عبد اللطيف مجدوب
اليوم العالمي للضمير
جاء في الوثائق المتداولة داخل أروقة الأمم المتحدة أن مفهوم “الضمير الإنساني” Human conscience ” … القدرة ؛ بمعناها الأخلاقي ؛ المتأصلة لدى كل إنسان سليم على إدراك الصواب والخطأ ، وبقوة هذا التصور ، [يكون] قادرا على التحكم في أفعاله ومراقبتها وتقييمها وتنفيذها “.
ونعلم جيداً أن عديدا من المنظمات الإنسانية ولدت في رحم ويلات الحروب ، على رأسها الحرب العالمية الأولى والثانية ، والتي ما زال الضمير الإنساني يتحسس آلامها ، عبر صور الدمار والقتل التي أتت على مدن وأرياف ؛ جرفتها نيران الحروب ، فأمست عينا على أثر ، وإدراكا من الجمعية العامة للأمم المتحدة بضرورة ” تهيئة لظروف الاستقرار والرفاه وإقامة علاقة سلمية وودية ، على أساس احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية للناس جميعا دون تمييز بسبب العرق والجنس أو اللغة” ولتذكير الإنسان بروح السلام والوئام ، بادرت هذه الجمعية إلى استصدار قرار 73/329 باتخاذ يوم 5 أبريل من كل عام يوماً عالميا للضمير الإنساني .
ثم جاءت اليوم حرب غزة ؛ بفصولها الدموية غير المسبوقة ؛ لتطرح بشدة سؤال أين الضمير الإنساني من هذه الجرائم الوحشية التي ترتكب ؛ وعلى مدى أكثر من خمسة أشهر ؛ في حق شعب أعزل ؟ وهل هذا الضمير أصيب بالخرس ؟ وهل تتوقف مسؤوليته فقط عند كلمة “لا لقتل المدنيين !” ؟ ، أم يتجاوزه إلى تعبئة وسائل الدعم الإغاثي لهؤلاء الفلسطينيين المحاصرين ؟ أم له القدرة على كبح جماح الإبادة الجماعية والتهجير ، وبالتالي الوصول إلى “وقف الحرب” ؟
لاحظنا صورا جانبية من “الضمير الإنساني الجمعي” ؛ تمثل في تظاهرات لاحتجاجات ألفية مما يجري في غزة، جابت كبريات العواصم الدولية ، بالرغم مما واجهته من أشكال العراقيل والاصطدامات من قبل السلطات المحلية ، وهنا يطرح سؤال ولو أنه بليد في رمزيته ؛ ما مدى سلطة ونفوذ دور إسرائيل في فلك السياسة الدولية ؟ هل هي المسؤولة الوحيدة فقط عن ارتكاب هذه الجرائم الوحشية في غزة ؟ فلقد تكشف للعالم ؛ عبر تقارير استخباراتية لم تعد سرية ؛ أن قوات عسكرية بجنسيات مختلفة ؛ معظمها أروبية، تتواجد بجوار القوات العسكرية الإسرائيلية الأم بغزة ، كنوع من المؤازرة والدعم لإسرائيل في مشروع الإبادة Genocide & Starvation والتجويع ، ومن سخرية القدر وجود تصريحات لحكوماتها بضرورة “الوقف الفوري القتال” ، بيد أنها وفي ذات الوقت ؛ ومن وراء ستار ؛ تذبح وتقتل وتشرد عشرات الآلاف من الفلسطينيين ..!
سلطة المال والضمير الإنساني
وغني عن الإشارة بأن الكتل الاقتصادية الكبرى في العالم ترعاها رساميل لوبيات يهودية ؛ تتحكم في ثروات العالم ، فضلاً عن هيمنتها على مراكز البحوث والتسويق وعقد الصفقات ، وما أمريكا إلا يد مسخرة في قبضة اللوبي اليهودي العالمي ، لا تتحرك إلا بإيعاز منها وأخذ مشورتها ، وقد مضت تجربة “أزمة اقتصادية ” في عهد الرئيس الأمريكي أوباما ، فقط للتدليل على أن كبريات المؤسسات المالية الدولية بأيديها ، بدءا بصندوق النقد الدولي ، والبنك العالمي .. وأنها تدين بآلاف المليارات من الدولارات من الديون المترتبة على معظم دول العالم ، في مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا .. ، وهذا يعني ؛ في القاموس الاقتصادي؛ أن اليهود/إسرائيل هي السيدة الأولى التي تتربع على عروش موارد واقتصاديات العالم ، وتعتبر الآخرين مجرد “خدم” ، كما تتحدث تعاليم “التلمود” في أكثر من فقرة ، ومن هذا المنظور يصح القول بأن مفهوم الضمير الإنساني في العقيدة الإسرائيلية هو شخص أخرس وفقير ، ما دام معدوما من السند المالي والاقتصادي ، ولعل هذا هو السر الأكبر وراء لامبالاتها بالنداءات والضغوطات الدولية لفك حصارها على غزة .
وقود حرب غزة
منذ انفجار الشرارة الأولى لطوفان الأقصى ، أو بالأحرى “إبادة غزة ” ، سارع دهاقنة إسرائيل إلى لفت انتباه العالم بأنهم يخوضون حربا “مقدسة” ، نيابة عن العالم الحر أجمع ، أسمتها بعدئذ بحرب “صيانة للحضارة الغربية ” ، ثم ما لبثوا أن دعموا توجههم هذا بربطه بحادث 11 سبتمبر ، والإرهاب “الإسلامي” الذي ضرب في عدة مناطق من العالم ، سيما بأوروبا ، فربطوا بين “طوفان الأقصى والإسلاموفوبيا و11 سبتمبر ، ليخلصوا إلى أنها محطات على خط متصل بالإرهاب ، ورأوا أن حربهم في غزة وبجبهاتها الثلاث ، تمثل مشروعا لاجتثاث كل جذور “الإرهاب” وتحرير المنطقة من ينابيع المقاومة ، وصولا إلى تحقيق الحلم بإقامة “إسرائيل الكبرى ” ، بيد أن هذا “الحلم” مازالت تراه بعيدا ، ما لم تستفرد بإيران ، بوصفها “رأس الأفعى” ، والتي تغذي المقاومة بكل أشكال الدعم ، للحيلولة دون وصولها إلى بسط نفوذها وهيمنتها على الشرق الأوسط .




