بقلم : محمد حسيكي
الوطن هو البلد الذي يتمتع فيه الساكنة بهويتهم الاجتماعية، التي تفتح لهم أبواب الحياة العامة، والانخراط في البناء المجتمعي بما يتطلب من الحقوق والواجبات، والمكتسبات التي يكد فيها الفرد ويجد داخل وطنه وخارجه .
ويشترط في الوطن أن يكون أهلا وكامل السيادة على ترابه الوطني، وله القدرة على تدبير الحياة الاجتماعية لمواطنيه، والسهر على المؤسسات التي تحميه، والوفاء بتعهداته الدولية، كي يأخذ مكانته الدولية بين الامم .
والبلد حين يكون كامل السيادة، يكون كل أهاليه مواطنون يتمتعون بكامل الحقوق الاجتماعية ومقومات المواطنة، لكن حين يمر البلد بفترة تقهقر وانهيار اجتماعي، يجعله عرضه للوصاية الدولية والاستعمار الأجنبي، لأجل ترميم بنيانه الاجتماعي، عند ذاك تنقص سيادته، وتنكمش سلطاته، مما ينعكس سلبا على حياة مواطنيه .
وهنا يصبح المواطن قاصر الفكر من ذاته، وغير قادر على التفكير في شمولية مجتمعه، لأن الوطن حينه تحت جناح الوصاية، مفتقر إلى السيادة الاجتماعية، التي تؤهله إلى وطن مستقل، كامل السيادة على ترابه الوطني من غير تدخل أجنبي .
المغرب من وثيقة المطالبة بالاستقلال :
من المبادئ التربوية التي تربى عليها المغاربة بمداد العلم، وسجلها الوطنيون بأسمائهم إلى التاريخ، وصدحت بها جدران المؤسسات التعليمية .
مغربنا وطننا روحي فداه * * * * * ومن يدس حقوقه يلقى رداه .
ومن عهد التأسيس سطر التاريخ، المغرب بلد إسلامي عربي، ساد فيه الحكم السلطاني المبني على الشريعة الاسلامية، الممثلة في سلطة أمير المؤمنين الدينية والدنيوية .
وعهد الحقبة الاستعمارية، انحصر المد الاستعماري حين وصل أمام عتبة سلطة أمير المؤمنين، الذي له حرمة دينية ومكانة ائتلافية من الشرائع السماوية، مما جعل السلطة الاستعمارية، تقف وقفة مراجعة من خطواتها في هذا البلد الاسلامي، الذي له مقومات فريدة من النظام الديني .
وهو ما جعل البلد الأوربي، يخص البلد المغربي بنظام الحماية، الذي يرمي إلى تحديث الادارة السلطانية، دون المساس برمز السلطة، وجعل الادارة بالسلك المخزني مواكبة للتحولات الدولية المعاصرة، إلى جانب السلطة المادية والروحية التي يسهر على وجودها أمير المؤمنين حامي حمى الملة والدين .
والحقبة الاستعمارية، كانت حقبة عسكرية من بدايتها ، في بلدان ما وراء البحار خارج أوروبا، ومن نهايتها تحرير أوربا، التي مرت من حربين عالميتين أذكاهما الصراع بين فرنسا وألمانيا، حول مناطق ترابية بينهما .
وخلال الحرب العالمية الثانية احتضن المغرب مؤتمر آنفا، بعد الانزال الأمريكي على الأطلسي من منطقة شمال غرب إفريقيا، لحسم الصراع العسكري في أوروبا .
وحين انعقاد مؤتمر الحلفاء من الشرق والغرب، شرف المؤتمرون سلطان المغرب سيدي محمد بن يوسف، الذي كانت له المكانة إلى جانب الحلفاء، إذ أصر على سيادة وطنه حين تسترجع فرنسا سيادتها، باعتبارها البلد الذي تجمعه معاهدة الحماية مع المغرب .
ومن ثمة جاءت فكرة وثيقة المطالبة بالاستقلال، التي تخلد أسماء الأوائل في سجل الوطنية، من أبناء الوطن البررة، الذين قطعوا العهد على أنفسهم مع جلالة السلطان، الذي لا تلومه لائمة في حقوق الوطن .
وتعتبر وثيقة المطالبة بالاستقلال، أول سجل تاريخي موقع بمداد الوطنية الحقة، التي يتم الاحتفال بها سنويا، بمناسبة ذكرى 11 يناير تكريما لتلك النخبة الوطنية، ولشهداء الأمة الذين قدموا أرواحهم فداء للوطن، من أجل عودة السلطان سيدي محمد بن يوسف من المنفى السحيق مظفرا بنهاية عهد الحماية، وبداية حقبة الملك محمد الخامس، ملك الحرية والاستقلال .
ويوم 11 يناير من كل سنة يوم عيد وطني، وعطلة رسمية، ترمز إلى تاريخ المقاومة الوطنية، من وثيقة المطالبة بالاستقلال، إلى مسيرة استكمال الوحدة الترابية للمملكة على عهد الملك الحسن الثاني .
ويبقى 11 يناير السجل الذي كرم الوطنيين من سابق عهدهم، بعد أن وضعوا بالوثيقة النواة الأولى لعملهم، الذي حقق للامة الهدف المنشود، وأعلى راية الوطن بين الأمم .




