بقلم سعيد عيسى المعزوزي
من خلال أول جولة بأحد الشوارع الذي يحمل اسم أحد الملوك الأسبان و أبرزهم سفكا لدماء المسلمين فيما مضى، ينتابك شعور و كأنك بين أحضان الدريوش أو العروي تارة أو قرى شمالية للمغرب تارة أخرى، ناصية طريق تشعرك بمغربية الطابع و المزاج حيث تشكل نسيج رائع تنوع ليقدم صورة الريف و العرب و الجبل بما حمل، وما إن تغدق في تجوالك حتى ينتابك إحساس أنك و من معك بين أيد ناصعة البياض، مقاهي بمزاج مغربي مطاعم و محال تجارية مغربية الطابع و الطراز مكتب محاماة مغربي حلاقون جمعيات تجمع لنفسها و دور عهر و تجارة هوى و ” كلها يلغي بلغاه ” و كأنه سوق عكاض القرن الواحد وعشرون، و عذرا أيها العكاضي ضربت بك مثلا و أنا لم أرى منك سوى أنوار فكر و شعر .
تم نأتي استماعا لبعض من حوارات الساكنة ” الكتلانية ” فـتستـشعر بضعا من الغيرة على حيهم و كلام يملئه حسد يبرره التاريخ، حيث يضن بعضهم أنه آن الأوان لتغيير اسم هذا الشارع و بدلا من ” الأمير خايمي 1 نزولا إلى شارع لوس موروس ” و كلمة لوس موروس تسمية تصنيفية تثير حفيظة جل المغاربة حيث يراد من خلالها تحديد العنصر الوافد الغير مرغوب فيه حضورا ( المغاربة / عنصر مؤقت أو عابر بثقافة الكتلان )، لكن ما يشد انتباهك و أنت تتجول بهذا الشارع المذكور هو حضور دوريات الأمن بكل أنواعه ( السري و الاعتيادي ) و ” لهلا يخطينا و يخطيكم حكام “.
ثم يقول سائل ما سبب حضور دوريات الشرطة بين الفينة و الأخرى لمكان يملئه جو التجارة و الحركية الاقتصادية، فتتجلى إجابة ذاتية عنوانها ذلك الجواب الاستنكاري الشهير ” إيوا احنا المغاربة خايـبـيـن “.
لا وألف لا – فلا هذه و لا تلك، لأن المتمعن في حضور الأمن ينحصر ضنه أن المنطقة قد تكثر فيها الخلافات و النزاعات بين المغاربة ما يستدعي قيام الأمن بجولات بين الفينة و الأخرى، لكنه ضن يضل في غير محله أو أقرب نوعا ما إلى تحليل غير مستوفي الجوانب، كون أن جولات الأمن بين الفينة و الأخرى اعتبره من وجهة نضري مجرد إثبات حضور ” راه احنا هنا ” من جهة و جرعة مهدئة لساكنة المحيط من جهة أخرى كما أن حضور عناصر الأمن الكتلاني بكثافة بتا أمر يلفت الأنظار و يبعث شعورا عاما بالخجل و التساؤل من جهة و مشهد أضحى مسلم به من قبل الجميع من جهة أخرى، و ما خفي كان أعضم و هو ما سأحكي لكم منه ذكرى.
يعتبر المجتمع الأوروبي عموما و الأسباني خصوصا بمثابة مجتمع متسامح مع محيطه الداخلي و يصعب أو يستحيل إيجاد حالات صراع أو جدال أو مشادات كلامية فيما بينه في جل المرافق العمومية و حتى الترفيهية منها، بل وصل الأمر بساكنة الحواضر الإسبانية للخجل محاولا عدم إظهار صراعاته الشخصية أمام المهاجر المغربي أو أمام بعضهم البعض ضنا أن مضمون سلوك المجتمع الإسباني قد ارتقى من التقدم إلى التميز الحضاري بكل أشكاله، و هو أمر أزكيه على لسان الحال و الواقع المعاش، لكن ما يشد انتباهك هو أن هذا المجتمع يتمتع بقوة ملاحظة و ترقب حاد و هو أمر غاب فهما عن كل مهاجر مغربي يعيش و لا يتعايش و هذا المجتمع البديل .
لكن الملاحظ المترقب لسلوك مغاربة المهجر و منهم القاطنين بأسبانيا يؤكد قطعا أن اسمرارية كل مغربي و هو يتبختر في الأرض متاعا رغم اشتداد الأزمة الاقتصادية الشرسة التي بعثرت أوراق الكل بسبب البعض حيث أتت على الأخضر و اليابس لأمر يبعث بالريبة و الشك في أنشطة هذا المهاجر ( شهادات المجتمع و الأمن الإسباني ) ما استدعى مؤخرا تفعيل عدد كثير من قوانين الهجرة التي كانت مجمدة أو متغاضا عنها في وقت سابق ( فترة الرفاهية الإجتماعية ما قبل الأزمة ).
و عودة إلى شارع المال الأبيض، أود القول أنه شارع تهوي فيه سقوطا بين الفينة و الأخرى مشاريع و محلات تجارية إسبانية بينما يقابلها مشاريع و متاجر مغربية بثبات لا تحركها رياح الأزمة في وقت شهد الكل سقوط شركات عملاقة و منها متوسطة و مطاعم من كل المستويات و أشياء كثيرة تساقطت تباعا لا يسعني ذكرها بل يكفيك تصورها، و مع كل هذا الزلزال المدمر إلا و أن المحال التجارية المغربية بهذا الشارع ضلت في ازدياد مستمر، لكن ما يشد انتباهك هو أن كل محل تجاري يتخد الإنغلاق على نفسه قلعته المحصنة فلا الريفي يقبل تشغيل الجبلي و لا الجبلي يود قبول ابن الداخل بين صفوف عماله و لا أمازيغي الأطلس يحبذ وجود الكل بين فريق محله التجاري و كل بما لديه فرح مختال و الكتلاني منقسم بين الرفض و القبول، و مجلس المدينة يغرد تغريداته السياسية الشهيرة لأنه راض عنك و ما يختزله جيبك في وقت بات جيران الحي يرفضون وجودك فتبت يدى من مولك.
يقول أحد المتمردين على ” صباغين الشارع ” بلون البياض، أن علاقة الجبلي بالريفي علاقة زواج قديم لا يصعب فهمه ، و قد لا حضت شخصيا أن هذه العلاقة تجمعها مجموعة مراحل من زارع إلى بائع إلى حمال لنبتة الأمل لكنهم مؤخرا قاموا بتطوير العلاقة على نحو عبقري حيث تم عقد قران عائدات نبتة الأمل بتبيــيض المال من خلال طريقة محكمة التمويه أخدت من عناصر الأمن الأسباني سنوات طويلة لتتمكن من فهم خيوطها، فقد سبق و تم تضليل الكل تحت تسمية متداولة مفادها أن ” فلان و فرتلان ” يقومان بالتبـــيـيض و أن التجارة الفلانية مجرد واجهة، و هو مفهوم تضليلي إلى حد ما و هو ما دفعني كشفا للطريقة التمويهية التي يستخدمها تجار الشارع الأبيض خايمي 1 في التمويه و بناء الملاعب الكبرى.
الذليل المنطقي ،
فرضت السنوات الأخيرة على كل مروج للمخدرات أن يلجئ مرتميا بين أحضان التجارة و الأعمال الحرة، ليس هروبا لرسم صورة تاجر يبرر مدخراته البنكية أمام المراقبين الأمنيين و ساكنة الجوار، بل بالعكس كان غاية كبرى تتجسد في خلق ملعب خاص لا يدخله إلى اللاعبون الفعليون ( تجار السعادة المزاجية )، فمروج المخدرات منذ بداية السنوات السبع العجاف ( 2008-2015 ) و هو يحقق نجاح تلوى الآخر و الناس به منبهرون، حيث نأخد مثلا من قام و فتح مطعما و متجر سلع تقليدية و مجازر ثم أضاف إليها مواد من كل صوب و حذب لا يهم بكم يشتري و لا يهم عائدات الربح لأن الهدف المرجو أن تتسع دائرة الاتصالات و تتـفرع قنوات طلب السلع و ليست السلع التي سيميل ضنك إليها سيدي المتتبع و لكنها سلع لها علاقة بنبتة الأمل، فحينما يرفع التاجر سماعة هاتفه يطلب عشرون كيس حمص و خمسون كيلو فستق فإن المتلقي حينها يدرك قصده و مغزاه ما يدفع بالأخير إلى تمثيل مسرحية تحضير الطلبية بصفة طبيعية و من خلال تقديم فواتير حقيقية و انتهاء بوصولها لصاحب الطلب تكون الرسالة المموهة وصلت لمتلقيها و” الله يحسن اعوان الشرطة الأسبانية و رفع الله قدر أمننا المغربي ” .
لا أنكر حقيقة أن ما أحاول طرحه يضل كمجرد مشهد من مشاهد عديدة دفعت بجميع أجهزة الأمن الكتلاني أن يتخد من إقليم الريوش شرق مدينة تراكونة كمنطقة عمليات حساسة حيث بات حضورهم بكثافة يشكل إزعاجا لبعض المهاجرين المغاربة الشرفاء ما أصبح يثير حفيضتهم خوفا على مستقبل أبنائهم و أزواجهم و الكل في غفلة عما يصنع المجرمون في ضلام دامس و رحم الله من قال : ” حوتة كاتخنز الشواري”.
لقد اعتبر ما بين سنة 2011 و 2015 أنها من أكثر السنوات التي شهدت عمليات التعسف من قبل دوائر الهجرة الحكومية فوضع الكل في سلة واحدة حيث كثرت فيها حالات رفض تجديد الإقامة ما تسبب في تشريد العديد من الأسر المغربية، ثم أعقبتها حالات رفض كثيرة لطالبي الجنسية القاطنين من محيط شارع المال الأبيض الذي ابيض لونه بلون أمواله البارزة على جدرانه، ما أفرز ظواهر اجتماعية و مشاهد سلوكية منها ما أخجل ذكره و منها ما توجب سرده في بداية الحديث .
فصل من فصول مشاكل الحمالة مع الحمولة .







