كواليس اليوم: محمد البودالي
عادت الشبهات التي تكتنف جريمة اغتيال تسعة رهبان فرنسيين، في ما يعرف بقضية “تيبحيرين”، إلى دائرة الضوء، على هامش الزيارة التي قامت بها كريستيان توبيرا، وزيرة العدل الفرنسية، إلى الجزائر، يوم أمس الاثنين.
ففي الوقت الذي حاول فيه المسؤولون الجزائريون، ومن ضمنهم وزير العدل، صرف أنظار حارسة أختام الجمهورية الثامنة عن هذه القضية الغامضة، بأشياء وأمور تافهة، أصرت الوزيرة توبيرا على إعادة طرح هذا الملف على المسؤولين الجزائريين، ووضعهم أمام الأمر الواقع بضرورة الكشف عن لغز القضية، والسؤال عن سبب تساهلهم في كشف الحقيقة، ما جعل الجزائر في ورطة حقيقية..
وزيرة العدل الفرنسية شددت، في لقائها مع نظيرها الجزائري، على أن فرنسا لن تنسى أبدا قضية اغتيال الرهبان التسعة، في ظروف يشوبها الكثير من اللبس والغموض، خصوصا في ظل الاتهامات الموجهة إلى أطراف في الجيش الجزائري، محسوبة على النظام، بالتورط في القضية، وما يعزز هذا الطرح، بتهرب المسؤولين الجزائريين من المسؤولية، ورفضهم الكشف عن حقيقة الملف، بدعوى عدم توصل التحقيقات إلى أي شيء يفيد التحقيق.
فقد أكدت وزيرة العدل الفرنسي كريستيان توبيرا، أمس الاثنين بالعاصمة الجزائر، على ضرورة الاطلاع المستعجل لعائلات رهبان تبحرين على كل الحقيقة حول وفاة أقاربهم الذين اختطفوا وأعدموا في عام 1996 في الجزائر..
وقالت توبيرا، خلال ندوة صحفية عقدتها أمس مع نظيرها الجزائري الطيب لوح، “بالنسبة لعائلات الضحايا، لقد أضحى ضرورة مستعجلة التوصل بجواب لمعرفة ماذا جرى بالضبط. إنه هاجس يتملكنا جميعا”.
وتضيف “لا تزال هناك بعض أعمال الخبرة يتعين القيام بها، وسوف نتوفر على المواد اللازمة للقيام بها الآن”.
وتأتي هذه الخرجة الإعلامية لوزيرة العدل الفرنسية، بعد شهور من تفجير القاضي الفرنسي “مارك تريفيديك”، المكلف بالتحقيق في مذبحة “تيبحيرين” التي راح ضحيتها رهبان في عام 1996، فضيحة من العيار الثقيل، وذلك عندما كشف أن السلطات الجزائرية ترفض التعاون معه في الإجراءات القضائية التي يباشرها لكشف الحقيقة في هذا الملف الغامض.
وأوضح القاضي “تريفيديك”، في تصريح لصحيفة “لوموند” الفرنسية، أن الجزائر تتحمل مسؤولية عدم التعاون وعرقلة الوصول إلى حقيقية ما جرى، إن هي استمرت في التمادي في عرقلة التحقيق حول قتل رهبان دير تبحيرين.
وكشف القاضي الفرنسي أن السلطات الجزائرية مصرة على عرقلة التحقيقات ، وذلك برفضها السماح له بنقل عينات التحاليل إلى مختبر خاص بفرنسا لفحصها وتحليلها في إطار إنابة قضائية.
وأوضح القاضي الفرنسي أنه باشر تحقيقاته بالجزائر، في الفترة الممتدة ما بين 12 و19 نونبر الجاري، وتمكن من إخراج بعض الرفات وهو عبارة عن رؤوس الضحايا، لكن سلطات الجزائر رفضت السماح له بنقل هذه العينات إلى مختبر فرنسي لتحليلها، بعلة أن القانون الجزائري لا يسمح بذلك.
ويؤكد القاضي الفرنسي أن الجزائر لا تتوفر على الإمكانيات والوسائل العلمية والتقنية للكشف عن النتائج المطلوبة، كما لا يمكن لهذه العينات أن تبقى في الجزائر على حالها بدون وسائل الحفظ اللازمة، لأن المؤسسات الطبية في الجزائر لا ترقى إلى مثيلتها بفرنسا.
الأكثر من ذلك أن قاضي التحقيق أكد أنه لجأ إلى جميع الحلول مع الجزائر دون جدوى، ومنها تكليف بعثة جزائرية لمرافقته إلى فرنسا وحضور الإجراءات التي ستتخذ، أو أن تأتي بعثة فرنسية إلى الجزائر تكون مزودة بكافة الوسائل العلمية والتقنية، لكن حكام الجزائر ظلوا يرفضون جميع الاقتراحات المقدمة.
وقال القاضي الفرنسي إن كل الشيء الأهم هو أن تكون النتيجة ذات مصداقية، وإذا استمرت الجزائر في العرقلة، فإن الشكوك حول دور المخابرات العسكرية الجزائرية في هذه المجزرة ستستمر إلى الأبد.
ويتخوف القاضي من تلف أو إتلاف هذه العينات، وبالتالي يضيع آخر خيط كان من شأنه أن يقود إلى كشف لغز المجزرة الرهيبة.
موقف الجزائر من التحقيق الفرنسي في هذا الملف ووضعها العصا في عجلة القضاء الفرنسي، يعزز الشكوك القائمة منذ نحو 18 سنة حول وجود دور مشبوه للمخابرات العسكرية الجزائرية في ارتكاب هذه المجزرة، والتي نسبت آنذاك إلى إحدى الجماعات الإسلامية المتطرفة.
ورافقت مجزرة “تيبحيرين” ضجة إعلامية دولية، وكانت أصابع الاتهام تشير كلها إلى المخابرات الجزائرية وعلاقتها بالمذبحة، بحيث يجمع طيف واسع من المتتبعين، منذ تسعينيات القرن الماضي إلى اليوم، على أن المخابرات الجزائرية العسكرية هي التي ارتكبت المجزرة، وألصقتها بالإسلاميين المتطرفين.
شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني



