محمود حكميان*
يمر نظام إيران بواحدة من أكثر الفترات اضطرابًا في تاريخه. فمن جهة، تتصاعد حالة السخط الشعبي والاحتجاجات في جميع أنحاء البلاد، ومن جهة أخرى، يواجه النظام عزلة دولية وإقليمية خانقة. إن السياسات القمعية الداخلية، والفساد المستشري، والأوضاع الاقتصادية المتدهورة، إضافة إلى الضغوط الدولية، تهدد أركان حكم ولاية الفقيه. في هذا المقال، سنستعرض الوضع الداخلي المتأزم، والأزمات الدولية والإقليمية التي يواجهها النظام الإيراني، بالإضافة إلى التظاهرة الكبرى التي جرت في 8 مارس 2025 في واشنطن.
الأزمات الداخلية: تزايد الاستياء الشعبي واتساع رقعة الاحتجاجات
شهدت إيران خلال السنوات الأخيرة موجات احتجاجية واسعة ضد نظام ولاية الفقيه. هذه الاحتجاجات، التي بدأت في بادئ الأمر نتيجة الأوضاع الاقتصادية والمعيشية المتردية، سرعان ما تحولت إلى حركة واسعة تطالب بإسقاط النظام الحاكم. انطلقت الشرارة الأولى في عام 2017 بمظاهرات عارمة في مختلف المدن الإيرانية، وتبعتها احتجاجات نوفمبر 2019، ثم الانتفاضة الكبرى عام 2022، والتي هزت أركان النظام. خلال هذه التظاهرات، رفع الشعب شعارات ضد النظام بأسره، وضد خامنئي شخصيًا، مندّدين بسياساته القمعية.
من أبرز سمات هذه الاحتجاجات، كان الدور البارز للمرأة والشباب. فمنذ مقتل مهسا أميني في سبتمبر 2022، أصبحت النساء في طليعة الاحتجاجات، ورفعن شعار “المرأة، الحياة، الحرية”، الذي بات رمزًا للانتفاضة الشعبية. ورغم القمع الوحشي الذي مارسه النظام، بما في ذلك الاعتقالات والتعذيب والإعدامات، لا تزال هذه الحركة تشكل تهديدًا خطيرًا لنظام إيران.
إلى جانب ذلك، انضمت شرائح أخرى من المجتمع إلى موجة الغضب، بما في ذلك العمال، والمعلمون، والمتقاعدون. فقد اندلعت إضرابات عمالية في العديد من المناطق، كما شهدت البلاد اعتصامات للمعلمين وتظاهرات للمتقاعدين، مما يعكس عمق الأزمة التي يعاني منها المجتمع الإيراني. السبب الرئيسي لهذه الاحتجاجات هو تفشي الفساد، وارتفاع معدلات الفقر، والانهيار الاقتصادي، إضافة إلى القمع الأمني المستمر.
العزلة الدولية والضغوط الخارجية
بسبب سياساته العدائية، أصبح النظام الإيراني معزولًا دوليًا أكثر من أي وقت مضى. فبرنامج طهران النووي ودعمه للميليشيات المسلحة في المنطقة أدّيا إلى فرض عقوبات صارمة من قبل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. كما أن تعنت النظام في المفاوضات النووية، واستمراره في تخصيب اليورانيوم، أوصله إلى طريق مسدود، مما زاد من الضغوط الدولية عليه.
لقد أثرت العقوبات الاقتصادية بشكل كارثي على الاقتصاد الإيراني، حيث تسببت في انخفاض قيمة العملة الوطنية، وارتفاع معدلات التضخم والبطالة، مما أدى إلى تفاقم حالة السخط الداخلي. وفي محاولة للهروب من هذه العزلة، سعى النظام إلى تعزيز علاقاته مع دول مثل روسيا والصين، إلا أن هذه الدول لم تقدم له دعمًا غير مشروط، بل تعاملت معه كأداة لخدمة مصالحها الخاصة.
التوترات الإقليمية والسياسات التوسعية
إن التدخل العسكري الإيراني في دول الجوار، لا سيما في سوريا والعراق ولبنان واليمن، أدى إلى تصاعد التوترات في المنطقة. فالدعم المالي والتسليحي الذي يقدمه النظام الإيراني لوكلائه مثل حزب الله في لبنان، والحوثيين في اليمن، والميليشيات المسلحة في العراق، ساهم في إشعال النزاعات الإقليمية، وأثار قلق الدول المجاورة.
وتنظر الدول العربية، وخاصة السعودية والإمارات، إلى سياسات النظام الإيراني العدوانية باعتبارها تهديدًا مباشرًا لاستقرار المنطقة. كما أن الضربات المتكررة التي تستهدف الميليشيات التابعة للنظام في سوريا، إضافة إلى الهجمات التي يشنها الحوثيون على دول الجوار، تُعد مؤشرًا على تصاعد التوترات التي تسببها إيران في المنطقة.
تظاهرة 8 مارس 2025 في واشنطن: رسالة تضامن عالمي مع الشعب الإيراني
في 8 مارس 2025، نظّم الإيرانيون الأحرار وأنصار المقاومة الإيرانية في واشنطن تظاهرة ضخمة، تزامنت مع اليوم العالمي للمرأة. أقيمت هذه التظاهرة أمام مبنى الكونغرس الأمريكي، دعمًا لانتفاضة النساء والشعب الإيراني، ولفتًا لانتباه العالم إلى جرائم النظام القمعية. وردد المشاركون شعارات مناهضة لنظام ولاية الفقيه، ومؤيدة للحرية والديمقراطية في إيران، ما بعث برسالة قوية إلى المجتمع الدولي.
وشهدت التظاهرة حضور شخصيات سياسية بارزة ونشطاء حقوقيين، ما يعكس الدعم الواسع للنضال الذي يخوضه الشعب الإيراني من أجل الحرية. وأكد المتظاهرون على استمرار معركتهم حتى إسقاط نظام ولاية الفقيه، ودعوا المجتمع الدولي إلى عدم الصمت أمام القمع الوحشي الذي يمارسه النظام ضد شعبه.
الخاتمة
إن الأوضاع المتأزمة التي يواجهها النظام الإيراني على الصعيدين الداخلي والخارجي، تُظهر عجزه عن احتواء الأزمات التي تحاصره. فمع تصاعد الاحتجاجات الشعبية، وتفشي الفساد، واستمرار العقوبات الدولية، وتزايد التوترات الإقليمية، باتت أركان نظام ولاية الفقيه مهددة بالانهيار. وفي هذا السياق، جاءت تظاهرة 8 مارس 2025 في واشنطن كرمز للتضامن العالمي مع الشعب الإيراني، ورسالة تؤكد استمرار النضال من أجل الحرية. ومع استمرار هذا الزخم الشعبي والدولي، يلوح في الأفق مستقبل أكثر ظلمة للنظام، ومستقبل أكثر إشراقًا للشعب الإيراني.
*عضو لجنة الشؤون الخارجية في المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية







