بادو ، بلخياط ، ومنيب (ح. 2) بادو : لا للإهانة والمذلة

د. محمد ناجي

ذكرنا في الحلقة السابقة [1] أن هذا الثلاثي الذي جمعته الصدفة ليتنافس ـ مع آخرين ـ على تسيير واحدة من أهم وأغنى المقاطعات في المغرب؛ وهي مقاطعة سيدي بليوط بالدار البيضاء ، يمثلون صورة واقعية لشريحة من المواطنين المغاربة ممن سبق لهم أن تقلدوا مسؤوليات حكومية أو جماعية، أو ممن يتطلعون إليها بشعار يروم التغيير والتصحيح …
وقد تطرقنا في تلك الحلقة إلى نبذة موجزة جدا من سيرة كل منهم، وفي هذه الحلقة والتي بعدها سنقتطف لقطات مما تداولته وسائل الإعلام أثناء هذه الحملة الانتخابية؛ لقطات مركزة مكثفة، ذات دلالات معبرة، وناقلة لصورة واضحة عن صاحبها، بحيث تكون كل لقطة بمثابة جُماع لسلوك ذلك الشخص وأخلاقه ومعاملاته ورؤيته للناس، وكيف ينظر إلى تدبير الشأن العام ، أو إلى من يدبر الشأن العام ..
ونبدأ بلقطة ياسمينة بادو ، وقد بدأنا بها باعتبار الترتيب المعجمي لأسمائهم العائلية.
ياسمينة بادو: لا لإهانة المواطنين
الشريط الذي أخذنا منه هذه اللقطة شريط قصير جدا، لا يتجاوز نصف دقيقة [2]، ولكنها نصف دقيقة تحكي معاناة المواطن المغربي؛ حتى ولو كان موظفا أو مسؤولا كبيرا، معاناته مع تلك الطبقة المتعجرفة المهيمنة على مقدرات البلاد ودواليبها طوال ستين سنة مضت على استقلال المغرب…
أجل؛ نصف دقيقة استطاعت أن تكثف معاناة المغاربة مع كائنات تحسب نفسها أسيادا وغيرها عبيدا. معاناة تقوم على تحمل المواطن لكل أنواع الإهانات، والاحتقار، والتهديد، والسب والشتم .. ولا يستطيع أن يحرك ساكنا أو ينبس ببنت شفة، حتى ولو كان رئيسا لغرفة ، موكولا إليه تدبير شؤون عشرات الآلاف من الصناع التابعين لقطاعه..
إن إهانة صاحب نفوذ أو سلطان لأي مواطن كيفما كانت مرتبته الاجتماعية أو مستواه الثقافي لأمْـرٌ مرفوض؛ مهما كانت الأسباب والدواعي.. فما بالك إذا كان ذلك الشخص الذي يتعرض للإهانة مسؤولا كبيرا عن الشأن العام ، يسهر على تدبير قطاع مهم في المنطقة أو في الجهة؛ ثم ترى مغترا بسلطانه أو نفوذه أو ممن لا زالوا يعتبرون أن المغرب ضيعة في ملكيتهم، وأن المغاربة عمال مياومون عندهم ، فهذا ما يحز في النفس ويدمي القلب.
لقد كنا نظن أن زمان النشيد الاحتكاري المستفز :
المغرب لنا لا لغيرنا
قد ولَّـى
ولكن الواقع يؤكد أننا واهمون، وأن هناك من لا يزالون يمارسونه أو يحنون إليه؛ وأن تلك الطغمة التي استحلت لنفسها أن تجعل المغرب ريعا خالصا لها وحدها دون غيرها على مدى عقود من الزمان؛ لا تريد أن تقتنع بأن مغرب اليوم هو مغرب كل المغاربة، سواء في المعتقد الشعبي العام الذي أصبح يعرف حقوقه ويطالب بها بلا هوادة، أو لدى أعلى سلطة في البلاد، حيث تتجلى هذه القناعة من خلال تلك الخطب الملكية الأخيرة التي تؤكد كلها على أن المغرب للمغاربة أجمعين ، وأنهم كلهم سواسية، بنفس الحقوق، ونفس الواجبات والمسؤوليات..
لقد آن الأوان لأن يسترد المغاربة مغربهم من احتكار تلك الطغمة المتعجرفة المتسلطة التي خلفها الاستعمار لتظل متحكمة في رقاب المواطنين ومقدراتهم ومصائرهم، تستنزف خيراته، وتستولي على ثرواته، وتعبث بآماله وتطلعاته إلى المستقبل المشرق والعدالة والمساواة وتوزيع الثروات توزيعا عادلا ومنتجا ..
إن إهانة مسؤول مكلف بتدبير شأن عام من طرف شخص آخر يعتبر نفسه خيرا منه، أو صاحب الفضل عليه، أمر لم يعد ممكنا تقبله؛ مهما كان نفوذ ذلك الشخص المتعجرف ، ومهما علت مكانته الاجتماعية ، ومهما ظل سادرا في وهمه معتبرا نفسه سيدا أمام قطيع من العبيد..
يسمينة بادو وذلك المسؤول الذي أهانته واحتقرته هما معا ؛ بحسب الدستور؛ يعملان تحت حماية القانون، وطبقا لمقتضيات تحددها المساطر والقوانين التنظيمية، ولا فضل لأحد منهما على الآخر. وإذا كانت يسمينة بادو هي التي عينته، أو جعلته رئيسا لغرفة الصناعة التقليدية، فمن حق المغاربة أن يرفضوا هذا التعيين، ويطالبوا بتصحيحه ..
إن الشريط الذي رأيناه لهو شريط مؤلم بكل معنى الكلمة..
شريط يبكي له كلُّ ذي نفس كريمة أبية، ويندى له جبينُ كل مغربي حر كريم؛ سواء كان مسؤولا أو مواطنا عاديا.. لأنه يفصح عن أمور مسيئة إلى سمعة المغرب أكثر مما أساءت إلى سمعة ذلك الرئيس المحتقر.. الذي عومل كالصبي المتهاون بين يدي فقيهه في الكُـتاب.
الشريط يظهر ياسمينة بادو وهي تؤنب مسؤولا كبيرا تأنيبا مُـهِيـنا، فيه من الاحتقار والصغار ما لو كان ذلك المسؤول قد وصل إلى مسؤوليته بكل شفافية ونزاهة، وعن جدارة واستحقاق، وبأصوات ناخبيه الحقيقيين، وكان مدركا أنه يمثل مواطنين، هم وحدهم من لهم الفضل عليه بأصواتهم التي منحوه إياها ليكون رئيسا لغرفتهم، وكان مقتنعا بمساندة أولئك الصناع التقليديين الذين وضعوا ثقتهم فيه بإرادتهم واختيارهم المطلق، وكان مدركا أنهم لن يتخلفوا عن مساندته ومآزرته لأنه جاء بإرادتهم واختيارهم ؛؛ لما قبل أبدا بتلك الإهانة وذلك التطاول عليه؛
لو كان هذا المسؤول مقتنعا بأن لا فضل لأحد عليه غير المواطنين الذين أعطوه أصواتهم، لما هانت عليه نفسه وكرامته إلى تلك الدرجة من الخنوع والهوان (وقلة النفس) … فلا يحرك ساكنا ، ولا يحتج مزبدا مرعدا.
وقد يجد البعض له عذرا، أو هو نفسه يبرر خنوعه، بأنه ذو عيال وأنه يتحمل تلك الإهانات حفاظا على ضمان كسرة الخبز لأبنائه.. أو لتمتيع أبنائه بعيش مُـرفَّـهٍ رغيد .
فأقول له: لأن تنشئ أبناءك على الكرامة والكبرياء ورفضِ الإهانات، خير لهم من أن تطعمهم خبزا ملوثا بإهانة شخصيتك أمام الملإ، وتحطيم كرامتك وتمريغ كبريائك في التراب،
لأن تنشئ أبناءك على القناعة وعزة النفس والإباء، خير لهم من أن تطعمهم خبزا ممزوجا بعرق جبينك المتقاطر على وجنتيك وأنت ترتعد وتتلقى الصفعات من سيدة تعتبرك أدنى من أن (يعجبك رأسك)، وأهون من أن تصبح رئيسا معتدا بشخصيته، دون أن تقوى على أن تحرك ساكنا أمامها، والأتباع من حولها ينظرون إليك بعيون ملؤها الصغار والاحتقار..
تبا له من خبز هذا الذي تطعم به أبناءك على حساب كرامتك.
أبناؤك يا سيدي (وإن كنت لا تستحق هذا الخطاب) لن يرضوا أبدا لأبيهم بأن يهان ليأتيهم بكسرة خبز، أو حتى ليجعلهم ينعمون ببحبوحة الحياة ورغد العيش. فأبناؤك لو جئتهم رافعا رأسك معتزا بكرامتك، رافضا للإهانة والذل، سيكونون بجانبك، وسيفتخرون بك، ولن يطالبوك بما ليس فوق طاقتك،
ولو دخلت على زوجتك وحكيت لها ما وقع ـ وأنك رفضت الذل والإهانة؛ وتركت الجمل بما حمل، حفاظا على كرامتك وشرفك وعزة نفسك، فلن تزداد بك إلا افتخارا ولك تقديرا..
النساء الحرات عندنا ـ وليست ياسمينة بادو واحدة منهن ـ لا يرضَـيـن بالإهانة، لا يرضَيْنها لأنفسهن ولا لرجالهن ولا لغير رجالهن..
عزة المرأة المغربية عندنا وكرامتها متعلقة بعزة زوجها وكرامته.. وأي إهانة لأحدهما فهي إهانة لهما معا.
ولذلك فإن كانت زوجتك مغربية حرة ، فإنها لن ترضى لك المهانة أبدا، وستعتز بك إذا أبيتها على نفسك، وستزداد لك احتراما وتقديرا، وسترضى منك بأقل القليل مما تقدر عليه، أو تشمر هي لمساعدتك على النهوض بأعباء البيت إذا قـصُـرت ذات يدك .
أما إذا لم تقبل منك زوجتك موقفك الرافض للإهانة، وحِرصَك على عزة نفسك وكرامتها ، وطالبتك بالتحمل وطأطأة الرأس وتقبيل الحذاء حفاظا على ما يدره ذلك المنصب من نعيم وعيش رغيد، أو حتى ضمانا لكسرة خبز حفاظا على رمق الحياة؛ فتلك امرأة لا تستحق أن تتحمل من أجلها أي إهانة أو مذلة.. لأنها أحرص على ما تأتيها به من مال أو طعام، من حرصها على صيانة كرامتك وعزة نفسك..
ما زلت أذكر عندما كنت في الإعدادي (كما يسمى حاليا)، حيث كنت أشتغل أثناء عطلة الصيف لتوفير بعض لوازم الدخول المدرسي..
اشتغلت مرة عند حـرَّار ، وكان بجانبنا حائك (يخيط الملابس التقليدية) . والحائك دائما يكون معه مساعد [يسمى “المتعلم” يـرد عليه البرشمان، وهو مجموعة من الخيوط تتشابك في أصابع يديه وهو واقف على بعد عدة أمتار من الحائك، ينقلها بالتبادل من أصابع هذه اليد إلى أصابع اليد الأخرى]، وكان ذلك الحائك كلما أخطأ مساعده؛ وهو رجل في عقده الثالث ، يجره إليه من تلك الخيوط، ثم يجذبه حتى ينحني كالراكع، ويشده من أذنه شدة قوية قاسية، مع شيء من التقريع والسب ..
في صبيحة يوم أراد الحائك أن يجذب إليه مساعده ليعاقبه كما اعتاد على ذلك، فأبي المساعد أن ينجذب إليه، فاغتاظ الحائك وجر إليه الخيوط بكل عنف وهو يهدده ويشتمه بعبارات مهينة نابية، فتقدم ذلك المساعد وانحنى كعادته كأنه يسلم له أذنه ليشده منها، ولكن ما كاد المعلم يمد يده إلى أذن المساعد، حتى رفع هذا الأخير يمناه وهوى على المعلم بلطمة سُـمع دويها من بعيد، سقط المعلم من جرائها على جنبه، ثم بصق عليه المساعد وعالجه بركلة أخرى وانصرف غاضبا وهو يردد بصوت مرتفع : «إذا كان الرزق على يديك، فخير لي أن أموت جوعا»
[إيْـلى كان الرزق على يْــدِّيك ، نموت بالجوع خِـيـرْ لِـيَا]
نعم أن يموت جوعا خير ألف مرة من أن يعيش مهانا حقيرا..
بقيت نقطة أهم من كل ما سبق، وهي قولها :
« لا متصورش هادشي . ما تصوروش هادشي »
لو لم تكن ياسمينة بادو مدركة لسوء عملها، وخرقها لكل القوانين، وتحطيمها لكل الأخلاق الحميدة والتعامل الحضاري؛ لما طلبت من المصورين ألا يصوروا تلك اللقطة الدالة على تسلطها، والحاطة من كرامة رجل؛ مهما كان لها عليه من فضل، ومهما كانت هي التي مكنته من ذلك المنصب؛ فما كان لها أن تسفهه وتهينه أمام الملإ، وتعتبره أدنى من أن يكون رئيسا معتدا بنفسه، وتعامله كالقاصر المُـحَـجَّـر عليه، ليس له أن يتصرف إلا بموافقتها أو تنفيذا لأوامرها..
ولذلك فإن كنت يا رئيس غرفة الصناعة التقليدية بالدار البيضاء تعمل في غرفة تابعة لمصالح الجماعة والدولة، فلا حق لأحد في إهانتك والحط من كرامتك، ومن حق الناخبين الذين صوتوا عليك أن يحاسبوك على تقبل تلك الإهانة التي هي إهانة لهم .
أما إذا كنت تشعر أنك مجرد خادم عند ياسمينة بادو تعمل في غرفة هي مالكتها أو صاحبتها ؛ فأوْلى بك أن تكون في مستوى ذلك الفقير ، مساعد الخياط، وأن ترمي لها مفاتيح تلك الغرفة على “كمارتها” ، وتنصرف مرددا :
[ إيْـلى كان الرزق على يْــدِّيك ، نموت بالجوع خِـيـرْ لِـيَا ] .
[email protected]
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الهوامش:
1) رابطه :
http://www.cawalisse.com/archive_old/85105/08/11/51/44
2) عنوان الشريط :
بالفيديو : شاهد عجرفة “الاستقلالية” ياسمينة بادو .. صافي طلعتي رئيس وعجبك راسك
http://www.almaghreb24.com/%D8%A8%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%8A%D8%AF%D9%8A%D9%88-%D8%B4%D8%A7%D9%87%D8%AF-%D8%B9%D8%AC%D8%B1%D9%81%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D9%82%D9%84%D8%A7%D9%84%D9%8A%D8%A9-%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%85/
وانظر التعاليق..


شارك بتعليقك

شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية
   

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني