مفهوم الأمية الحديث .. وعلاقته بالسلوك الهمجي

عبد اللطيف مجدوب

مقدمة إشكالية

الوقائع والأحداث التي يشهدها العالم العربي ؛ من وجهة سوسيولوجيا الثقافة Sociology of culture ؛ تعني ؛ بالدرجة الأولى ؛ ضعفا عاما في الوعي الثقافي العام ، أو الثقافة الضيقة المرتكزة على الذات .. وإقصاء الآخر ، مما يفضي بهؤلاء الأفراد والجماعات ، أو بالأحرى التنظيمات الإسلامية المتناحرة إلى إضفاء الشرعية على كل مواقفها ، وأحكامها المتطرفة ؛ بمستويات يطبعها العنف والعنف المضاد وحب الانتقام .. والتعطش إلى الدماء .. !
فهل كل أمية ، تفضي بصاحبها إلى العنف ؟ .. وما دلالة السلوك الهمجي ؟ وكيف ؛ سبق للعالم ؛ أن رأى صورا مروعة عنها ؟ .. وهل مفهوم الأمية حديثا بات يتجاوز المفهوم التقليدي ؟ . وكيف لنا أن نتعرف على مواصفات الإنسان الأمي الهمجي ؟ ..وأخيرا لا بأس من استقراء الواقع المغربي إن كان يحمل عينات من هذا القبيل ؟

مفاهيم ودلالات

المفهوم التقليدي للأمية ؛ كما حددته منظمة اليونيسكو UNESCO ؛ ينحصر في الجهل بالقراءة والكتابة ومبادئ العد . لكن هذا المفهوم الكلاسيكي ؛ في ظل الطفرة الرقمية التي يشهده مستهل القرن 21 الواحد والعشرين ؛ تم تجاوزه إلى مدلول يشمل القدرة على :
ـ تطوير الكفايات مع أدوات التكنولوجيا ؛
ـ بناء الصلات والعلاقات مع الآخرين ؛
ـ تصميم وتبادل المعلومات بالانفتاح على الثقافات الأخرى ؛
ـ إنشاء ونقد وتحليل النصوص عبر الوسائط المتعددة Multi-Media ؛
على أن هناك مفهوما للأمية مرادفا لانعدام التربية تشي بها عديد من السلوكات الأشد ازدراء ؛ تطبع شخصيات الأفراد في المجتمعات العربية وتعبر بوضوح عن نقص في التربية لدى هؤلاء ” غير مربي uneducated ” ، أو انعدامها بالمرة ، أو تلقيهم لنماذج من التربية ؛ تعتمد التدليل والدلع pet/spoiling .

دلالة السلوك الهمجي Barbaric behavior

السلوك الهمجي من شخص أمي ؛ نمط حياة لاإنسانية ، في تعامله مع الوسط العام ، أو الآخر … والبربري صفة للشخص الذي يتصرف بأسلوب غير متحضر ، ولا يهتم بمشاعر الآخرين ، ولا بالضوابط الأخلاقية والإنسانية التي تربط الفرد بالمجتمع .

مفهوم الأمية كما أفرزه الربيع العربي

في ظل أحداث الربيع العربي ، وما نجم عنه من تداعيات تراجيدية ، برز إلى الوجود مفهوم جديد للأمية ؛ كشف عنها انتشار الجماعات والتنظيمات الإسلامية المتطرفة .. والمرجعيات التي تصدر عنها في مواقفها ، وتنفيذ أحكامها . من أبرز تجلياته ذبح الرقاب ، وفصلها عن أجسادها ، ودك المآثر التاريخية !…الخ . هذه أمية ليست بأبجدية ولا عسكرية .. إنها أمية ذات إطار ضيق متقوقع على الذات .. ترتكز على الأنا ، وإقصاء كل ما عداها . وهي شبيهة ؛ في سلوكياتها ؛ بالحيوان الغاشم الذي يعيش بغرائزه أو بالأحرى الإنسان الذي يعيش بنزواته .. الإنسان الهمجي الذي يصعب عليه الاندماج في السياقات المجتمعاتية ، والثقافية والأخلاقية الأخرى .
هذه أمية جد خطيرة ؛ تشكل وبالا على حرية الفرد والمجتمع ، ومبادئ الحضارة البشرية ، ولعل من أوضح سماتها ، خلوها من عامل الثقة تجاه الآخر ، وهذا يفسر ؛ إلى حد ما ؛ تعذر إجراء الحوار والتوافق مع الآخر ، على شاكلة هذه التنظيمات المتناحرة دوما فيما بينها .

المغاربة .. وأزمة التربية Uneducating

بالأمس القريب كانت هناك مؤسسات اجتماعية ، وأسرية ، ودينية ، وإعلامية … كلها تساهم ؛ كل من موقعه ؛ في تنشئة الفرد ، وتربيته وتزويده برصيد من المهارات والقيم والضوابط الأخلاقية والاجتماعية .. لكن أدوار هذه المؤسسات سرعان ما اختفت ، بما فيها المدرسة ، والأسرة التي انحصر دورها بالكاد في إيواء وتغذية أبنائها ؛ فيشب هؤلاء الأطفال وفق أنماط سلوكية أنوية Egocentrism ، ترتكز على إشباع الأنا ، وعدم اعتبار الآخر ؛ مما يكون له أبعد الأثر على شخصياتهم الفضة داخل المجتمع .

مواصفات السلوك الهمجي

سنسوق بعض النماذج ؛ من واقعنا العربي عموما والمغربي خصوصا ؛ لتبيان شخصية الإنسان الأمي الهمجي في سلوكاته :
* الحوار بين ” أمي وآخر ” أو بين فريق أمي وآخر ؛ ينتهي إلى طريق مسدود ، أشبه بحوار الصم ؛
* لاحظ حدة اللغة ، والردود فيما يخص موائد إعلامية ؛ تستظيف شخصين ، متناقضين في المواقف … أحيانا ينتهي بالسباب ، وإنهاء البرنامج ؛
* لاحظ ؛ خلال أداء مناسك الحج أو العمرة ؛ بين سلوكي الحاج العربي عموما والحاج الآسيوي أو الأمريكي ، سنقف أمام الفضاضة ، والإيثار ؛
لاحظ استعمال الهاتف المتنقل من لدن شخص أمي ؛ في المرافق العمومية ؛ صوت ينعق بشتى المواضيع السخيفة ؛
* لاحظ الأمي أحيانا يعود إلى منزله في ساعة متأخرة من الليل .. فيستعمل منبه السيارة ، وينادي في جوف الليل : ” هبطو طلعو السخرا ” ، وهو يحمل فقط ” ربطة النعناع ” ؛
* لاحظ الأمي ؛ داخل ملعب كرة القدم ؛ إذا سجل هدفا أطلق ساقيه للريح .. ويتهرب من كل لاعب يريد مشاركته الفرحة .. يعدو كما لو كان اللاعب الوحيد في الفريق .. هذا عدا العدوانية التي يستشعرها تجاه الخصم داخل الميدان ؛
* لاحظ الأمي ذا السلوك الهمجي ، يقذف بالنفايات من نافذة المنزل ؛
* لاحظ المدخن ، كم يحلو له ؛ في المقهى خاصة ؛ أن يولع سيجارته ، ويشرع في نفث أنفاسه في وجوه الآخرين ؛ كمن ينتشي ؛
* لاحظ الأمي ؛ في الأماكن العمومية ؛ يتكلم بملء فيه ، ويقهقه .. ليحول أنظار الناس إليه أشبه بالمعتوه ؛
* لاحظ الأمي ؛ وهو يستعمل دورة المياه ( المرحاض ) ؛ يأتي بالدلو ( السطل ) ليتخذ ماءه نظافة واستنجاء في آن واحد ؛
* لاحظ كيف يتناول طعامه بعجلة ، وازدراد ؛ وكأن ليس له أسنان يمضغ بها ؛
* لاحظ حديث الأمي ؛ في الأماكن العمومية ؛ فقط يتحدث عن نفسه بجوار الأصدقاء كبطل في جميع المواقف ، ويتخذ من ولوج الزنازن رمزا ” للرجولة ” يتباهى بكم من السنين التي أمضاها في هذه أو تلك ؛
* لاحظ الأمي ؛ يلج مصلحة إدارية ، أو مرفقا عموميا في استقضاء غرض ما ، إنه لا يطيق الانتظار .. يتأفف .. وأحيانا يبحث عن مكان للتسلل بين المنتظرين ؛
* لاحظ سياقة الأمي ، وكأنه يختزل قانون السير كله في شيء واحد : ” الأسبقية للأكثر سرعة ” ؛
هذا وبالرغم من احتكاك بعض الجاليات العربية والمغربية بالثقافة الغربية ، فإنها تظل متعصبة لثقافتها ولا يحملها على احترام الأولى سوى عامل الخوف من القانون ، ويتبدى هذا واضحا في السلوكات الرعناء التي يصدر عنها معظم الأفراد العائدين من ديار المهجر ، فيما يخص السياقة ، والتبضع ، والاعتقاد في أضرحة ” الأولياء الصالحين ” ، والمزارات من قبيل بويا عمر .


شارك بتعليقك

شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية
   

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني