حق الأمومة من السنبلة

بقلم : محمد حسيكي

 

في فضاء الأحياء الكونية، ومنها الحياة البشرية، الأم هي حضن الحياة، تحمل من بطنها، وترضع من ثديها، وكما سهرت على تغذية ونظافة الحمل من بطنها، تسهر على تغذيته من ثديها ونظافته على يديها وصحته بالدفء من حضنها، ومن الأعراف البشرية، ينسب إليها وضعها، قبل أن يلحق بالأب شرعا .

ومن كرامات الله عليها، أن جعلها أما للحمل من البطن، وأما بالثدي من الرضاع، عطفا على الحياة التي تنسبها إلى خالقها .

الحياة الطبيعية :

حين تجود الأرض بحملها من الطبيعة بالحياة ، من دورتها المناخية، تتنوع أحياؤها، وإن تختلف أزمنة فصولها، ومنها الانسان الذي منه زوجين اثنين، هما نواة الحياة وديمومتها، كحياة الأرض من مائها، وصيرورة الزمن منها وعليها .

مدار الطبيعة :

تدور الطبيعة على خط الاستواء من فصل الربيع النابض بالنظرة من الحياة، وفصل الخريف الذي يخرج الحياة من شقي الطبيعة بين التربة والماء من الأرض والفضاء، ، اللذين تدور منهما الحياة دورة اليوم من البداية ودورة الفصل من السنة .

ومن تلك الحياة التي تحيا عليها الأحياء الكونية من الأرض من فضائها الساكن والمتحرك، يستمر مدار الحياة ومنها الحياة البشرية بين ذكر وأنثى، اللذان يربيان نسلهما على التربية التي تربيا عليها، من فطرة ورشد وإلى أحسن . وذاك من الحسنى التي يأتي منها التطور والتنوع، ومآرب يسعى منها إلى حياة أخرى .

الإنسان والطبيعة :

الإنسان كما خلق يرى الطبيعة من الأعلى ضوئية، وهي منه أقرب، وهو منها ادنى، ومن تحت قدميه جارية، تجري بالضوء والظل، كجريان الغيم بالماء، يحمل على مهل ويوضع على مهل، من أوقات الفصل الذي ينفع الناس ويمكث في الأرض .

ومن الماء تدور الطبيعة العامة من فصلي الشتاء والربيع إلى الإثمار صيفا، ومن الخريف يذبل ويشيخ من الأرض والفضاء، وينمو من يحيا منبعث النبات، الذي ينعش ويجدد الإحياء بالحياة، ومن فصل الربيع تكتمل دورة الحياة الربيعية بالطبيعة بين اليابس والمتجمد.

سنابل الربيع :

تنسب السنابل، كما براعم الورود إلى فصل الربيع، الذي تشدو منه الأحياء شدوها بالحياة، من النظرة العريضة إلى الطبيعة التي يتراقص فيها النبات متمايلا بالرياح الخفيفة على الأضواء الشمسية الذهبية مهللة، ومن قسمات رياح الشمال الربيعية الباردة تتعانق ثانية، تنفتح من غمض أكمامها البراعم بورودها

وخلالها تخرج الأحياء إلى الطبيعة الحية لتمرح مزهوة، وتستمتع من شدوها بالفرحة من اللحظة، التي تجود بها الحياة فصلا من السنة، متعة للأنظار، وعطرا نافحا ترتاح له الأنفاس، يدوي من فضائه أزيز هدير، ويحمل منه الهواء طيب الغدير، الذي يحن له صهيل العذير .

من فضاء الأجواء الربيعية تخرج الأم وصغارها، كما الحياة ومدارها، في جولة مرح إلى حقول الزرع وسط ألوان الربيع، من فضاء يكتسي الخضرة وإمتاع النظرة، التي تعطرها الأجواء البهية بالروائح الزكية، التي منها تخطو الأم وأطفالها بين الورود والسنابل، خطوة بعد أخرى .

منهم من ينظر ويحلق، ومنهم من يسمع وينطق، وكذا من يقطف ويعلق، إذ كل الأحياء وقتها لها منطق، يدوي منطق .

نزهة في الحقل :

تكون النزهة فريدة ومتميزة بألوان من المرح، حين تصحب الأم أبناءها ليوم خاص بالنزهة في الحقل، الذي تكسوه الخضرة اليانعة الفتية، وأشكال مختلفة الألوان من ورود الأنوار البرية .

حين تدخل الأم بأبنائها إلى الحقل، تعلمهم كيف يتبعون الخطى وسط سنابل الزرع، بعيدي الوطء بالأقدام عن جذور الزرع، وسط خطوط المحراث كي يتجنبوا انكسار جدوع السنابل، كما تنبههم، أن يقطفوا بهدوء، ولا يقطفوا الأشياء التي لا يعرفونها ولو أعجبتهم . وخلال الجولة تحدثهم، وتقطف لهم، وإن تنتشي تغني استئناسا لهم، ولطلاقة أساريرهم، إذ حينها تمد كل من حادت خطاها جانبه بباقة ورد من اللون الذي يرضيه، دون أن تغفل عن نفسها، وتخاطب بنيها،،،،، يا أبنائي مما يكون الغذاء اللحظة.

وحين يحملقون في وجهها، تجيبهم اليوم غذاؤنا سنابل الزرع، التي زرعناها في الخريف، وتجود بحليبها علينا اليوم في الربيع، هيا امرحوا، اليوم بهي، والغذاء زرع طري .

وبعد أن يتسلموا من بين أيديها باقات ملونة بورود الربيع، تطوف بهم، وكأنهم في حلقة دراسية، تقطف السنابل، هاته نعم،، وهاتي لا

هاتي مليحة، نعم،،، وهاتي لازالت منفتحة بالغمض لا…. مرفوع عنها القطف إلى أن تستيقظ،،،، عندها يعلي الصغار الصوت فرحا وقسمات الضحك مرحا .

وبعد أن تقطف لكل فرد سنبلة، تدعوهم للراحة وتناول الوجبة من الطبيعة، رمزا للحياة الأولية، وحينها تبتدئ في تنقية حب السنابل، من كل سنبلة واحدة بعد أخرى، وتعلمهم تنقيتها، من فصل قشرتها الطرية عن لحمتها الفتية، بعد أن علمتهم كيف يختارونها من الحقل .

وهكذا تمضي مع كل سنبلة للفرد، منهم من يجدها بالثمار عذبة ولذيذة، ومنهم من يجدها سمينة قصيرة سابقة للنهاية، تترك شخصها، يتتبع الباقين على الأكل من إخوته في التنقية، هم يأكلون الحبة، وهو يتعقب أكلهم باللذة وسيل من لعاب منفتح على باب الشهية، على سبيل المداعبة .

وحين الانتهاء من تنقية كل سنبلة، يترك من أعلى رأسها حبتين زرعتين، يرمزان لثدي الأمومة من وقت الرضاع، الذي تطعم منه رضيعها، من حليب جوفها، الذي يملأ منه الرضيع البطن بعد أن تفرغ بطنها، تعلمهم كيف يقبلون في النهاية بالفم الحبتين المتبقيتين، بعد أن يسميا صدقة من زرع، وحق ثدي الأمومة من السنبلة، ثم يلقون بها وسط الحقل الذي جاد بها من عنده، مصداقا لقول الرسول صلى الله عليه وسلم، ما من مسلم يغرس غرسا أو يزرع زرعا، فيأكل منه إنسان أو طير أو بهيمة إلا وكان له به صدقة .. وحين تنقية الأطفال حبة الزرع من السنبلة، إن لم يترك من التنقية أحدهم الزرعتين حقا من ثدي الأمومة، يعيبون عليه، وأن أكلته كمن أكل ثدي أمه عضا، تمده بالثدي حليبا وهو ينهش رضاعها بالأسنان عضا، طلبا للزرع بالفطام يوم الثدي .

وبعد وجبة الغذاء، تقوم الأم من النزهة وسط جمع الأفراح مع أبنائها، بتعديل أصناف الورود الربيعية، إذ تزين للطفلات بالورود البرية ضفائر شعر رأسها، وبنيها – جرجور – ورد من لوائية زرع مجدل، ولنفسها حمالة وردية تجدل بها صدرها فرحة بيوم في النزهة، تحمل منه بقوليات وربيع أبقار حلوبة، وسنابل تبارك بها سلام السائلين عن عطاء الحقل .

 

 


شارك بتعليقك

شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية
   

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني