أجواء الطفولة من رمضان

 

بقلم : محمد حسيكي

 

رمضان شهر الصوم والقيام للتعبد، و عمرة بيت الله الحرام من مكة والمدينة، والحرم القدسي المبارك، خلال هذا الشهر الفضيل، الذي يزدان فيه بيت الامة الاسلامية من مشارق الأرض ومغاربها، بنسك الصوم ركنا من الفريضة القائم على العبادة، من قراءة القرآن، وختم الصيام بإخراج زكاة الفطر، اقتداء ومدا من يد الرسول الكريم مبرة بذوي الاحتياجات من الأمة، كي يفرحوا بالعيد، ك فرحتهم من الصوم .

وحين يتم الاعلان عن حلول رمضان الكريم، تعم العموم الفرحة، التي يكتسب منها الصائم رضا الله وطاعته، من القيام بالفرض الديني الذي يربط بين الإنسان و خالقه، من جوانب الصوم، والعبادة، ونصيب الشهر من الزكاة . .

والفرحة من رمضان، كما يعيشها الراشد العاقل من الصيام، تعيشها الطفولة من أفراح الصغار، بالأجواء العامة التي يستقينها من فرحة الكبار .

أجواء الفرحة من رمضان :

تبدأ الفرحة من الكبار بدءا من مراقبتهم رؤية الاستهلال بالعين المجردة، من ظهوره ك القلامة بالفضاء إلى حين غيابه، حيث كان السكان يتجمعون من ساحة الحي لمتابعة رؤية الشهر، إذ أول ما يعلن فرد عن رؤيته، إلا ويتجه نحوه المحيطون به جانبا، لإثبات لحظة الرؤية، والاستدلال بالمشاهدة على معاينة الهلال، حيث تجري على الألسنة، المباركة بين الجموع والدعاء بالسلامة والقدرة على أداء الفرض، بما يحب الله ويرضى رسوله.

وبعد سماع الإعلان عن الرؤية من صوت المذياع وشاشة التلفاز، يخرج الأطفال إلى ساحة الحي يركضون جماعات ويرددون بالأصوات الفرحة بالشهر الكريم، كما يدوي من أزقة الحي وسويقته التجارية، نفير صوت النفار الذي يقوم بالطواف من طريق العموم ليعلن للبعيد حلول الشهر بالصوت، ويحيي القريب تحية المباركة، وجموع الأطفال تمرح وراءه، مزهوة تقفز مهللة وتندفع مرحة بالفرحة الغامرة من الشهر الكريم.

وصاحب النفار الذي ينسب قديما من الجوقة النحاسية، كما ينشط الأفراح العامة والأعياد الاجتماعية، يضاعف خدماته من شهر رمضان، حيث ينشط من الصوامع فضاء المساجد، من وقت التراويح، وطلعة السحور .

وبعد ليلة القدر ينزل من فضاء المسجد، إلى الساحة العامة، ليبادل العموم المباركة والتهاني وينشط أجواء الاستعداد، إلى أن يقضى العيد في الأجواء اللائقة بالفرحة الغامرة .

ومن جهة ثانية، وإلى جانب الأطفال، تخرج فتيات الدرب، في جولات عبر الجوار من الدور، يدبكن بالتعاريج ويغنين بالأهازيج كما تعلو قسمات الفرحة المرحة، حيث يتوجهن رشيقات مبتسمات باللعب، وجهة بيوت العرائس اللواتي يقضين أول رمضان في بيت الزوجية، ليباركوا لهن الصيام الأول من بيوتهن، ويقاسموهن الفرحة بشهر الصوم .

بينما البالغون يفيدون أفواجا وجماعات نحو مساجد الأحياء، لقضاء التراويح التي يشرع فيها بدءا من رؤية الشهر الكريم .

كما تدوي من الصوامع الكبرى وقتها، مزامير تغطية الأجواء بالأصوات الموسيقية، التي توقظ الأسماع من ليل متحرك، يسبق نهارا هادئا، خاليا من دخان الأطعمة، وسوائل المشارب .

فرحة الأسرة من صيام الطفولة :

أجواء الصوم من الحياة العامة ومن البيت، تشجع الصغار من سن مبكرة على الإقبال من الصيام، لذلك تشجع الأسر الصغار، من منتصف عقدهم الثاني على تجربة الصيام، شتاء لا صيفا، إذ كثيرا ما كان الأطفال خلال شهر رمضان يتحدثون عن صومهم، فترى منهم من يحلف لقرينه كي يصدق صومه، ومنهم من يكشف من فتحة الفم عن اللسان، إن كان جافا يعلوه البياض فهو صائم، وإن كان رطبا سلسا فهو مفطر، وكذلك يتداولون خبر السحور من الصوم، إن تسحر مع الكبار فهو منهم، وإن تسحر مع الصغار فهو مفطر .

وحتى في الأجواء الدراسية من المرحلة الابتدائية، ترى من القراءة الحديث عن صوم الطفولة، وكيف قضاء النهار صوما، بجانب الأم كالعصافير من طيرانها الأول يوما .

أما صوم الفتاة الأول، فتهيئ له الأم، وكأنها في حلم بالعرس المصغر، حيث تدخل الفرحة على الأب، وعلم الجيران، وتروح بفتاتها اليافعة إلى حمام الحي، وتحليها قوائمها بالحناء وشعر رأسها بالضفائر المعطرة، و المزينة بخيوط ملونة بالأحمر والأخضر من العلم الوطني، فضلا عن أناقة الملابس، ويوم صيامها تحضر لها الأم وجبة الفطور الخاصة مع صديقاتها من بنات الجيران يشاركونها فرحة الصيام، وبعد الفطور يمرحن قليلا بالدبك والرقص والتغني بالحال السعيد .

وصفة رمضان :

ملامح الصورة المصغرة التي قدمناها عن صيام الطفولة من رمضان، تذكرنا بأجواء المدن العتيقة من التاريخ الهجري، الذي يعود إلى أواخر القرن الرابع عشر، والتي كانت المدينة تكتفي فيه بدائرة اقتصادها المحلي، حيث أغلب الساكنة يعتمدون في عيشهم على عرق الجبين، الذي قال فيه الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، أوفوا العامل أجره قبل أن يجف عرقه .

ومن الفترة التي عشتها وقتها من رمضان، أن الإحسان لوقته كثيرا ما يتجلى في الشهر الكريم، على السائل وعابر السبيل، حيث كنت تجد بجوار الأضرحة من يقدم وجبة حساء من الطحين لفائدة الفقراء والمشردين، إذ وقتها مقاهي التغذية الشعبية تكون في حالة إغلاق من رمضان، حيث أغلب السكان يطعمون من بيوتهم، كما تجد من أبواب عدد من مساجد الحي، من يقدم للمصلين وقت دخولهم المسجد، تمرتين، لتحلية إفطاره قبل الذهاب إلى بيته .

وحين يقبل الشهر على المنتصف، تحفل سويقات الأحياء من الدكاكين المزينة ب الطيافر الشباكية، كما يقبل الساكنة عامة على اقتناء طيور الدجاج البري، للاحتفال من تلك الليلة المسماة على اللسان ليلة الفضيلة .

ومن ليلة القدر المباركة، وهي ليلة سهرة المساجد العامرة، بالصلاة والذكر، من صلاة العشاء، إلى صلاة الصبح .

ومن الإيمان المتعلق بتلك الليلة، أن خدام المسجد من إمام ومؤذن، ومساعدين، يأتهم الفطور من بيوتهم إلى رحاب المسجد، حيث الاستعدادات لا تترك لهم الوقت للذهاب إلى دورهم، وعلى المنوال من ذلك ومن وقت أذان العشاء، تأتي صحون الطعام تباعا إلى وجهة المسجد، حيث أضواء المساجد لا تنقطع ليلتها، من آذان المغرب إلى طلعة النهار .

وبعد ليلة القدر ينتهي العمل من جموع التراويح، حيث يتفرغ العموم لحاجيات البيت والأطفال من السوق، لقضاء العيد الذي له يومه الخاص والعام .

مواقف الأسرة مع الطفولة في رمضان :

عهد الحياة الاجتماعية المتواضعة لدى الساكنة، كانت الحياة العامة بسيطة، وسلوكيات العموم عفيفة، وقائمة على الدين والتربية العائلية من وسط الاسرة والجماعة، يربون الأبناء على القيم الدينية، علما وعملا، وخلقا ومعاملة .

ومن ثمة كانوا يربون الأبناء من الصغر على قيم أدب المعاملة مع الكبار، تأدبا ووقارا، وقبل أن يصل الفرد إلى سن البلوغ، يكون جامعا بكل مقومات الأخلاق والمعاملة، ومنها التربية على الصلاة والصوم، والمعاملة الحسنة، وصدق الملك الحسن الثاني، يوم قال : إذا كانت قولة المغاربة، الناس على دين ملوكها، فإن الملوك تعقد على دين مجتمعها .

ومن العودة إلى معاملة الطفولة المغربية في رمضان، فإن الحالة تبتدئ من البيت بين الأم وأطفالها، حين إعدادها وجبة الفطور الرمضانية، إذ حين إعداد وجبة الحساء المخمرة، للفطور قبل وقت آذان المغرب، يلتم حولها الأطفال يستلطفاها قليلا من الحساء، فتقوم بإبعادهم إلى أن يحين وقت الحضور للفطور .

دردشة الصائم والمفطر :

خلال تناول وجبة الفطور يضج المكان بالصراخ من الأطفال حول المائدة، ينقلب مزاج الأم والأب، مما يدفع الأب لطرح الرأي على الأم، كأن تقدم لهم فطورهم قبل الوقت، كي يهنئوا، لكن الإشكال لدى الأطفال، أن أعينهم لا تفارق طاولة الصائمين من الطعام، خشية أن يفوز الكبار بالقليل من الكثير عن الأطفال، حيث تسبيق الفطور للطفل ليس إلا نصف الحل، مما يترك الإشكال قائما .

ومن الأسر من تفتعل ملهاة لأبنائها الصغار خارج البيت، بالإطلالة من بعيد على مراقبة ضوء مصباح آذان المغرب من الصومعة، وبعد أن يأتوا مسرعين، تداعبهم أن يتوجهوا إلى المسجد إلى حين قضاء الصلاة وخروج المصلين، ويأتوا الخبر من المسجد لتناول الفطور .

وبعد أن يأتي الأطفال بأخبار انقضاء الصلاة، يكون الأب والأم قد ربحوا فرصة مريحة لتناول الوجبة في أجواء هادئة .

أما خلال وجبة السحور، فإن كان الصوم من فصل الشتاء والأمطار، فإن الصغار الحديثي العهد بالطعام، هم أكثر استيقاظا بالليل من النوم، حيث تلتقط حاسة الشم لديهم رائحة طهي الطعام، ّإذ يستيقظون ولا يعرفون نهيا، إلا أن يتم اسكاتهم بمضغة من فطيرة، بينما الذين في سن المدرسة، يصعب عليهم اليقظة من وقت الدفء، إذ النوم شتاء من وقت السحر أحلى من السحور .

أما الذين في سن الصوم، فإن يقظتهم صعبة جدا للسحور، حيث تبدأ الأم في يقظة الطفولة لوقت السحر، من وقت وقدها الموقد لإعداد الفطائر، وهي تتردد مرة بعد أخرى على إيقاظهم، إذ الفتيات أخف يقظة من الفتيان، الذين يحلوا لهم النوم على السحور، ومنهم من يجيب من نومه أمه : قم تتسحر ! يا ويلك إذ صمت بدون سحور? حينها يجيب وهو غارق في النوم، خلي عني لا أبتغي الصوم،،، ما أبتغي سحور، وكذلك يجري الجدل بين اليقظ والنائم، من سحور الطفل الصائم من وقت المطر المنهمر .

أما الطفل الذي أشبع ضربا على الاستيقاظ الباكر للسحور، فإنه يبقى جاثما يتابع بالرؤية من تحت غطاء النوم، وقفة الكلب على والديه من وجبة السحور، إذ يدعوه قولا : توز بالك، واخرج، وخلي عنك أبي وأمي يتسحرون ليوم صيامهم .، وحينها تسارع الأم بالرد من القول، ارقد على ما فعلت، والله لا كان لك، إلى أن يصبح، وتفطر .

تلكم قصاصات من طرائف عاشتها أجيال وأسر، من رمضان من وقت الفطور والسحور ، وأجر الصائم حكمة النفس وابتغاء رضاء الله .

وعيد مبارك سعيد .

 


شارك بتعليقك

شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية
   

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني