لسم الله الرحمن الرحيم
إلى السيد المحترم وزير العدل والحريات
السلام عليكم ورحمة الله
تجاوبا مع تصريحكم أثناء تقديم مستجدات مشروع القانون الجنائي بتاريخ 20 أبريل 2015 بأن الوزارة ترحب بكل المقترحات الجادة حول مضامين المسودة [1] التي تهدف إلى تقوية الحماية القانونية والقضائية لحقوق الأفراد؛ أرفع إليكم مساهمتي هذه بصفتي مواطنا مغربيا يعنيه أمر هذا القانون، بنفس القدر الذي يعني كل مواطن مغربي، مبديا بعض ملاحظاتي واقتراحاتي؛ وأنا متفائل من أنكم ستولونها ما تستحقه من تدبر ونظر، اعتبارا لقانونيتها وصوابها إن شاء الله.. لأنها قامت على تطبيق منهج مقارن، وعلى الاحتكام إلى الدستور المغربي.
ــ أبدأها بالحديث عن جريمة التحيز التي يؤطرها الفصل 254 من القانون الجنائي الحالي، مقترحا إضافتها إلى الجرائم المستثناة من تطبيق العقوبات البديلة في المادة 35-3 من المسودة موضوع المناقشة ؛؛ لأن التحيز هو النتيجة المستفادة من الجريمة القضائية، وهو من الأسباب المحرضة عليها في نفس الوقت.
فالتحيز بالنسبة للجريمة القضائية كدفتي الكتاب، تحويه من بدايته إلى نهايته.
فالقاضي عندما يتحيز لصالح أحد الأطراف، لا يفعل ذلك لوجه الله، أو تقربا إليه؛ حيث لا يُـتَـقرب إلى الله بما لا يرضي الله؛ ولا يفعل ذلك لصالح العدالة، لأنها تجرمه؛؛ وإنما يتحيز نتيجة مقايضة أو رشوة حصل عليها أو وُعِـد بها. وهذه هي بداية الشروع في جريمة التحيز .
ثم تمر الإجراءات المسطرية والقضائية ليصدر القاضي حكما أو قرارا متحيزا فيه لصالح الطرف الموعود ؛ وهذه هي النتيجة المستفادة من التحيز.
والقرار أو الحكم الذي ينبني على التحيز لصالح أحد الأطراف، لاشك أنه يكون قرارا جائرا وظالما، عن وعي وقصد، وليس عن اجتهاد لم يُـصِـب. أي أنه يكون حكما أو قرارا مقصودا متعمدا بسوء نية.
وما دامت الرشوة واستغلال النفوذ والغدر مما لا تُـطـبَّـق عليها العقوباتُ البديلة (المادة 35-3 ن1)، فما هو المبرر لتمييز التحيز وإخراجه من تلك الجرائم المستثناة من تطبيق العقوبات البديلة،، مع أن التحيز جاء في القانون الجنائي في الفرع نفسه الذي تعرض لجريمتي الرشوة واستغلال النفوذ وهو الفرع 4 ، الذي يشمل الفصول من 248 إلى 256.
فكيف ندرج الرشوة واستغلال النفوذ ضمن الجرائم التي لا تطبق عليها العقوبات البديلة، ونستل منها جريمة التحيز التي هي أحد مكونات هذا الفرع ؟
هل لأن التحيز يعتبر من الجرائم “الـنـخـبـويــة” التي لا يقترفها إلا القضاة بحكم مسؤوليتهم ومنصبهم !!؟؟
إننا لو تأملنا في جريمة التحيز لـتـبـيَّـن لنا أنها أفظع بكثير من جريمة الغدر (الفصل 243 ق.ج.) التي استثنيت هي أيضا من تطبيق العقوبات البديلة، وشُـددت عقوبتها في المسودة بنقلها من جريمة جنحية إلى جريمة جنائية، مع مضاعفة غرامتها القصوى بعشرة أضعاف (المادة 243 المسودة) ؛ وهذه مفارقة من مفارقات هذه المسودة ، التي اكتفت في عقوبة التحيز بالاقتصار على مضاعفة الغرامة في حدها الأقصى إلى خمسين ضعفا [ من ألف درهم في القانون الجنائي الحالي، إلى خمسين ألف درهم في المسودة] ، أي على الشق المالي فقط، دون تحريك العقوبة الحبسية التي بقيت على حالها من ستة أشهر إلى ثلاث سنوات ؛؛ وكأن هذا القانون المقترح يحرص على أخذ نصيبه مما يكون قد استفاده القاضي من تحيزه، أكثر مما يحرص على التخلص من هذه الجريمة الشنعاء بِـسَـنِّ عقوبة زجرية رادعة تجعل القضاة يحسبون ألف حساب قبل الإقدام عليها، بدل أن يعملوا فقط على تحضير مبلغ خمسة ملايين سنتيم، كحد أقصى للغرامة، يؤدونه للدولة، باعتباره نصيبها من مداخيلهم المالية الحرام التي استفادوها من تحيزهم،، مع تحضير مبلغ آخر للعقوبة البديلة المحكوم عليهم بها، أو المرجح أن يُـحكم عليهم بها، وهو ترجيح قوي الاحتمال وغير مستبعد إطلاقا؛ وإن كنا ننزه هيئتنا القضائية المحترمة عن إصدار أي حكم أو قرار فيه ميل متعمد أو مجانبة للصواب مقصودة، كما نربأ بها من أي ظن إلا بما يزيد مكانتها تقديرا وسمعتها شرفا. غير أن المناقشة الموضوعية السديدة التي تهدف سد الذرائع ودرأ المفاسد، تضع في حسبانها جميع الاحتمالات، تحريضا للمشرع على سن القوانين الاحترازية المناسبة. ومن ذلك بالنسبة لموضوعنا، احتمال أن يقع نوع من التحيز في دعوى التحيز نفسها، بحيث يكون هناك ميل إلى تخفيف الحكم على القاضي الماثل أمام المحكمة بتهمة التحيز، ليلا يتجاوز السنتين حبسا، ثم يحول إلى عقوبة بديلة تؤدى بغرامات يومية، يخرجها القاضي المحكوم عليه مما استفاده من أموال حصل عليها نتيجة تحيزه.
وبصورة أوضح : فالإبقاء على جريمة التحيز ضمن الجرائم المشمولة بالعقوبات البديلة، يعني أن عقوبتها قد تتحول كلها إلى مجرد أقساط مالية يُـحكم بها على القاضي المتحيز: يؤدي جزءا منها بصفته غرامة من 5000 درهم إلى 50.000 درهم . ويؤدي الجزء الآخر بصفته عقوبة بديلة طبقا للمادة 35-10 و 35-11 ؛؛ حيث يخرج القاضي المتحيز تلكَ المبالغ المحكوم عليه بها من المبلغ المالي الذي يكون قد قبضه من المتقاضي الذي تحيز لصالحه، ويحتفظ لنفسه بالباقي، فتتحول العقوبة بذلك من عقوبة زجرية رادعة إلى مكافأة مالية غير قانونية لأنها ساهمت في إثراء غير مشروع لفائدة الدولة (التي تستفيد من مبلغ الغرامة، ومن مبالغ العقوبة البديلة) ، ولصالح القاضي المرتكب لجريمة التحيز باستفادته من القدر المتبقي له مما حصل عليه من المتقاضي المستفيد من تحيزه.
وبما أنه بالمثال يتضح المقال، فسنوضح هذا بمثال افتراضي غير بعيد عن الواقع الممكن ، بل الممكن جدا :
فإذا افترضنا أن قاضيا أخذ مقابل تحيزه مبلغ 50 مليون سنتيم (وقد ثبت أن بعض الرشاوى تكون بأكثر من هذا المبلغ بأضعاف ؛ وهناك أشرطة مسجلة نشرت في وسائل الإعلام الإلكترونية تتحدث عن مبالغ مطلوبة لإصدار حكم متحيز، تزيد عن ثلاثة أضعاف هذا المبلغ)،،
،،، ولكن لنفترض هذا المبلغ المتوسط فقط، والذي يكون قد قبضه القاضي مقابل تحيزه، دون أن يكون هناك دليل على ذلك القبض [وهو أمر طبيعي، لأن هذا النوع من الرشوة يدخل في دائرة الرشوة التي يستفيد منها الطرفان: الراشي والمرتشي. والتي قد يكون الراشي هو الذي يعرضها على المرتشي مقابل تحيزه، فيستفيد هو من التحيز، ويستفيد المرتشي من المال الذي يحصله. ومن ثم فليس في هذه الحالة من وسيلة لإثبات وقوع جريمة الرشوة ؛ أو الاتهام بها؛ ما لم يبلغ عنها الراشي نفسُـه ويثبتها إثباتا قانونيا، وهو أمر مستبعد جدا]
إذن ، نستمر مع افتراضنا أن قاضيا أخذ المبلغ المذكور بطريقة مجهولة، ليتحيز لصالح المانح .
ثم يُـفـتَـح تحقيق في القضية يُـثــبـت وقوع التحيز ونسبة جريمة ارتكابها إلى القاضي المتحيز، فتحكم عليه المحكمة مثلا بالحد الأقصى من الغرامة ، وهو خمسون ألف درهم . وتحكم عليه بسنتين حبسا، ثم تحولها إلى عقوبة بديلة تراعي فيها إمكانياته المادية باعتباره موظفا إطارا ليس إلا، لا يتحمل أداء أكثر من 200 أو 300 درهم في اليوم. (لأن المحكمة لا تستطيع أن تعتبر أنه حصل على مبلغ 50 مليون سنتيم وهي لا تملك حجة عليه). فيكون مجموع ما يجب أن يؤديه القاضي كعقوبة بديلة هو في حدود 20 مليون سنتيم.
وبهذا يكون إجمالي المبلغ المحكوم به عليه أداؤه هو في حدود 25 مليون سنتيم : (5 ملايين سنتيم غرامة + 20 مليون سنتيم عقوبة بديلة). أي ما يعادل تقريبا نصف المبلغ المتحصل عليه من تلك الجريمة ، يؤديه للدولة، ويبقى له النصف الآخر يتنعم به.
فهل يكون القاضي المتحيز في هذه الحالة قد عوقب أم أثيب على جريمته؟
وحتى يتبين لسيادتكم وللمشرع المغربي الفرق الشاسع في الضرر بين جريمة الغدر وجريمة التحيز ـ وأنتم أدرى به من غيركم ـ أذكركم بأن جريمة الغدر إنما تتعلق بأضرار مالية تلحق بالمتضرر عندما يُـؤمَـر بأداء مبالغ غير مُـستحقة (الفصل243 ق ن؛ والمادة 243 المسودة ) ..
فضررها إذن مقتصر على الضرر المالي فقط. (والـفْـلوس تيخلفهم الله) كما نقول. خاصة إذا كان المتضرر ميسور الحال.
هذا من جهة، ومن جهة أخرى فهناك بعض الحالات من الغدر التي لا تعود على القاضي بمنفعة (سواء مباشرة أو غير مباشرة)، كالأمر بتحصيل مستحقات عير قانونية أو مُبالغ فيها، لفائدة الإدارة العمومية. ومع ذلك تطبق عليها نفس العقوبة التي تطبق على الغدر بصفة عامة.
أما جريمة التحيز فإن ضررها بالنسبة للمتحيز ضده يتجاوز الجانب المادي ، إلى الضرر المعنوي الذي يلحق بسمعته وكرامته، أو إلى الضرر البدني إذا ما اعـتُـقِـل أو حُـبس. وقد تترتب عنه أضرار نفسية لأسرته وذويه أيضا، أو قد يتسبب ذلك التحيز السافر المتعمد في ردود أفعال خطيرة تعبر عن استنكارها بطريقة عنيفة.
بل إن مساوئ التحيز تتجاوز المتقاضين إلى الضرر الأكبر الذي يلحق بالعدالة التي تكون قد اسـتُـعـمِـلت وسيلةً للشر والإفساد؛ وقد وُضِعت أصلا لتكون سببا للخير والإصلاح.
كما تتضرر، وبنفس الدرجة ، مدونة الأحكام القضائية المغربية، لأنها ستظل إلى الأبد ملطخة بحكم أو قرار متحيز صدر بصفة متعمدة ومقصودة .
هذا بالإضافة إلى أنها جريمة لا يمكن أن تُـرتَـكَـب دون الحصول على رشوة أو منفعة كيفما كان نوعها؛ لأنها لا ترتكب لوجه الله ، ولا لصالح العدالة، ولا خدمة للوطن .. كما أن القرار أو الحكم المتحيز لا يكون نتيجة اجتهاد غير مصيب؛ بل يكون متعمدا وبسوء نية ، بخلاف جريمة الغدر التي قد لا تكون لجلب منفعة للقاضي.
فهل مثل هذه الجريمة يمكن أن تكون مشمولة بالعقوبات البديلة، ولا تستحق أن تحظى هي الأخرى بالتشدد الزجري الرادع، بدل اقتصار الدولة على أخذ نصيبها من الغنيمة الحرام، باقتسام الوزيعة مع القاضي المتحيز، على حساب العدالة والأمن الاجتماعي وحقوق المواطنين؟
ومسألة أخرى في جريمة التحيز ربما تكون أبلغ من كل ما سبق، وأدعى لجعلها من الجرائم التي لا تطبق عليها العقوبات البديلة أكثر من أي جريمة أخرى، وهي أن إثبات جريمة التحيز ضد قاض أو حاكم إداري، ليس بالأمر الـهـيِّـن؛ سواء على مستوى الحجة والدليل، أو على مستوى التكوين القضائي والقانوني للشخص المُـدَّعَى عليه بالتحيز. فلكي يُـقـنع مدعِي التحيز هيئةً قضائية عليا بتحيز قاض لصالح طرف أو ضد طرف آخر ، فإنه بدون شك يحتاج إلى أدلة لا يخترقها الشك؛ ولا وجه لتأويلها إلا باعتبارها دليلا على التحيز.
ولذلك فإننا لو تتبعنا الشكايات أو الدعاوى المرفوعة ضد القضاة، فربما ـ وأنا لا أملك إحصائيات دقيقة في هذه المسألة، وإنما هو استنتاج من خلال ما أقرأ في المجلات القانونية ووسائل الإعلام ـ ؛ أقول: ربما لن نجد حتى نسبة واحد في المائة منها تتعلق باتهام قاض بالتحيز ؛ لأن كل ما نسمعه عن الشكايات أو الدعاوى المرفوعة ضد القضاة إنما يتعلق بجرائم الرشوة أو بأخطاء مهنية تتنوع بين الجسيمة والبسيطة . وهذا ما يجعل إدراج التحيز ضمن الجرائم التي لا تطبق عليها العقوبات البديلة لا يضر في شيء بالقانون الجنائي المرتقب؛ بل يزيد من تعزيز وسائله في مكافحة الفساد وإصلاح القضاء؛ وهما من أهم الغايات المتوخاة من هذا التعديل المطروح للنقاش.
ومما يحمل على مزيد التساؤل عن فحوى تساهل الشارع المغربي مع جريمة التحيز مقارنة بجريمة الغدر، خاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار أن التحيز جريمة خاصة بالقضاة ؛ هو أنه رفع من عقوبة الرشوة هي الأخرى، حيث نقلها هي أيضا من جريمة جنحية في القانون الجنائي الحالي (الفصل 248 ) إلى جريمة جنائية في المسودة (المادة 248) ، وضاعف الحد الأقصى للغرامة فيها بعشرين مرة (من 5000 درهم إلى 100.000 درهم ) ، وجعل الانحياز لصالح أحد الأطراف أو ضده من رجال القضاء أو المحلفين (مادة 248 ، نقطة 3) من دواعي ارتكاب جريمة الرشوة.
فلماذا إذن لم يتعامل واضع هذه المسودة مع التحيز بنفس الرؤية، وبنفس الشدة والصرامة التي تعامل بها مع الغدر والرشوة ؟ والحال أن الانحياز يشملها جميعا.
فإذا كان هناك من فعل يجمع في نفس الوقت بين جريمتين اثنتين معا ، فهو التحيز؛ لأنه يجمع بين الرشوة والتحيز معا ، حيث لا يكون التحيز لوجه الله كما قلنا، ولا لصالح العدالة أو لفائدة المجتمع، ولا يقوم على أساس اجتهاد لم يُـصِب.
ولذلك فإذا كنا لا نستطيع إثبات جريمة الرشوة رغم وقوعها كحافز على اقتراف جريمة التحيز، مما يجعلها تبقى جريمة بلا متابعة ولا عقاب لانتفاء الدليل، كما في المثال السابق ـ ؛ فلا أقل من أن يتعامل المشرع المغربي مع جريمة التحيز التي من المحتمل أن يثبتها المتضرر، بنفس الشدة والصرامة التي تعامل بها من الرشوة ، فيرفع درجتها هي ألأخرى من جريمة جنحية إلى جريمة جنائية، لتظل عقوبتها عقوبة رادعة، مثلها مثل عقوبة الرشوة. وهذا هو السبيل الوحيد للتقليل من احتمالات وقوعها.
هذا على مستوى المناقشة القانونية المقارنة ..
أما على المستوى الدستوري :
فإننا عندما ننظر في مرتكب جريمتي الرشوة والغدر، نلاحظ أنه هو الموظف العمومي بصفة عامة..
أما التحيز، فهي جريمة خاصة، لا يُـحتـمَـل ارتكابها إلا من طرف القضاة فقط، أي أنها لا تدخل ضمن جرائم كافة الموظفين العموميين؛ مما يجعل استثناءها من تشديد العقوبة بنفس القدر الذي شُـدِّدت به العقوبات المترتبة على جرائم الموظفين العموميين الآخرين هو في حد ذاته تحيز في التشريع القانوني لفئة معينة من الموظفين والمسؤولين المغاربة، وتمييز فئوي لها عمن سواهم ؛ مما يجعل المادة 254 من المسودة تتعارض مع الفصل السادس من الدستور الذي ينص على أن « الجميع، أشخاصا ذاتيين أو اعتباريين، بما فيهم السلطات العمومية، متساوون أمام القانون، وملزمون بالامتثال له ».
كما أنه يُـعـرِّض أساسَها القانوني للنقض ؛ وذلك عند مطالبة واضع القانون بتعليل الأساس الذي بسببه أوجد تلك القاعدة القانونية التي شرعها لفئة معينة دون سواها. والقاعدة القانونية هنا هي الجزاء الذي شدد فيه على الجانب المالي، دون أن يمس بالجانب الزجري الرادع ، ليبقي على إمكانية تحويلها إلى عقوبة بديلة، كبيرة قوية الاحتمال.
بل إن عدم إدراجه للتحيز ضمن الجرائم التي لا تطبق عليها العقوبات البديلة، يعطي انطباعا بأنه يوحي لقاضي الحكم في نازلة التحيز إلى تحويل عقوبتها إلى عقوبة بديلة. وكأن واضع هذه المسودة لم يلتفت إلى استحالة الحكم على القاضي المتحيز بالحد الأقصى في العقوبة البديلة وهو أداء غرامة ألفي درهم (2000 درهم ) عن كل يوم من الحبس المحكوم به. لأن المادة 35-11 تنص على ضرورة مراعاة الإمكانيات المادية للمحكوم عليه بها . والقضاة لا يعتبرون في المغرب من المحسوبين على الطبقات الأرستقراطية الفاحشة الثراء التي يمكنها أن تؤدي مبلغ 2000 درهم عن كل يوم لمدة سنة أو سنتين المحكوم بها مثلا..
وكذلك بالنظر إلى الغاية المتوخاة من هذا التعديل للقانون الجنائي، وهي بالدرجة الأولى مكافحة الفساد، محاربة الرشوة، وتقليل منافذ ارتكابها. ونفس الشيء بالنسبة للجرائم الخطيرة التي تلحق أضرارا بالغة بالمجتمع، وتهدد مصالحه المادية أو المعنوية أو الحقوقية، أو تعرض سلامة المواطنين البدنية أو العقلية للخطر.
وجريمة التحيز لا ينحصر ضررها فيما ذكر، بل يتجاوزه إلى الإضرار السافر والمتعمد بالعدالة كلها، وإلى الحط من قدر الأحكام القضائية، وإلى تعريض سمعة الوطن إلى الانتقاص، لأنها جريمة لا يمكن أن تكون إلا عن عمد وبسوء نية. فأي تبرير مقنع يمكن أن يقدمه واضع هذه القاعدة للعدالة وللمواطنين ولذوي الخبرة والاختصاص … وحتى للبرلمان ؟؟
هذا بالنسبة للتحيز مقارنة مع الغدر والرشوة، وليست هي كل ما يلاحظ على هذه المسودة؛ بل هناك قضايا أخرى لنا فيها رأي، سنباشر منها في الرسالة المقبلة إن شاء الله جريمة الوشاية الكاذبة، والتي نرى أن واضع هذه المسودة وقف منها موقفا أكثر تساهلا من تساهله مع جريمة التحيز .
ولكم أزكى تحياتي واحتراماتي
المواطن الدكتور محمد ناجي ـ
أستاذ التعليم العالي متقاعد ، بجامعة ابن زهر بأكادير.
[email protected]
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هامش
[1] ـ سنقتصر في هذا المقال، وفيما يليه على إطلاق كلمة “المسودة” ، على ما يعرف حاليا بمسودة مشروع القانون الجنائي 2015 ، اختصارا.




