الماء والمناخ والتحول في الحاجيات

بقلم : محمد حسيكي

 

الماء هو العنصر الأساسي الذي تقوم عليه دورة الأرض بالحياة، مصدره الخام الفضاء البحري، باعتباره المادة الأولية للمياه، ومن دوران الأرض دورتها الفضائية من السنة، تتحول المياه الأولية عبر مدار اليوم والفصل والسنة، إلى مياه سابحة بالفضاء من السطح الأدنى للأرض إلى الفضاء الأعلى منها، مياه محولة من حارة إلى عذبة، على شكل غيم ندي، ثم سحب متحرك، ثم مطر معتدل، ومن مدار بارد إلى برد، وثلوج موسمية، تحيي تربة الأرض وما عليها من الأحياء، من فصول موسمية دائمة الدوران، بين فضاء مرتفع، وفضاء منخفض .

ومن ثمة يجري القول، أن الماء سائل عذب شفاف، صائغ للشرب من المدار الفضائي، يحيي الأرض ويروي عطشها ، الذي منه تتجدد أحيائها، من دورة فصول حية من السنة، تنمو من وفرته الحياة المطرية، وتتراجع من خروجه عن مدار الفصل، أو من ندرته حين يغيب اللقاح عن وقته، أو يتباطأ من استمرار المدار الحار من دورته، منه الشرب ومنه التغذية، منه من تختزنه الأرض في جوفها لأوقات من غير فصوله، ومنه من تسحبه لوقته، كالنحل من فضاء رحيقه، توزعه من مدارها عبر دورات الفصول بين جهاتها، ترتوي منه الأرض وتغذي منه أحيائها، ومنها الانسان، الذي يعمرها ويهتم بها كي تحافظ على حيويتها، من أدنى ومن أعلى

الإنسان والماء :

عرف الإنسان الماء من دافع الحاجة إلى الارتواء منه، لذلك يفرح له من وقته، حين تمطر الأجواء به، ويرحل متنقلا بين أماكنه، والاستقرار نحوه، يتابع بالفضاء تحركاته غيما، وتنقلاته سحبا، إلى أن ينزل بالأجواء حملا، وتضعه من الأرض وضعا، يجري بالصب من الفضاء، وعلى الأرض من مجاري الأودية والأنهار .

لذلك استقر الإنسان من بداية عهده بالحياة، بالأماكن التي يتوفر فيها الماء، من جهات الصبيب ومن المنابع، التي تجري بها الأنهار والعيون وما تسيل منه وتحمله أعالي الجبال، واقتصر استعماله الأولي من الأحياء البرية، ومنها الإنسان مع بقية الأحياء على الشرب .

ومن متطلبات الحياة البشرية، وتطوراتها عبر أزمنة وعصور، تحول استعمال الماء لدى الإنسان من شراكة في الشرب، إلى القفز على الصيد وألفة الحيوان، ثم إلى الزراعة، ومنه شرع باستعماله في العمران، ثم انتقل إلى استخدامه في الصناعة، ومن الصناعة عرف الإنسان كيف يولد من الماء الطاقة، ومن الطاقة عرف كيف يوظفها في تحلية ماء البحر، ليتحول بخامة المياه من خاصة بالأحياء البحرية، إلى مياه عذبة متحولة للحياة البرية ..

المغرب والمناخ :

المغرب بلد ذو مناخ شبه جاف، حين يكون الموسم الفلاحي خصبا، فإن المدار الفضائي يغطي البلاد بالأجواء الممطرة من الساحل إلى التخوم الشرقية، وحين يكون شبه جاف، يكون الإنتاج السنوي ضعيفا، من تراجع نسبة الأمطار، أو انقطاعها أو من اجتفاف الأجواء قبل وقت الإثمار، ومن ثمة يصنف البلد ذو مناخ شبه جاف، بين الساحل والجبل، وجافا بين الجبل والتخوم، وبينما حين يكون جافا على العموم، فإنه يخل بموازين الحياة الاجتماعية، والاستقرار العام للسكان، التي تهجر مواطن إقامتها بحثا عن لقمة العيش، التي افتقدتها من جفاف الطبيعة الموسمية .

ومن انفتاح المغرب على محيطه الدولي، وأخذ مكانته من المجموعة الدولية، بالجامعة العربية، والاتحاد الافريقي، والاتحاد الأوروبي، ومنظمة الأغذية والزراعة، أعطى الأهمية لبناء السدود، وتخزين الماء، وتحديث مناهج الحياة بالمجتمع، في مجالات الإصلاح الزراعي، من الري العائم، إلى السقي الموضعي بالتنقيط، والانتقال بالمياه ذات الاستعمال الصناعي من العذية إلى إعادة استعمال مياه التطهير المعالجة من شوائب الاستعمال، ثم إلى تنظيمه، وتدبير مجالاته من تعمير المدن بالسكن اللائق من محل الأكواخ الخشبية، وإقامة البنيان على التجهيزات الأساسية، من شبكة التطهير والتزود بالماء والكهرباء، بل والتحول نحو العالم القروي .

وهكذا أنتقل استعمال الماء من شدة الحاجة إليه، من الحاجة الطبيعية، إلى الحاجة المتحولة، من المناخ إلى الاستعمال .

ومن وجهة الظرفية الشبه الجافة التي تؤثر على الحياة العامة بالبلد، فقد خطى المغرب خطوات ثابتة في سبيل مقاومة التغيرات المناخية، من خلال مشاركته النشطة على الصعيد الإفريقي في مؤتمر الأطراف الخاص بالتحول المناخي، كما رحب باحتضان المؤتمر 22 حول التغير المناخي، الذي تواكب منه الأمم جهود الدول في الحد من استعمال الوقود الأحفوري المسؤول عن الاحتباس الحراري الذي يهدد الفضاء من الأجواء الدولية، بالأعاصير المدارية من الجهات الفضائية، والجفاف العام من عوامل الاحترار .

الجفاف من المدار الطبيعي إلى التحول المناخي :

المدار الفضائي، والمدار الشمسي، يجريان على مدارين بالقطب من الدورة القمرية بالتناوب، ومن الدورة الشمسية من مدار الذوبان والتجمد، بالتبخر والتكاتف، من القطب إلى الاستواء، اللذين يدوران دورة الفصل بالسنة من اليوم الفضائي، ودورة اليوم بالسنة من الاستواء، يفصل بينهما القطب باليوم، ويجمع بينهما الاستواء من اليوم والستة، يعني دورة القطب من المدار الشمسي، ودورة الاستواء من المدار الفضائي .

بينما يتوزع المدار الفضائي السنوي للقطبين على الجهات الأربعة من فصول أربعة، عبر دورات من الخريف إلى الشتاء، حيث الفصل القطبي الخاص بالزراعة البرية المبكرة، ومن الربيع إلى الصيف، حيث الفصل الاستوائي الموجز الزراعة، ك الذرى والقطاني وكروم التين والعنب البري .

ومن دورة المدارين من مدار فضائي منخفض، ومدار شمسي مرتفع، تتكون الدورة المناخية، بين اليابسة والمتجمدة، وهي تنفصل مناخيا بين جهات اليابسة بالخصوبة المنتظمة، ك المناخ الاستوائي، و المناخ القطبي، وبين المتفاوتة من الجهات، ك الجافة من المدار الشمسي الحار والجاف، والشبه الجافة من المدار الفضائي الشبه الجاف، كالمناخ المغربي، الذي يعتريه من فترات مناخية الجفاف الخريفي من الجهة القطبية، والجفاف الربيعي من الجهة الاستوائية .

الجفاف الطبيعي :

هو الجفاف الذي تعرفه الطبيعة قبل أن تعرفه البشرية، ويبدأ من بداية الموسم، قد يكون فصليا من جهة شبه جافة، وقد يكون عاما من جهة جافة .

وإن حدث هو جفاف تجف منه الأجواء، وترتفع منه الحرارة لانعدام الرطوبة، تغور منه المياه الجوفية، ويصحو منه الفضاء الذي تجف منه الأجواء، ولا تنبت منه الارض، تهجر منه الأحياء مواقعها، ك أبقار النو من البراري الافريقية، والحيتان العابرة للمحيطات لأوكارها، من عامل اجتفاف الفضاء، واحترار مياه المحيط .

وإن كان مدار المناخ يشهد تغيرات طبيعية، منها ما يليق بالحياة ويرفع منها، ومنها ما يفتك بها ويدمرها، فإن التحول في نشاط الحياة البشرية، قد أخل وأثر على مسار الطبيعة، وزادها هما من تغيراتها المناخية، الذي تدركه البشرية من صنع عملها وسوءة تدبيرها، الذي يمحق الطبيعة وديمومة الأحياء منها .

ومن النشاط البشري على الأرض ومن محيطها، وفضائها، أدرك الأخطار التي تهدد حياته بالكوكب وسوء عمله، وكيف يجب التصدي لما يقوم به، وإصلاح الخلل المناخي الذي أصبح من مسؤوليته .

الجفاف من التحول المناخي :

بعد أن انتقلت حياة الانسان من العصر الزراعي، الى العصر الصناعي، تحولت حياة الإنسان من شبح المجاعة، التي كانت تأتي من جفاف الطبيعة، إلى شبح العطش الذي يأتي من اجتفاف السدود وتبخرها من الاحترار المناخي، الذي يذهب بالمخزون المائي من السطح إلى الفضاء .

من المدار العام للدورة الشمسية، من الدورة الفضائية، دورة جافة الاختلال المناخي على جهة باليابسة، كالأمطار الربيعية من الجهات الخريفية، والرياح الخريفية من الجهات الربيعية، مما يلوح بالخلل من الدورة المناخية، الذي يحدده الدارسون للمناخ، في البيانات العلمية من المعطيات المناخية، التي تكشف عن سلبيات النشاط البشري من الدورة الصناعية المتمثلة في الكيماويات المضرة بالأجواء التي لها علاقة تسمم مع الحياة من الفضاء .

ومن ثمة كان تفكير الأطراف الأممية من المناخ يتركز على الحد من النشاط البشري الذي يضر بالبيئة الطبيعية والمناخ، وتحولاته من مدار جهات باليابسة دورة شمسية مغلقة بالحرارة على الجفاف، ودورة فضائية محصورة على جهات بالأعاصير العاتية والأمطار العاصفية.

وهكذا تكون الرياح الجافة تضرب مناطق الجفاف بالرياح الغبارية، و الرياح الممطرة تضرب جهات أخرى بالعواصف المطيرة

وتبقى المتابعة العلمية لمجريات التحولات المناخية من الفضاء ومن النشاط البشري، وحدها الكفيلة بإعادة الاستقرار المناخي إلى مسار دورته الطبيعية .

 


شارك بتعليقك

شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية
   

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني