فرح وسفر واستجمام

بقلم : محمد حسيكي

السفر وإن كان لا يخلو من تعب، فإن فيه متعة وراحة نفسية، بل واستجمام من فترة استشفاء، خاصة حين يبلغ الانسان من العقود، مبلغ الإحالة والراحة من الخدمة، حيث تميل النفس والجسم إلى السكينة، وهو ما يجده الانسان في الاحالة ورحلات السفر .

أما حين يعفى الانسان من الخدمة، ويصبح معاشه إعالة اجتماعية متدبدبة تنازليا مع تقدم العمر، ومتدنيا أمام تزايد الأسعار، مما يزيد من تأزم حياته الصحية ويجعلها من عامل السن في تراجع، وعلى مسمع ومرأى من الأنظار، فإن الطبيب لا يجد بدا من مراجعة تغذية المسن نحو الحدود الدنيوية، والحث على يقظة الجسم بالحركة، مراعاة لضيق جيبه وتعب صحته، وهو واقع الحياة للأجيال بالمجتمعات التي تخطو قدما على درب حضارة الحياة العقلانية، التي أصبح الانسان يعيشها أتعابا بالخدمة من درب القراءة والكتابة، وآليات الاشتغال الذكية، بديلة عن عرق الجبين من أشغال الجهد العضلي، والانخراط في سبل حياة الحماية الاجتماعية المنظمة، بدل الحياة الفردية المعزولة من الضمان الاجتماعي .

مع زوجتي :

الزوجة البارة لا تنجب إلا أبناء بررة، ذلك ما ألمسه بالواقع المعاش في حياتي مع زوجتي وأبنائي، رعاهم الله مع حفدتي، إذ كما كنا نرفه عليهم، أيام تربيتهم وتنظيم انخراطهم بالمخيمات المؤسساتية، وصحبتهم من أوقات السفريات العائلية، والخاصة .

من ذاك النهج في المعاملة، لم تفوت عليهم الذاكرة من حياة الطفولة، ليتعاملوا معنا كما يتعاملوا مع صغارهم، خلال العطل المدرسية من الأوقات الموسمية والسنوية، سفريات مع أبنائهم وشركاء حياتهم، وسفريات أخرى مع الأبناء والأبوين، مما يثلج الصدر لدى المسن، ويدفق عليهم من النفس فيضا من نفحات الرضى، وستائر الحفظ وسعة العيش .

المرأة والحضور العائلي :

يغلب على سير الحياة الأسرية بالمغرب الحرص على العلائقية من الأجواء العائلية، خلال الأعياد والمناسبات العائلية، خاصة أفراح الزواج، الذي كان يتم الاحتفال به في إطار جماعي، من بيت الزوجية الذي يهيئه الزوج للزوجة .

غير أنه في العهد الاجتماعي وفسح مجال تكافؤ الفرص في العمل، وتقاسم أعباء الحياة الاجتماعية بين الرجل والمرأة، وتحول شكل السكن من جماعي إلى شخصي، أصبحت معه المرأة من تتولى تدبير شؤون زفافها خارج البيت، على يد ممون الحفلات الاجتماعية ومن قاعات الأفراح الحضرية، التي تحتضن المدعوين وحفل استقبال العروسين وافتتاح السهرة الفنية، ووجبة العشاء المنظمة، ثم تقديم العروسة بوصلات وأزياء في تشكيلات محلية، لإبراز العريسين، محمولين وسط طبق العمارية على أكتاف فرقة النجافة الخاصة بتشريفات طلعة العروسة، وسط الجمع العائلي والأقارب من المدعوين، الذين يتفاعلون بأهازيج غنائية، وأصوات صادحة على نغمات الموسيقى المدوية بالأفراح الراقصة .

كان وقتها حضور زوجتي الرشيقة، عشيقة المرح من الأفراح، دافعا لها للرقص العائلي من عرس العائلة، إلى الحد الذي يشفي الخاطر ويمتع الناظر .

لكن بعد تناول كعكة الزفاف ونهاية السهرة الليلية، راحت المسكينة وقت الفطور تشكو! من الصداع وتصرخ عالية الصوت واحري على رجلي! من كاحل كعبي! ومفاصل ركبتي! قضت من الألم يومها صبورة على التعب والألم، كي يزول وتعود المفاصل من إراحتها إلى حالتها السليمة .

غير أن حال الوعكة بدى يتزايد حدة وألما، والوقت على الأبواب من بيتها، لموعد حجز سفريات الموسم الصيفي مع الأبناء والحفدة حاولت الذهاب بها إلى المستعجلات! لكن تخوفاتها من أن تدخل في حالة سريرية بالمستشفى، قد يحرمها من متعة السفر، حال دون أن تعرض آلامها على الطبيب .

فضلت المسكينة من الاشتياق للسفر تحمل الألم، والحبوة على أربع، للوصول إلى مقعد السيارة، دون مضيعة تفويت فرصة السفر، والأدهى من ذاك بالدهشة، أنها حين نزولها من السيارة، ترجلت تندف بالرجل عن الأخرى، منهكة وتصعد الدرج متكلة على الجدار ومتباطئة الخطى، من غير حبوة على أربعة، إلى أن قطعت طوابق أربعة .

وعند نقطة النهاية، تنفست صعداء الألم فرحا، وتحول الهلع من الضيوف والمستقبلين إلى ضحكات مدوية، من وعكة صحية مرت مرور كذبة على بياض، لا ينقصها إلا حضور باقة ورد، والسلامة من الألم الذي ذهب أدراج الرياح، بين الليل والصباح، وسارت من الواقع حديث سرد، من محل باقة ورد .

عيادة الطبيب :

بالرغم من التحسن الصحي من الوعكة الطارئة، قمنا بعرض الحالة المؤجلة على أنظار الطبيب، الذي استمع وتفحص الأطراف الأليمة، وحينها أخضع التداعيات الصحية للكشوفات الإشعاعية، والتحليلات الدموية .

وبعد الاطلاع على معطيات النتائج والكشوفات، حدد وصفة العلاج، وحصص الترويض المفصلي، ومراجعة عيادة الطبيب لتتبع تطورات الحالة، ومراقبة مفعول الحمية والعلاج .

وهكذا خلق شد الذهن نحو السفر، غياب الألم وتحسنا في الحالة، ورفع الاستجمام من فرص العلاج، وعادت المعافاة إلى الجسم بعد رقصة الأفراح، ومخلفات الألم وحسرة الوهن بالجسد من الوعكة الصحية .


شارك بتعليقك

شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية
   

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني