حداد على الضمائر….. مرافعة “ضد الحكومة”

محمد سليكي- صحفي

“سيدي الرئيس،
أصدمت بالمستقبل،
نعم، صبي من الذين حكم عليهم أن يكونوا ضمن اطوبيس الموت، رأيت فيه المستقبل الذي يحمل لنا طوق نجاة حقيقي.
رأيت أننا نسحقه، دون أن يهتز لنا جفن، نقتله، ونحن متصورون أن هذه هي طبائع الأمور.
إن هذه جريمة، جريمة كبرى، لابد أن يحاسب من تسبب فيها، إني لا اطلب سوى محاسبة المسؤولين الحقيقيين، عن قتل 20 تلميذا لم يذنبوا، شيئا، سوى أنهم أبناؤنا..
أبناء العجز والإهمال والتردي..
سيدي الرئيس،
كل ما أطالب به، أن نصلي جميعا، صلاة واحدة لإله واحد، إله العدل الواحد، الأحد القهار.
لست صاحب مصلحة خاصة، وليس لي سابق معرفة بالشخوص الذين اطلب مساءلتهم، ولكن لدي علاقة ومصلحة بهذا البلد.
لدي مستقبل هنا أريد أن احميه.
أنا لا أدين أحدا بشكل مسبق، ولكن أطالب المسؤولين الحقيقيين عن هذه الكارثة بالمثول أمام عدالتكم، لسؤالهم واستجوابهم، فهل هذا كثير؟.
أليسوا بشرا خطائين مثلنا؟، أليسوا قابلين للحساب والعقاب مثل باقي البشر؟.
سيدي الرئيس،
أنا ومعي المستقبل كله، نلوذ بكم، و نلجأ إليكم، فأغيتونا، أغيتونا، أغيتونا، والله الموفق، أغيتونا”.
لقد اختزل هذا المقطع من سيناريو فيلم”ضد الحكومة” الشهير عند المواطن العربي، ربما الكثير مما يختلج في نفوس قواعد واسعة من أبناء هذا الوطن، وهم ينتظرون في فجعهم الجلل القادم من طانطان، طي أعلام الحداد على الضمائر لفائدة قيام مرافعات محاسبة المسؤول أمام المحاكم.
يروي فيلم “ضد الحكومة”، الذي يعكس واقع علاقة مسؤولين مع فواجع أفلام الرعب الحقيقة في حوادث السير ببلادنا العربية، قصة محام جسد دوره الممثل الكبير الراحل احمد زكي، كان قد طلب وسط تهديدات محامي الحكومة، بمحاكمة وزراء في النقل والتعليم اثر حادثة صدم قطار لحافلة نقل مدرسي، أسفرت عن مقتل 20 طفلا.
أحداث هذا الفيلم المستوحى من قصة واقعية لحادثة محطة أسيوط الأولى، تتقاطع فصولها مع مأساة حادثة صدم قطار مراكش عام 2012 لحافلة نقل مدرسي ببنجرير قبل فاجعة حافلة طانطان، وكلهما وقعا على عهد حكومة عبد الإله بن كيران و وزيره عزيز الرباح.
كان الممثل أبو بكر عزت وهو محامي الحكومة في مواجهته لمرافعة زميله ضد الحكومة، يحاول أن يلقى باللوم على الموظفين الصغار مثل “سواق الاتوبيس وعامل التحويله”حتى لا تسقط الفاجعة بالرؤوس الكبيرة. أي العامل البشري، كما تقول “التقارير المغربية” عندنا في حوادث سير سابقة.
ففي الثاني والعشرون من شهر ماي من عام 2012، سيفجع المغاربة في مصرع أربعة تلاميذ وإصابة 16 آخرين بجروح٬ خمسة منهم سجلوا في جناح الخطر، والسبب دهس قطار للمسافرين كان متوجها إلى فاس، حافلة للنقل المدرسي كانت تقلهم على مستوى أولاد حسون الحمري قرب مدينة ابن جرير، وقتها لوح عبد الإله بنكيران رئيس الحكومة بـ”الاستقالة” إن تكررت فاجعة من فواجع حوادث السكك الحديدة، دون أن يقيل الوزير الرباح.. فأعلن حداد على الضمائر، دون قيام مرافعة “ضد الحكومة”.
ولم تمر على تلك الفاجعة سوى خمس أشهر، حتى فجع المغاربة في مصرع 42 مواطنا مغربيا وإصابة 24 آخرين بجروح٬ في طريق تيشكا أو طريق الموت، فلم يفي رئيس الحكومة بوعد تقديم الاستقالة ولم يقل وزيره في النقل والتجهيز ولم يقدم أي من المسؤولين الكبار للمساءلة.
بعد نصف عام على حادثة ابن جرير وربط رئيس الحكومة استقالته بتكرار فواجع قطارات الخليع وطرقات الموت، سيصدم المغاربة بعجن سيارة عائلة تحت عجلات قطار محطة تازة..عندها من جديد، لا حكومة استقالت، ولا مرافعات رفعت، وحده “الفايسبوك”، سينبري لمواجهة محامي الحكومة.. وهو يلبس ثوب حداد على موت ضمائر الكبار.
استمرت يد المنون دونما توقف في سرقة أرواح المغاربة في طرقات الموت وسكك الخليع، حتى اهتزت الوطن في 17 من غشت الماضي لفاجعة تصادم قطارين وسقوط قتيل و32 جريحا.. لتؤكد الضمائر الغائبة إخلاصها من فاجعة لأخرى، لسنتها في هدرها الزمن الدستوري، وتعطيل تنزيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.
بتوالي الكوارث، مسحت تعازي ملك البلاد دموع عدد من ضحاياها، بقي الوزير هو الوزير والحكومة هي الحكومة، حتى نزل بالوطن الفجع الأكبر، وهو يستفيق الجمعة الماضي، على نبأ الفاجعة القادم من طانطان.
فاجعة مقتل 33 طفلا ورياضيا، لا ذنب لهم سوى وجودهم بحافلة ركبت مجاهيل طريق ما هي بطريق، لا ينتظر معها كل من له ضمير، أن تمر بإعلان حداد على الشهداء و الضمائر.. بقدر ما ينتظر وطن مكلوم ومواطن مصدوم.. مرافعة حقيقية”ضد الحكومة”.


شارك بتعليقك

شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية
   

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني