عبد اللطيف مجدوب
المشهد العام
بات العالم ؛ من أقصاه إلى أقصاه ؛ منشغلا ، ومشدوها بالصور المروعة التي تتناقلها وسائل الميديا حول مناطق جغرافية عربية مشتعلة ، بين تنظيمات وجماعات ؛ تختلط توجهاتها بين العمليات الإرهابية ، والأنشطة المقاوماتية ، والرغبة الجامحة في الانفراد بالزعامة والسلطة ؛ ولو على شبر من الأرض !.. وفي خلفية كل صورة ، تلوح أمواج بشرية ؛ ( أطفال ونساء وشيوخ ..) نازحة وهاربة من جحيم النيران ؛ يستعر أوارها ويشتد من بلد عربي إلى آخر .. حتى لتكاد المنطقة بأسرها تكون محل اقتتال وتناحر أهاليها !
الحاكم العربي وحراسة الثروات !
الحاكم العربي ؛ وفي أحدث إحصائيات صندوق النقد الدولي ؛ يرقد على جبل من الكنوز ، والثروات تقدر ب 3,5 تريليون دولار ؛ يمثل 17% من الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة الأمريكية ، ونحو 56% من ناتج اليابان .
23 مليون برميل نفط يوميا ، ما يمثل 30% من الإنتاج العالمي ، تدر عليها 675 مليار د ؛ 1,4 تريليون دولار سنويا كصادرات سلعية ؛ 2035 مليار د كديون خارجية ؛ 150,6 مليار د قيمة الإنفاق العسكري في الدول العربية عام 2014 . بيد أن السؤال وجوابه الحارق هو ماذا يصل إلى الفرد العربي من هذه الجبال المتراكمة من الخيرات والثروات ؟ فقد نجده فقط يتأرجح بين 1200 و 4000 د سنويا ، مع أنه يجب أن يكون في المتوسط 16,000 دولار سنويا ؛
علما بأن هذه التقديرات تهم فقط الأفراد النشيطين المزاولين لعمل ما ، دون الفئة العريضة التي تعيش تحت عتبة الفقر … بينما نسبة 30% من هذه الثروات تؤول إلى عائلات حاكمة وذات نفوذ ؛ مالكة لحسابات خيالية ، امتلأت بها أشهر الأبناك في العالم .. وما تبقى من هذه النسب بالكاد يبتلعه الإنفاق العسكري .
6 دقائق أصل كل بلاء !
إنه لمن الطبيعي ؛ في عالم الاقتصاد السياسي Political Economy ؛ أن اتساع هوة الفوارق الاجتماعية ، وشيوع الفساد السياسي والإداري ، وارتفاع معدلات الفقر في مجتمع ما ، غالبا ما يقترن بضحالة مستوى التعليم ، وتنامي نسبة الأمية والعطالة ؛ وهو ما تؤكده عديد من التقارير الدولية الموازية لنوعية الحكامة ، ومدى جودة التعليم .
وهكذا نجد ؛ في السياق ذاته ؛ أن المواطن العربي لا يقرأ سوى بمعدل 6 دقائق في السنة مقابل 12,000 دقيقة/سنويا للمواطن في البلدان الغربية ؛ دون الحاجة بنا إلى المقارنة بين نوعية القراءة لدى الطرفين . وهذه معضلة ؛ ربما باتت السمة الرئيسة ، ضمن جملة الخصوصيات التي تطارد الإنسان العربي ؛ أينما حل وارتحل . وقد نهتز لهول الواقع إذا علمنا أن نسبة 27% من إجمالي السكان العرب ( أي 100 مليون أمي ) لا تقرأ ولا تكتب ـ وفقا لإحصائيات المنظمة العربية لتربية والثقافة والعلوم ؛ ألسكو Alesco ـ وهو ما يمثل ؛ بالمقاييس الدولية الحالية ؛ فيروسا كأي مرض عضال ؛ تجب مقاومته بكل الوسائل ؛ حتى لا يتسرب إلى مجتمع القرن الواحد والعشرين 21 ، فكيف ببعض الدول العربية التي تزدان مقاعدها البرلمانية بهذا النوع من البشر ؛ يشرعون أحيانا لمعطلين حاملي شواهد جامعية !
التطاحن على السلطة شيمة عربية قديمة
اشتهر العرب ؛ في عهد الجاهلية قبل مجيء الإسلام ؛ بنزوعهم إلى شن الحروب والغارات بين قبائلهم ، وعشائرهم تمتد لسنوات ؛ يستحكم العداء فيما بينهم ، كما أن جغرافية شبه الجزيرة العربية وما عرفته من شح في الموارد ، ولد لدى معظمهم امتهان اللصوصية والسلب وقطع الطريق في وجه القوافل وعابري الطرق ، وقد لازمتهم هذه الخلة أثناء وبعد أن أدركهم الإسلام ، فجُبلوا على سفك دماء كل من عاداهم ، ونازعهم في أمر دينهم ودنياهم . ولا شك أن بداية الإسلام ؛ وعقب وفاة الرسول (صلعم) ، وما واكبته من أحداث دموية ؛ يقف شاهدا على أصالة هذه الروح العدوانية ، والشبقية الدموية التي يصدر عنها في كل مواقفه ، وآرائه كما حبلت به العديد من معلقاتهم ودواوين أشعارهم . والتاريخ المدون يحتفظ لنا بوقائع فظيعة من سفك الدماء ، وسبي ، ومصادرة ، وعداء ؛ ما زالت صورها ماثلة إلى اليوم . كما أن التاريخ الحديث لجل الدول العربية أو بالأحرى الأسر العربية الحاكمة حبل بأحداث ووقائع تطاحن ، واقتتال ، ونزاعات قبلية وعشائرية ، ولو في رقع جغرافية ضيقة ؛ لم تكن نيرانها لتخمد إلا بإيعاز من هذه الأسر !
العنصر العربي بأعين مؤرخين وقادة
والأكيد أن إبن خلدون عايش ودرس عديدا من الأجناس العربية ، وسبر أغوارها . وقد أشر على جملة من هذه الخلال العربية ؛ يمكن إيرادها في عناوين صدر بها مقدمته الشهيرة :
” العرب إذا تغلبوا على أوطان ، أسرع إليها الخراب ” ؛ ” قل أن يسلم أحد منهم الأمر لغيره ، ولو كان أباه أو أخاه أو كبير عشيرته لا في الأقل وعلى كره ” ؛ ” فصل في أن العرب أبعد الأمم على سياسة الملك ” ؛ ” إن العرب لا يتعلمون إلا البسائط ” ؛ ” … العرب لا يحصل لهم الملك إلا بصبغة دينية من نبوة أو ولاية أو أثر عظيم من الدين على الجملة ، بسبب خلق التوحش الذي فيهم ، وهم أصعب الأمم انقيادا بعضهم لبعض ، للغلظة والأنفة وبعد الهمة ، والمنافسة في الرياسة ، فقلما تجتمع أهواؤهم ” ؛ ” إن العرب أمة همجية ، لم يهذبها الإسلام .. فإذا ابتعدوا عن دينهم رجعوا إلى همجيتهم ” ؛ ” إن حملة العلم في الإسلام أكثرهم من العجم ” . والعنصر العربي عموما ؛ وفي أعين العالم المعاصر ؛ وكما تروج له الميديا الغربية شخص إرهابي . أما الشاعر نزار قباني فقد كتب ” نحن أمة عديمة المشاعر وبأرواح فارغة ، نصرف أوقاتنا في لعب النرد والشطرنج أو النوم ؛ ونقول كنا خير أمة أخرجت للناس ” ؛ أما المتنبي فله شطر بيت مشهور ” ياأمة ضحت من جهلها الأمم ”
أما أدولف هتلر فقد ثبت عنه قوله في العرب ” إنهم أدنى الأعراق البشرية ” .
العرب في الدول الغربية
عرفت أوروبا والغرب عموما ؛ منذ بداية القرن التاسع عشر؛ بعثات شرقية عربية بغرض متابعة الدراسة في عديد من ألوان المعرفة ؛ كالتاريخ ، والآداب ، والفنون … سرعان ما تطورت ؛ مع الطفرة الاقتصادية الغربية ؛ إلى موجات هجرة اليد العاملة شرق أوسطية ، وشمال افريقية ؛ بلغت ذروتها عند أواخر القرن العشرين ، حتى أصبحت أوروبا ؛ خاصة ؛ تأوي 12% أي 45 مليون عربي مسلم ، أقاموا في مناطق ؛ تكاد تنفرد بهم ، ومنحتهم السلطات ؛ في هذه الدول ؛ رزمة حقوق ، لم يكونو ليحلموا بها في بلدانهم الأصلية .. كما عرضت حوافز اقتصادية هامة ؛ في محاولة إدماجهم الحضاري والاجتماعي في النسيج الغربي ؛ إلا أن هذه الجهود والمساعي لم تثمر في اتجاه الأهداف المسطرة من قبل حكومات هذه الدول . بل شهدت الأبحاث والدراسات ؛ بهذا الخصوص ؛ أن معظم العرب المسلمين القاطنين بأوروبا متمسك بعاداته وتقاليده وموروثه الثقافي ، مما خلق حواجز ثقافية عميقة الأثر في نفس الإنسان العربي ؛ لم يستطع تجاوزها أو محاولة مسايرتها . وهكذا أدى هذا الاصطدام الثقافي إلى نشوء إحساس بالاغتراب لدى هذا الأخير تحول لديه ؛ مع توالي زمان الإقامة ؛ إلى كراهية متبادلة بين العنصرين العربي والغربي ، كان من أبرز تمظهراتها سلسلة حوادث إجرامية ، ووقائع في شكل عمليات نهب ولصوصية ، أو اعتداءات جنحية ، أو أعمال إرهابية ، أو نزاعات عدائية بين العرب أنفسهم .
تاجر الأسلحة وسلطاته شبه مطلقة !
كتبت صحيفة نيويورك تايمز New York Times ؛ بأحد أعدادها ؛ في أبريل المنصرم ” أن مبيعات الأسلحة الأمريكية تشكل شرايين حروب الدول العربية ” ، وفي آخر تقرير للبنطاغون حول مبيعات الأسلحة إلى الدول العربية أن هذه الأخيرة بلغت أرقاما خيالية غير مسبوقة ؛ كانت دافعا للعديد من الحكومات الغربية ، بما فيها روسيا ، إلى مضاعفة مداخيلها من تجارة الأسلحة بمليارات الدولارات إلى الدول العربية . ولا شك أن شركات عملاقة ؛ عابرة للقارات ومتعددة الجنسيات ؛ منتجة لشتى أنواع الأسلحة الفتاكة ، وجدت لها قدما راسخة ؛ في شكل لوبي ؛ داخل هذه الحكومات ؛ من أولويات سياسته الاستراتيجية ؛ تجاه العالم ؛ خلق خلايا عمل ضاغطة بهدف يرمي إلى تأجيج الصراعات الإقليمية والدولية ، وتوسيع رقعة النزاعات السياسية ؛ وزرع بذور الشكوك ، لهدم كل جسور التحاور والثقة ، والتوافق بين الفرقاء ، والجماعات المتناحرة ـ حتى إن العديد من الدول العربية بها أحزاب تعد بنجوم السماء ؛ لانعدام الثقة ، ووقوف حواجز سميكة حائلا بينها وبين فئات وطبقات الشعب المتعددة ـ وبذلك تحولت الموارد الاقتصادية والبترودولار منها خاصة بمئات المليارات من الدولارات إلى أيدي باعة الأسلحة ؛ لاسيما في بلدان الشرق الأوسط ، ومناطق شمال إفريقيا .
داعش أداة لاستنزاف الطاقات والموارد
أصبحت داعش ؛ لدى الرأي العام الدولي ؛ أداة لإذكاء النزاعات المسلحة ، يقف خلفها تجار الأسلحة ؛ الذين جعلوا أحد مراميها بث خلايا إرهابية في طول جغرافية الوطن العربي والآسيوي لاستنزاف الطاقات والموارد ، وتشتيت الجنس العربي الإسلامي ، كمقدمة للإجهاز عليه ، واضطهاده وتصفيته على شاكلة المحرقة الشهيرة الهولوكست Holocost !
كما أن لتاجر الأسلحة مشاريع طموحة ؛ في مناطق آسيوية ؛ قبالة الخليج العربي ، وتحديدا بين إيران ودول الخليج . وقد تكون تشكيلة ” الأسد المتأهب ؛Eager lion 2015 ” المكونة من 18 دولة عربية وأجنبية ؛ والجارية تداريبها بالأردن ؛ كرؤوس صواريخ موجهة لإيران ، يتحين تاجر الأسلحة نضج الزمن السياسي لتفعيل أزرارها .. !




