتسم بالشفافية، وتعكس روح العدالة والديمقراطية؛ المتمثلة في الحكامة الجيدة، كما جاء في خطاب العرش لسنة 2005: «وسيظل نجاحنا في هذه المسارات ؛ بل وفي كل الإصلاحات التي أطلقناها، رهينا بأخذنا بالحكامة الجيدة باعتبارها الآلية الناجعة لتحقيق المواطنة المثلى . وفي هذا الصدد يتعين على وجه الخصوص مواصلة إصلاح القضاء بكل جدية وحزم، باعتبار العدالة المستقلة والنزيهة عاملا أساسيا لتوفير الثقة وسيادة القانون اللازمين لتحفيز الاستثمار والتنمية . كما يجب الإسراع بتحديث الإدارة بما يكفل فعاليتها حتى تجعل من الصالح العام ، ومن القرب من المواطن، شغلها الشاغل . وبموازاة ذلك نؤكد على وجوب تخليق الحياة العامة بمحاربة كل أشكال الرشوة ، ونهب ثروات البلاد والمال العام. وإننا لنعتبر أي استغلال للنفوذ والسلطة ، إجراما في حق الوطن، لا يقل شناعة عن المس بحرماته . وفي هذا الشأن نؤكد على الالتزام بروح المسؤولية والشفافية ، والمراقبة والمحاسبة والتقويم، في ظل سيادة القانون وسلطة القضاء، بما هو جدير به من استقلال ونزاهة وفعالية» .
ثم كان الخطاب التاريخي الحدث ، أو الخطاب البرزخ بين عهد مضى وعهد منتظر ، وهو خطاب العرش لسنة 2009؛ الذي « شـكَّـل لحظة فارقة في اختيار المنظور الشمولي العميق والجذري في موضوع إصلاح القضاء»، كما عبر عن ذلك الأستاذ عبد اللطيف الشنتوف في مقاله : “جهود الملك محمد السادس في إصلاح العدالة” ، حيث « وضع هذا الخطاب خارطة طريق مكتملة الأركان، تتضمن تشخيصا للخلل بمنظومة العدالة أولا، وسبل العلاج ثانيا» ، نكتفي فيه بإيراد خلاصته كما جاءت بقلم الأستاذ المذكور ، حيث قال :
«لقد ركز هذا الخطاب على ست نقاط تمثل جوهر الإصلاح في نظرنا. تتعلق النقطة الأولى بدعم ضمانات استقلال القضاء من خلال تقوية مؤسسة المجلس الأعلى للقضاء (المجلس الأعلى للسلطة القضائية في الدستور الجديد) ومراجعة النظام الأساسي للقضاة بما يضمن الاحترافية والتجرد والمسؤولية. ثم ثانيا تحديث المنظومة القانونية كاملة باعتبارها المؤطر لعمل القضاء. وثالثا تأهيل الهياكل القضائية والإدارية وذلك عن طريق نهج حكامة جديدة للإدارة القضائية. ورابعا التركيز على تأهيل الموارد البشرية من قضاة وموظفين. وخامسا الرفع من النجاعة القضائية، للتصدي لما يعانيه المتقاضون من هشاشة وتعقيد وبطء للعدالة، حيث يقتضي الأمر «« تبسيط وشفافية المساطر والرفع من جودة الأحكام، والخدمات القضائية، وتسهيل ولوج المتقاضين إلى المحاكم، وتسريع وتيرة معالجة الملفات، وتنفيذ الأحكام »». وسادسا وأخيرا ضرورة تخليق القضاء لتحصينه من الارتشاء واستغلال النفوذ ليساهم بدوره في تخليق الحياة العامة ».
هذه هي الخطوط العريضة واللبنات الأساس والتوجيهات الدالة للسياسة الجنائية في المغرب، كما يراها ويريدها قائد البلاد، وكما بلورها دستور 2011 ؛ فهل كان لهذه التوجيهات صدى لدى المخاطبين بها، وهل لمس المواطن العادي (من غير ذوي الياقات البيضاء) أثرها عليه في حياته ومقتضياته، رغم مضي خمس عشرة سنة على الجهاد الأكبر الذي نذر الملك نفسه لخوضه منذ اعتلائه العرش لإصلاح القضاء، وترسيم خارطة واضحة المعالم، عادلة ونزيهة، للحكامة الجيدة والسياسة الجنائية للدولة ؟؟
شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني



