معالم الطريق نحو (إسلاموفوبيا) في المجتمعات الإسلامية..؟ (5)
منذ بدأت الحركات التحررية في البلاد العربية والإسلامية تقاوم الاستعمار الأوروبي وتسعى بكل الوسائل من أجل الانعتاق والتحرر، كان المحرك الأساس لهذه الحركات هو الدفاع باستماتة عن هوية هذه الأقطار التي ابتليت بالاحتلال الأجنبي، وكان الناظم الأساس في الدفاع عن الهوية في هذه الأقطار هو الإسلام وكانت العربية رافدا ثانيا من الروافد التي تعتمد عليها هذه الهوية ولكل قطر بعد ذلك مميزاته وخصوصياته وكان يضيف إلى الرافدين الأولين ما شاء، وكل قطر من هذه الأقطار كيف الدفاع عن هويته بما يمليه تاريخه الوطني، وما يمثله العنصر البشري من انتماءات عرقية واثنية وقبلية، ولكن العقيدة الإسلامية كانت موجودة في هذه المحركات وكان المسجد في غالب الأحيان منه تنطلق المظاهرات وإليه تعود ولا يزال هذا التقليد حاضرا حتى اليوم، ولأهمية هذه الظاهرة كان كل الزعماء ولو لم يكن موقفهم من الدين بالرسوخ الذي لدى الشعوب وإخوانهم الآخرين من القادة والزعماء ولكن اللجوء إلى الدين كان الركن الذي يستند إليه الجميع وهذا ما خلق بعد الاستقلال ما نراه من تباين في الرؤية والمواقف حول مكانة الإسلام في التشريعات وأنظمة الدولة وقوانينها، وهو نفسه الذي أدى إلى خلق تشنجات داخل المجتمعات الإسلامية والذي أفضى فيما بعد إلى موقفين: موقف التشبث بالإسلام عقيدة وشريعة أساسا للهوية، وموقف آخر ينظر إلى الدين، بمنظار الغرب إلى الدين ولم يستحضر هذا الطرف أن الدين نفسه كان مضطهدا أثناء الحكم الاستعماري وهو ما جعل (فرانز فانون) وهو يدافع عن إحدى الحركات التحررية (جبهة التحرير الجزائرية) يقول إن الإسلام جزء أساس في هذه الحركة لأنه يواجه نفس القمع والاضطهاد، وما مشى عليه كذلك صاحب كتاب “أفضل الجهاد” عمار ازكان.
ونحن في هذه الأحاديث نستعرض مواقف بعض الباحثين والمؤرخين والدعاة والزعماء في الدواعي والأسباب التي أفضت إلى ظاهرتين متناقضتين ومع ذلك فهما متلازمتان. التطرف والخوف من الإسلام الذي انتقل من الغرب إلى العالم الإسلامي بالتبعية وبحكم التكوين المنحرف والمدسوس لهذا السبب أو ذاك.
والواقع أن التطرف لم يأت من فراغ وهو في الواقع تطرف سياسي أكثر منه ديني لأن الدين يعرف مصطلح الغلو في العبادات وهو ما يلح الإسلام كتابا وسنة واجتهادا على تجنبه «ما جعل عليكم في الدين من حرج» ومهمة العلماء أن ينفوا عن الدين تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين اما ما يجري اليوم فهو توجه سياسي متطرف في مواجهة تطرف سياسي آخر إذا اعتمد أحدهما الدين فالآخر اعتمد دينا جديدا اسمه (العلمانية).
ولست أدري كيف استساغ بعض الناس في دولة تومن بالحريات بل تعتبر نفسها هي مصدر انطلاق هذه الحريات وما يرتبط بها من حقوق الإنسان أن تفرض على تلاميذ أن يؤدوا ثمن وجبات الأكل داخل المدرسة وأن تطعمهم طعاما يحرمه الدين الذي يعتنقونه (لحم الخنزير) وتتبنى الأحزاب وجهات شبه رسمية هذا الطرح أليس هذا بابا من أبواب التطرف يدخل منه الكثيرون؟ ويجدون من بين الناس من يجد لهم العذر، فهو في الواقع اعتداء على الحرية واعتداء على الهوية، ولا أقول اعتداء على تعاليم دين مجموعة من المواطنين.
ونجد نموذجا آخر في محاولة لإظهار التبعية الثقافية والفكرية فيما تناقلته بعض الصحف عندنا في المغرب أن إحدى الأيادي تدخلت لتغيير توصية باعتماد لغة باعتبارها الأولى من حيث البحث العلمي والتكنولوجي والانتشار لفائدة لغة أخرى تعتبر اليوم عاجزة عن الإيفاد بالغرض في المجال التكنولوجي والعلمي والاقتصادي، إنها التبعية الفكرية واللغوية ومس بالمصداقية والهوية اللغوية للمغرب.
ولابد من الإشارة إلى موقف آخر ونحن على بعد أيام من احتفال الفلسطينيين بيوم الأرض (30 مارس) ويمتاز هذه السنة بالموقف الجديد للحكومة الصهيونية ومن يساندها بإعلانها رفض حل الدولتين واغتصاب مزيد من الأرض بدعم من دعاة الحرية وحقوق الإنسان ونبذ التطرف الذي تحتل باسمه الأراضي ويطاح بالحكومات ولكن الصهيونية فوق المساءلة لأنها أداة كل السياسات المرغوب فيها.
إنها مواقف ثلاثة لا اعتقد أنها لا تستغل ولا يركب عليها ذووا التطرف السياسي وليس الديني إذن فالتصرفات المتطرفة تخلق ردود فعل متطرفة.
ونعود إلى مواصلة الكلام عن معالم الطريق إلى الفوبيا والتطرف.
************
الحرب السجال
نواصل الكلام في حديث اليوم عما بدأناه منذ أسابيع حول الخوف من الإسلام وشريعته من طرف الغرب المسيحي والتي ابتدأت منذ قرون، والتي كان لها ما يبررها عندما كان المسلمون أقوياء وقادرين على الفعل وعلى التأثير، وكانوا قادرين على مقارعة الأساطيل الأوروبية المسيحية في البحار، وقادرين على الأسر وعلى احتلال الشواطئ وحتى المدن، وإذا لم يكونوا كذلك فقد كانوا قادرين على حماية شواطئهم وأراضيهم من أن تطأها القوات الاستعمارية الغازية، وقد كانت القرون الأربعة بداء من السادس عشر إلى أواخر القرن التاسع عشر تجري فيها الحرب سجالا بين المسلمين والمسيحيين الأوروبيين.
من القدرة إلى العجز
إلا أنه مع بداية ضعف وعجز المسلمين بدأت الأراضي الإسلامية تنتقص تباعا من أطرافها مع بداية القرن التاسع عشر، ولكنها على أي حال كانت تغالب حتى تمكن الغرب من فرض السيطرة الكاملة على كل الأراضي الإسلامية بنهاية الحرب العالمية الأولى حيث تم توزيع ما بقي من أراضي الدولة العثمانية ووضعها تحت الانتداب الاستعماري الذي أفضى إلى اقتطاع فلسطين وإعطائها لليهود الصهاينة تنفيذا للخطة الاستعمارية المتأصلة لدى الدول الاستعمارية الغربية والتي خطط لها منذ أمد بعيد، وأساسها تقسيم وتشتيت الأراضي التي يقيم عليها المسلمون أو يقيمون فيها سلطتهم ونفوذهم.
الامتداد الخطير
وفي إطار تنفيذ مبدأ فرق تسد ارتأى دهاقنة الاستعمار البريطاني أن يتم وضع خطة محكمة ليلا يلتقي المسلمون في قارة آسيا بإخوانهم في القارة الإفريقية بأرض متصلة، تربط بينهم ذلك أنهم من استقرائهم لأحداث التاريخ والواقع الحضاري أدركوا أن بقاء الامتداد الطبيعي للأرض الإسلامية أو ما أسموه هم (العالم الإسلامي) أمر خطير على سياسة الهيمنة التي يفرضونها، وفي نفس الوقت لا يؤمنون جانب هؤلاء الناس الذين يسيطرون على الممرات المائة الإستراتيجية سواء في اليمن أو تركيا أو مصر أو المغرب، والذين لهم ماض في الحضارة وفي الحروب مع الغرب لهذا اتخذوا إجراءات يرونها تحقق هدفهم في السيطرة والتجزئة والتقسيم.
مشروعات التجزئة
وإذا كانوا يسعون للحيلولة دون تدفق الناس برا عن طريق الشام ومصر ذهابا وإيابا، وهو ما يسهل على العرب والمسلمين استعادة الوحدة بين أجزاء البلاد العربية والإسلامية، وهذا أمر لم يكن مقبولا ولا مرغوبا فيه فالفتوحات العربية مرت من تلك الطريق نحو إفريقيا والشمال الإفريقي ثم أوروبا، وعندما تقوت الدولة العثمانية كانت الطريق ممهدة لها عن طريق الامتداد عبر اتصال أراضيها بأوروبا ولذلك فكر الغرب عن طريق مائة مشروع مدونة ومكتوبة لتجزئة الدولة العثمانية وهو ما انتهى مع اتفاقية (سايكس بيكو) ونهاية الحرب العالمية الأولى.
دويلات غريبة
وكانت هذه النهاية هي ما أفضى إلى تنفيذ أهم خطة في التجزئة وهو خلق دويلة غريبة لتفصل بين الامتداد الطبيعي لأرض الإسلام في إفريقيا وآسيا، وهذه السياسة التجزئية وخلق الكيانات المصطنعة مع تغذية الروح القبلية الجديدة باسم الأوطان المصطنعة، التي لم تعد كافية بالنسبة للاستعمار الغربي، ويسعى اليوم ليس إلى توطيد هذه التجزئة فقط بل يريدون أن يدعموا هذه التجزئة بتجزئة جديدة، فوجود 22 دولة تدعى عربية لم تعد كافية ولا وافية بالهدف المسطر لدى الغرب، وإنما الأسلوب المتبع اليوم والمخطط له منذ زمان، والذي نشر مع خرائطه في مختلف الدوريات والمواقع الإلكترونية.
الوضع المتأزم
وهكذا خلق الغرب وسياسته القديمة الجديدة وضعا متأزما في كل الأراضي الإسلامية وأصبح الكل متوجسا من الكل، فقد انتقل الغرب من تفريق الأقطار العربية الإسلامية باسم القومية القبلية، ولكن يظهر أن مرحلة التجزئة باسم القومية اتسعت إلى ما نحن عليه اليوم، وتم تجاوزها وانتقل الأمر إلى التدخل في صميم العقيدة والمذاهب، وهكذا أصبح الوضع أكثر تأزما فالعرب اليوم المقسمون إلى هذه الدويلات التي بلغت من حيث العدد ما نعرفه ولكن هذه أصبحت باسم أسماء لا مضمون لها مرشحة لتقسيمات أخرى. لقد نجح الغرب في سياسته تجاه العالم الإسلامي وتجاه الإسلام في اتجاهين اثنين وأساسيين:
اتجاهين اثنين
الاتجاه الأول: وهو خلق روح معادية للإسلام والمسلمين في الدول الغربية حتى تحصن هذه البلاد ضد كل تعاطف مع الإسلام والمسلمين لتقبل الشعوب سياسة الغزو والتدمير لهذه البلدان المملوءة بالمتطرفين فعلا أو المرشحين للتطرف لأنهم متطرفون بالقوة إن لم يكونوا بالفعل حسب التعبير المنطقي القديم، وهكذا يكون المسلمون جميعا متطرفين ويجب الحذر منهم فكل مسلم أينما وجد فهو متطرف ما لم يقبل الاندماج في مخطط الاستعمار الغربي الصليبي الحاقد، وليس الهدف الاندماج الحضاري التقدمي.
أما الاتجاه الثاني: فهو تقسيم العالم الإسلامي نفسه بين معتدلين ومتطرفين وهكذا بضرب بعضهم بعضا ويملئ هذا الطرف أو ذاك الغرب في سياسته خوفا من وصمه التطرف وكما قلنا في أحاديث سابقة فهذا لم يأت صدفة أو من فراغ ولكنه أمر مخطط ومدروس قد تسأل كيف ذاك ما سنحاول أن نتعرف عليه من توضيح الدكتور محمد البهي رحمه الله في كتابه القيم الفكر الإسلامي الحديث وصلته بالاستعمار الغربي.
الروح المعادية
لقد بينا في الأسابيع الماضية كيف كانت الروح العادية للإسلام منتشرة بين الغربيين، وذلك عن طريق المؤلفات التي وضعها هؤلاء وكيف كان تعطشهم للسيطرة على الوطن الإسلامي، وإنهاء وجود العقيدة الإسلامية فيه، ولم يكن هؤلاء يستجيبون من كتابه هذا وتبيان الأساليب الضرورية التي يجب نهجها للوصول إلى هذه الغاية.
واليوم نريد أن نراجع مقدمة كتاب مهم من الكتب التي صدرت في النصف الثاني من القرن العشرين، والتي رصد فيها صاحبها بالدقة العملية المطلوبة وبأسلوب رائع تطور الفكر الإسلامي الحديث وكيف تأثر هذا الفكر بما يروجه خصوم العرب والمسلمين بل خصوم الحضارة الإسلامية.
عالم متمكن
والدكتور محمد البيهي عالم من علماء الأزهر الذين استكملوا دراساتهم العلمية بتحضير الدكتور في إحدى الدول الأوربية، وكانت رسالته من أهم الدراسات في حينها التي تناولت جانبا مهما من الفكر الإسلامي القديم وكانت بعنوان الجانب الإلهي في الفكر الإسلامي، ولمكانته العلمية والأدبية تولى وزارة الأوقاف وشؤون الأزهر في مصر، وفي عهده صدر قانون إعادة تنظيم الدراسة الأزهرية، وبقطع النظر عن ردود الفعل تجاه هذا الإصلاح الذي صدر في عهد عبد الناصر، والذي رأى فيه البعض ولا يزال أنه جاء لخدمة التوجهات السياسية والعروبية العلمانية لعبد الناصر، فإنه مع ذلك وسع المجال العلمي في هذه الجامعة العريقة فبإضافة تخصصات جديدة وعصرية بجانب التخصصات العلمية المعروفة والعريقة في الجامعات الإسلامية القديمة القرويين، الزيتونة، الأزهر، وما شابه.
التوجه الاجتماعي
وعلى أي حال فإن هذا المفكر أسهم إسهامات كبيرة جدا في دراسة الفكر الإسلامي وفي تناول القضايا الأساس والكبرى والتي لها ارتباط بالحياة المعيشية للناس وقد احتار في كتاباته كغيره من الباحثين والعلماء الأزهريين في مصر في تلك المرحلة أن يجدوا الصلة بين ما كان يعرف حينذاك بالاشتراكية العربية والنظام الاجتماعي في الإسلام.
وليس غرضنا في هذا الحديث أن نتحدث عن الرجل ودوره الفاعل في الحياة الثقافية والفكرية في النصف الثاني من القرن العشرين، ولكن كان من المناسب الإشارة إلى مكانته العلمية والسياسية ونحن نود أن نأخذ بعض الفقرات من الكتاب المشار إليه.
وليس هدفنا أن نتحدث عن الكتاب الذي جاء في حوالي خمسمائة صفحة ولكننا فقط ونحن نتحدث عن مصالح الطريق نحو الخوف من الإسلام وبواعث التطرف وبعد أن نتحدث عم الصراع السياسية بين الغرب والعالم الإسلامي، يقول:
«ولم يقف استخدام هذا النفوذ السياسي القوي عند حد الاستغلال الاقتصادي لأجل رفع مستوى الغرب وتقدم صناعته من جانب وإضعاف مستوى الشرق والحرص على تخلفه من جانب آخر، بل استخدم أيضا للتنفيس عن الهزيمة الصليبية في الحروب الماضية، وعن الحقد السليبي على بقاء بيت المقدس في ظل السيادة الإسلامية!!
- فكيف يستمر للغرب نفوذه السياسي على الشرق الإسلامي؟
- وكيف يبقى تخلف المسلمين؟
وكيف تنفس النفس الصليبية عن حقدها
هذه الأسئلة الثلاثة… يرتبط بعضها ببعض في تصور الغرب المسيحي المستعمر، ويحرص على أن تبقى متصلة بعضها ببعض في مباشرة سلطنه هنا في الشرق. على أن أي واحد من هذه الأمور الثلاثة وتمتعه بالبقاء، كفيل بتمكين الوجود للأمرين الآخرين.
لهذا… ما أن باشر النفوذ الغربي سلطته في رقعة الشرق الإسلامي منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر، حتى ابتدأ يعمل على تخلف المسلمين، وعلى تنفيس الحقد الصليبي.
وليس له هنا طريق آخر لتحقيق هذه الغاية، سوى تناول «مادة التوجيه» المحلية، وجعلها غير صالحة… ولم يكن هناك في توجيه الشرق الإسلامي سوى: الإسلام، والتراث الإسلامي الذي خلفه المسلمون في شرح إسلامهم..
- فإفساد الإسلام والتراث الإسلامي إذن، غرض أول للمستعمر الغربي.
- واختار وسيلته لذلك فيما أبرزه من المفارقة بين الغرب والشرق من تقدم الأول وتأخر الثاني.
- وابتدأ «العلم» وابتدأت «الدراسة» هناك تبحث عن أسباب هذه المفارقة، وتركزت الأسباب أخيرا، في المقابلة بين المسيحية والإسلام … المسيحية دين المتقدمين، والإسلام دين المتخلفين!!
وهناك قام بعض المسلمين ينادي بإتباع الغرب فيما وصل إليه من حضارة صناعية وفكر طبيعي… ولكن لا يكون هذا الإتباع مثمرا للشرق الإسلامي إلا إذا اتخذ موقفا من الإسلام يقربه من المسيحية !!.
ولنا عودة للموضوع.
ذ. محمد السوسي
أستاذ الفكر الإسلامي




