الإتحاد الاشتراكي، الديمقراطية الداخلية وتعويض “الزعيم” بمؤسسة الكاتب الأول؟

الحسين بوخرطة
بالطبع، الحديث عن حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية هو مسؤولية ثقيلة نظرا لغنى تاريخه النضالي الزاخر بالمكتسبات السياسية والثقافية. إنه من الأحزاب القلائل التي تكونت وعبأت الجماهير على أساس أفكار تحولت إلى مشروع مجتمعي في مرحلة التأسيس. فكرة تأسيسه ارتبطت بالوطن والمواطنين والانعتاق من الاستعمار والاستبداد والفقر والجهل، وتكيفه مع التطورات، التي تخللتها تارة المفاوضات السلمية من أجل الديمقراطية والحرية، وتارة أخرى المواجهات العنيفة، كان على أساس جعل مصلحة الشعب المغربي مركزية في القول والفعل الحزبي. وأمام هذا المعطى، رجاله ومناضلوه كانت لهم خاصيات جد مميزة، خاصيات شديدة التعقيد تتطلب مجهودات جبارة ومسترسلة في الزمان والمكان وبدون أخطاء للحفاظ على وحدة الصف واستمرار النقاش والحوار بداخله. إنه سفينة بزعامات كثيرة ومتنوعة المواقف والأفكار يستحق كل زعيم منها أن يصبح ربانا لها لفترة معينة.
قبل أن أبرر هذه الميزة، لا بد من استحضار ما قدمه هذا الحزب للبلاد من تضحيات وأفكار شكلت اليوم الجزء الأكبر من القاموس السياسي المغربي. لا بد كذلك أن نستحضر أن مؤسسيه ورواده وزعمائه التاريخيين كانوا مولعين بحب الوطن وحب القوات الشعبية. فعندما يتم الحديث عن التاريخ السياسي للمغرب المستقل، لا يمكن تحليل أحداث مرحلة من مراحله بدون ذكر اسم هذا الحزب. إن ما صدر ويصدر عن مؤسساته من قرارات وأفكار جعلته دائما ركيزة من الركائز الأساسية للعمل السياسي بالبلاد ولو في ظروف ضعفه ومراحل المنعرجات الصعبة، وعلى رأسها منعرج المرور إلى الديمقراطية الداخلية على أساس صناديق الاقتراع في اختيار رئيسه. وهو يدفع ضريبة هاته المنعرجات زمن التحولات الوطنية والكونية، يبقى هذا الحزب السند القوي الدائم للمسار الديمقراطي الذي ازدادت وثيرة بناءه ابتداء من سنة 1998.
بن بركة، الشخصية الاستثنائية الأولى التي بصمت التاريخ السياسي الوطني والدولي، غاب اضطراريا على الوطن خمس سنوات في ظرف سبع سنوات (لم يتجاوز حضوره القوي على أرض الوطن سوى السنتين فقط). وأكد المرحوم الجابري في هذا الشأن، باعتباره هرما فكريا وشاهدا على العصر، أن غربة المهدي كان سببها الأساس بحثه على الحرية وليس تجنبا للقمع الأتي من الحكم. تحركاته، وأفكاره، ودينامكيته فرضت عليه الابتعاد حتى يسود الوئام بين القيادات والزعامات، ولكي لا تحسب عليه أية تداعيات سلبية تضر بحزبه. لقد تشبث بكل قوة باستمرار وحدة الصف ما بين حزب الاستقلال والنقابة والمقاومة، في حين اصطف المحجوب بن الصديق ورفيقه عبد الله إبراهيم في المعسكر المطالب بفك الصلة ما بين المكونات الثلاث. خاصيات الزعامة فيه، وغزارة إنتاجه للأفكار، وسرعة تحركاته على مستوى التراب الوطني، جعلته نجما لكل المناضلين، ليقول فيه الجابري بكونه بدون “قبيلة”، وبدون “مريدين” وبدون “زبناء”…. واضطر، وعيناه تدمعان لمرات عديدة، على قيادة “الانفصال” عن حزب الاستقلال، ليستسلم للضغوطات ويغترب مرة أخرى وهو يجيب على تساؤلات المناضلين: ” هل تريدون مني أن أدخل لأتخاصم مع “الخوت” (الأخوة)”… يقول هذا ومحياه تتطاير منه إشارات ورموز الحب للوطن. لقد غادر المهدي سفينة الحزب الأم، لكنه ترك جريدة “العلم” لسي علال بالرغم من كونه كان متأكدا ومؤمنا أن أغلبية المشتغلين بها معه…
بعد اختطافه، أبرزت التطورات ما يسمى ب”القيادة الجماعية”. لقد تم فرض هذا الأسلوب في التسيير بسبب صلابة شخصية الزعامات وذكائها ومزاجها الحاد… لقد تم تبرير اللجوء إلى هذا الحل بعد ترويج كونه بديلا ديمقراطيا للزعيم … في حين كانت الحقيقة في ذلك الوقت ترجح فرضية “عدم قبول الشريك”… والجابري في حديث مع الشهيد عمر، وهما يسيران في شارع علال بن عبد الله في شأن الأخوة في الكتابة العامة، اضطر للوقوف قبل بلوغ مقر الحزب قائلا لرفيقه :” أنا لا أرى أن هناك “قيادة جماعية” وإنما هناك حكم فردي متناوب عليه” (الكل يتخذ قرارات من موقعه: المهدي والبصري في القيادة، الجابري في جريدة المحرر، عمر في المقر مكلف بالتنظيم،….)، ليجيب عمر: “ولايني أنت ولد اللذين….”، ليعترف له بعد مرور الأيام أن الوضع الذي تحدث عنه هو قوة سر الاتحاد، والاتحاديون لا يحتاجون إلى الاجتماع والمناقشة لاتخاذ القرار… هم يفكرون نفس التفكير وهم مفترقون… ولا أظن أنهم سيكونون كذلك وهم مجتمعون”… وأضاف : “هل عارض أحد ما تكتب أنت باسم الحزب من افتتاحيات وغيرها؟، كن متأكدا أنك لو جمعت “الخوت” أو استشرتهم واحدا واحدا لما استطعت أن تكتب حرفا. الشيء نفسه في ميدان التنظيم وغيره”.
لقد رد أخوة المهدي على مؤيدي الانفصال بتأسيس الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية وتأسيس الكنفدرالية الديمقراطية للشغل… وبسبب الطبائع الحادة دائما وتباين الأفكار والمواقف عرفت التجربة الجديدة انفصالات أخرى كان أبرزها انفصال النقابة وتأسيس حزب المؤتمر، والحزب العمالي، والحزب الاشتراكي….. وبرز بعد مدة إلى السطح أن الأسلوب البديل في الاتحاد، بعد تجاوز “القيادة الجماعية” بفعل التطورات الوطنية والدولية، هو تعيين زعيم بدون تيار لا يكون مهووسا بالتنظيم بل قائدا لكل الاتحاديين يدبر شؤونهم ويدبر طموحاتهم بحكمة وتبصر (عبد الرحيم بوعبيد واليوسفي كنموذجين).
ومن أجل تثبيت نمط جديد في تدبير الشؤون الحزبية على أساس المؤسسات (تجاوز عقدة الزعيم)، قررت أجهزة الحزب المرور إلى الديمقراطية في انتخاب مؤسسة الكاتب الأول. لقد انتخب الراضي في المرة الأولى بدورة واحدة واستطاع أن يوصل الحزب بعناء شديد إلى المؤتمر التاسع بتيارات أربع وزعامات أربع. لقد دخل الحزب المؤتمر الأخير بكل تياراته، واتضح أن اعتماد أسلوب انتخاب مؤسسة الكاتب الأول بدورتين لم يتم الإعداد لها نفسيا… لقد حصل المرشحان البارزان في الحزب على نتائج متقاربة وأعطي الانطباع وكأن الحزب منقسما إلى فيلقين متعارضين عوض أربعة فيالق قابلة للتوحيد….
وختاما لهذا المقال، وموضوعه الهام والأهم بالنسبة للبلاد، أقول: ” لا يمكن أن يتصور متتبع للشأن العام بشقيه الإداري والاقتصادي والسياسي مغرب بدون فكر إتحادي… الاتحاديون موجودون في كل مكان والحزب يتحرك بمستويات لا تمثل قوة موارده البشرية،…. نعم للأصالة والمعاصرة… نعم للاعتدال في الدين… نعم للإسلام العقلاني المتنور… لكن لا لتكبيل الطاقات والمبادرات بالأساطير والخرافات….. فلا أحد سيرفض وردة إذا ما مدتها له الأيادي الصادقة…
لقد مر الاتحاد من “القيادة الجماعية” إلى الزعيم بدون قبيلة، ثم إلى الكاتب المؤسساتي على أساس صناديق الاقتراع بدورة واحدة ثم بدورتين… ليبقى الإعداد النفسي والعاطفي للحصول على نتائج تنظيمية وسياسية تستجيب لطموحات وانتظارات ومقومات النضال من أجل التنمية ذا راهنية في النسق السياسي لمغرب العشرية الثانية من القرن الواحد والعشرين … الكم والكيف لا ينفصلان في العمل السياسي لخلق التميز في القول والفعل وبالتالي الوصول إلى قلوب القوات الشعبية…. والمساطر لا تجدي في حالة النفور النفسي للأفراد والجماعات… وهنا، بقدر ما نتائج استحقاقات أكتوبر 2016 مهمة بالنسبة لهذا الحزب، بقدر ما ستكون بدون فائدة ما لم تقترن بخطة محكمة تكون أرضية صلبة لصياغة تعاقد حزبي جديد يملأ القلوب بالرحمة والأمل والحب اتجاه الوطن والشعب المغربي أولا والذات الاتحادية ثانيا… تعاقد يؤسس لثقافة جديدة يكون فيها الاتحاديون في مستويات عالية من التفكير والمبادرة وهم مجتمعون وموحدون. المؤتمر العاشر سيكون محطة الحسم محكومة بخيار واحد ووحيد من أجل…


شارك بتعليقك

شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية
   

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني