السيد وزير العدل والحريات المحترم
الرسالة الثانية :
أستطيع أن أقول جازما بأن القانون الجنائي هو المرآة التي تعكس اهتمامات المشرع، وتبرز الجوانب التي يحرص على حمايتها أكثر من غيرها، ويهتم بها أكثر من غيرها .


وأستطيع القول أيضا بأن قانوننا الجنائي هو أكثر حرصا على حماية ثروات الأغنياء من حرصه على حماية الحقوق العامة للناس…
فالسرقة مثلا تناولها في خمسة وثلاثين (35) فصلا في القانون الجنائي الحالي ( من 505 إلى 539) ، تحولت إلى اثنتين وثلاثين مادة (32) في المسودة وأربعة بنود في المادة 591؛؛ بينما لم يخصص لحماية الناس من الباطل، والاعتداء المعنوي عليهم، وما يتعرضون له من عذاب جسدي وإرهاب النفسي يحل بهم، حسب درجة خطورة الشكاية التي قدمت بهم سوى فصل واحد يتيم، هو الفصل 445 من ق.ج. أو من المسودة؛ رغم أن أوجه الباطل والكذب والافتراء على الناس تتخذ ألوانا متعددة وأشكالا شتى، ووسائل وطرقا مختلفة، تختلف درجاتها في الخطورة ما بين اتهام بجريمة قد لا تتجاوز عقوبتها شهرا أو أقل؛ إلى الرمي بالباطل باقتراف جناية قد تصل عقوبتها إلى السجن المؤبد؛ كما سيتضح من هذه الرسالة .
وحتى بالنظر لهذا الفصل المجحف اليتيم، أو المادة التي حلت محله ؛ فإنها تتميز في بنائها بالاضطراب والغموض المصطلحي.
إن واضعي نصوص القوانين يدركون أن هناك عدة قواعد تحكم وضع أي نص قانوني؛ إذا اختلت قاعدة منها اختل النص؛ وقد أشرنا في رسالتنا السابقة إلى قاعدة من تلك القواعد وهي الجزاء أو العقوبة؛ وإن كان الجزاء أوسع وأشمل من العقوبة؛ لأنه قد يكون ثوابا، وقد يكون عقابا ، حسب نوع العمل. غير أن المتعارف عليه هو الحديث عن الجزاء في القانون الجنائي إنما يقصد إلى العقاب ..
أما القاعدة الثانية فهي العلاقة بين القاعدة القانونية والحق ؛ أو ما يعرف بنظرية القانون ونظرية الحق ؛ والتي نقتصر فيها على القول بأن الحق القانوني يفترض أن يُـستعمل استعمالا مشروعا ، دون تعسف؛ وهو ما يمنح لقاضي الحكم في الدعوى العمومية سلطة تحديد الحكم الجزائي عن الفعل المجـرَّم، ويعطي في نفس الوقت الحق للمطالب أن يتقدم بطلباته للتعويض عن الضرر، ويمنح لقاضي الحكم في الدعوى المدنية إعمال سلطته التقديرية في تحديد قدر التعويض المادي المستحق .
أما القاعدة الثالثة، فهي قاعدة اللاترادف . إذ النص القانوني لا يعترف بترادف الكلمات ، فاللص ليس هو السارق، والكذاب ليس هو المفتري، والإنزال ليس هو التنزيل، والظلم ليس هو الجور، والإنصاف ليس هو العدل، والاعتراف ليس هو الإقرار، والمساهم في الجريمة غير المشارك فيها… وهكذا؛ والمشرع في عدم اعترافه بالترادف في اللغة مُـحِـق، لأنه مادامت هناك لفظتان، فهناك معنيان، قد يكون بينهما مشترك ؛ ولكن لابد أن يوجد بينهما فارق. ومن ثم فإن المشرع عندما يريد أن يُـحَـمِّـل كلمةً معنى كلمةٍ أخرى؛ فإنه ينص على ذلك، كما فعل في المادة 505 : «من اختلس عمدا مالا مملوكا للغير يعد سارقا.. » ، وذلك لشعوره بالفرق بين المختلس والسارق، أو بين الاختلاس والسرقة.
وبما أن مناقشة القاعدتين الأوليين تحتاج منا إلى مساحة أكبر، لأننا سنناقشها في ضوء التعديل الجزائي الذي أدخله المشرع على الفصل 445 عندما حوله إلى المادة 445 ؛ مع التمثيل بحالة أو حالات من وقائع المحاكم؛ فإنني سأؤجلهما إلى القسم الثاني من هذه الرسالة، وأكتفي هنا بمناقشة القاعدة الثالثة ؛ قاعدة اللاترادف، والتي لم يحترمها أي من النصين : لا الحالي ولا الوارد في المسودة.
فإذا عدنا إلى المادة 445 من المسودة ، نجد منطوقها يقول :
«يعاقب بالحبس من ثلاثة أشهر إلى سنتين ، وغرامة من 2.000 إلى 20.000 درهم ، من أبلغ بأي وسيلة كانت عن سوء نية ، وشاية كاذبة ضد شخص أو أكثر، السلطاتِ القضائية أو ضباط الشرطة القضائية أو الإدارية أو إلى هيآت مختصة باتخاذ إجراءات بشأنها أو تقديمها إلى السلطة المختصة ، وكذلك من أبلغ الوشاية إلى رؤساء المبلغ ضده ، أو أصحاب العمل الذين يعمل لديهم .
وإذا كانت الوقائع المبلغ بها تستوجب عقوبة تأديبية فإن المتابعة التأديبية عن الوشاية الكاذبة ، تطبيقا لهذا النص، يمكن الشروع فيها، إما عقب المقرر القضائي المكتسب لقوة الشيء المقضي به ببراءة المبلغ ضده ، أو إعفائه ، أو عقب صدور أمر أو قرار بعدم متابعته ، أو عقب حفظ الشكاية بأمر من النيابة العامة ، أو الموظف أو رئيس المبلغ ضده أو مستخدمه المختص بالبت في الشكاية.
على المحكمة التي ترفع لها الدعوى العمومية بمقتضى هذه المادة، أن تأمر بوقف نظر دعوى البلاغ الكاذب ، إذا كانت المتابعة عن الواقعة المبلغ بها لا زالت جارية .»
وهذه المادة في الحقيقة ، تحتاج إلى أن تكون في عدة فصول أو مواد، وليس في مادة واحدة يتيمة أو فصل قانوني واحد: فهي تتعلق بعدد كبير من الجرائم المتباينة؛ اقترافا، وهدفا، ووسيلة، ونتيجة ، وتجمع بين قضايا متفاوتة في أحكامها إلى أقصى درجات التفاوت: ما بين الغرامة ؛ أو أقل مدة الحبس؛ إلى الجرائم التي تستوجب أشد العقوبات..
بالإضافة إلى أنها لا تفصح عما إذا كانت قائمة على قاعدة اللاترادف، أم أنها تخرق تلك القاعدة ؛ بحيث يمكن أن نطرح السؤال : : عن أي شيء تتحدث: هل عن الوشاية أم هن الشكاية أم عن البلاغ ؟
فما هي الشكاية، وما هي الوشاية وما هو البلاغ ؟
وإذا كانت الشكاية هي الوشاية، فما مبرر جمع الشارع بينهما في قانون المسطرة الجنائية ، في المواد الآتية:
21 : « يتلقون (ي ضباط الشرطة القضائية ) الشكايات والوشايات ، ويجرون الأبحاث …»
و40: « يحيل (أي وكيل الملك) ما يتلقاه من محاضر وشكايات ووشايات ، وما يتخذه …» ؛ ومثله المادة 49
ثم إذا جئنا إلى المادة 98 من ق. م. ج. نجدها تقول :
«إذا صدر أمر بعدم المتابعة … فيمكن للمتهم ولكل الأشخاص المشار إليهم في الشكاية، أن يطلبوا من المشتكي تعويضهم عن الضرر أمام المحكمة المدنية، دون الإخلال بحقهم في متابعته بالوشاية الكاذبة …»
حيث يلاحظ على هذه المادة أن المتابعة فيها ليست من جنس الجريمة؛ فالجريمة أصلها شكاية، والمتابعة تكون على الوشاية .
أما إذا كانت الشكاية هي الوشاية، فلماذا يعطف المشرع إحداهما على الأخرى في نصوصه بالواو ، وهو عطف نسق، ومن معاني عطف النسق أنه يفيد الاختلاف، بخلاف عطف البيان.
أما القول باشتراكهما في الحكم ؛ فتلك مسألة إعرابية وليست قانونية، ولا يجوز أن تكون في القانون إلا بنص، كالمشارك في الجريمة الذي يعاقب بالعقوبة المقررة للفاعل الأصلي بنص حددته المادة 130.
الملاحظة الثانية أن هذه المادة تتحدث عن جريمة دون وجود مجرم، فإذا كانت السرقة تقترف من طرف سارق، والقتل من طرف قاتل؛ والشكاية تقدم من طرف مشتك، فمن الذي يقوم بالوشاية ؟
إننا لا نجد في أي من القانونين (المسطرة والقانون الجنائي) كلمة “واش”، وإنما الكلمة المستعملة هي المشتكي، لأنها من جنس الشكاية.. والفاعل المسمى باسم فعله، يكون اسمه من جنس فعله أيضا حتى في الخطاب العادي، كالسباح والملاكم والطباخ والمحامي …
فأين الواشي في هذين القانونين، وما تعريفه ؟
إن النص يتحدث عن وشاية بدون ينص بالحرف على الواشي .
لقد طرح الكاتب ص.م. [هكذا رمز لنفسه في المقال] هذه القضية في مقال نشرته جريدة الصباح بتاريخ 23 فبراير 2011 بشكل لا يكاد يجعلها إشكالية ، رغم أنه صرح بأن « المشرع يميز بين الشكاية والوشاية؛ إذ لا تقوم أي واحدة منهما مقام الأخرى … » وذكر أن « المدلول القانوني للوشاية ليس هو نفسه للشكاية .. »
فإذا كان الأمر كذلك؛ فلماذا لا نفرق في التشريع بين فعل وفعل؛ علما بأن حمولة أحدهما تختلف دلاليا عن حمولة الأخرى؛ كما أشار إليه في قوله : « فجميع التشريعات تستعمل الوشاية كمدلول لتبليغ جهة أو شخص معين بوقائع لا يكون المبلغ طرفا فيها ؛ في حين أن المشتكي إنما هو طرف متضرر شخصيا من الفعل الذي يبلغ به الجهة أو الشخص المعني»
فهما ليسا سواء إذن . فإذا افترضنا أنهما صادقان معا فيما بلغا به؛ فالحكم سيكون للمشتكي بالتعويض عن الضرر ، بينما لا يستفيد الواشي من شيء من ذلك؛؛ وإذا افترضنا أنهما كاذبان معا : فالحكم على المشتكي الكاذب الذي ادعى تعرضه للضرر، والذي قد يدعي في شكايته أنه ضرر كبير أو خطير كما سنرى ، ليس هو نفسه الذي يجب أن ينصب على الواشي الذي لم يدع تعرضه لأي ضرر؛ ولذلك فإننا نجد في النصوص القانونية استعمالين اثنين لهذه الجريمة، بحسب المبلغ عنها : فهناك الوشاية الكاذبة، وهناك الشكاية الكيدية. وفرق كبير بينهما ؛ لأن الإرادة الإجرامية ثابتة في الشكاية الكيدية، بينما هي غير مؤكدة في الوشاية الكاذبة، كأن يرى مواطن أشخاصا غرباء يترددون على منزل في حيه بين الحين والحين، وخاصة بالليل، ويأتون أحيانا محملين بأكياس أو صناديق ، فيرتاب في أمرهم، ويبلغ عنهم؛ ثم يتبين أنهم تجار صغار اشتركوا في كراء ذلك المنزل ليجعلوه مستودعا لبعض سلعهم التي يفترشونها في الأرض أو يبيعونها في الأسواق ؛ فهذه وإن كانت وشاية كاذبة إلا أنها لا تتوفر على الركن المعنوي أو القصد الجنائي للجريمة ، وهو ما يمكن أن نقول بأن المسودة قد تداركته بربط جرميتها بسوء النية.. إلا أنه ربْـطٌ عام، يجعل الشكاية الكيدية هي أيضا تحتاج لإضفاء صفة الجرمية عليها إلى إثبات سوء النية لدى المشتكي؛ وهو أمر يتعارض مع التعمد والعلم بخلاف ما يصرح به.
وأضيف إلى هذا أن الوشاية قد تكون مجهولة المصدر، بينما الشكاية لا تكون إلا من مشتك معلوم ، متضرر، أو مدع للضرر ..
(ييتبع)
المواطن الدكتور محمد ناجي
[email protected]




