عبد اللطيف حموشي… من مسؤول أمني إلى ركيزة في معمار الأمن الأورومتوسطي

 

لم يكن اللقاء الأمني الثلاثي الذي احتضنته الرباط، يوم أمس الخميس، الذي جمع السيد عبد اللطيف حموشي بالمديرين العامين للشرطة في اسبانيا وألمانيا، مجرد محطة تنسيقية دورية بين أجهزة شرطة صديقة، بل عكس بوضوح تحوّلاً أعمق في تموقع المغرب داخل الخريطة الأمنية الإقليمية، وانتقاله من دور الشريك المتلقي إلى فاعل مركزي يساهم في صياغة أولويات الأمن المشترك بين شمال المتوسط وجنوبه.

في صلب هذا التحول، يبرز اسم عبد اللطيف حموشي، ليس فقط بصفته مديراً عاماً للأمن الوطني ولمراقبة التراب الوطني، بل كأحد مهندسي المقاربة الأمنية المغربية الحديثة، التي تقوم على الاستباق، والفعالية العملياتية، والقدرة على الربط بين الأمن الداخلي والرهانات الجيوسياسية الأوسع.

اختيار الرباط لاحتضان هذا اللقاء، بعد محطة مدريد السابقة، ليس تفصيلاً بروتوكولياً، بل مؤشر على ميزان الثقة داخل هذا المحور الأمني الثلاثي. فحين تنتقل الاجتماعات من عاصمة أوروبية إلى عاصمة جنوبية، فذلك يعني أن مركز الثقل لم يعد حكراً على الشمال، وأن التجربة المغربية باتت تُستحضر كنموذج يُناقَش ويُستفاد منه، لا كحالة تُراقَب من الخارج.

الدور الذي يلعبه حموشي في هذا السياق يتجاوز التنسيق التقني وتبادل المعلومات. الرجل راكم، على مدى سنوات، رأسمالاً أمنياً نادراً، مبنياً على نتائج ميدانية ملموسة في تفكيك الخلايا الإرهابية، وضبط الشبكات الإجرامية العابرة للحدود، وتدبير ملفات معقدة تمس الأمن الأوروبي بشكل مباشر. هذا الرصيد هو ما يجعل حضوره في مثل هذه اللقاءات حضور “صانع رؤية” لا مجرد منفذ سياسات.

الرسالة غير المعلنة التي يحملها هذا اللقاء مفادها أن الأمن في الفضاء الأورومتوسطي لم يعد يُدار بمنطق الوصاية أو التراتبية التقليدية، بل بمنطق الشراكة المتكافئة. والمغرب، عبر أجهزته الأمنية، أصبح يُنظر إليه كحلقة وصل حاسمة بين أوروبا وعمقها الجنوبي، خاصة في ظل تصاعد التهديدات المرتبطة بالساحل والصحراء، وتحوّل هذه المنطقة إلى بؤرة ضغط أمني مستمر.

كما أن إبراز ملفات من قبيل الأمن الرياضي والاستعداد للتظاهرات الكبرى يكشف بعداً آخر في المقاربة التي يقودها حموشي: الانتقال من مفهوم الأمن الصلب إلى أمن شامل، يدمج التكنولوجيا، وتدبير الحشود، وحماية الفضاءات العمومية، ويستبق المخاطر بدل الاكتفاء بردّ الفعل. وهو توجه ينسجم مع رهانات كبرى مقبلة، في مقدمتها كأس العالم 2030، حيث لن يكون الأمن مسألة داخلية، بل اختباراً دولياً للجاهزية والثقة.

في المحصلة، ما جرى في الرباط هو تثبيت لمعادلة واضحة: المغرب لم يعد مجرد شريك أمني ضروري، بل فاعل مؤثر في رسم توجهات التعاون الأمني الإقليمي. وعبد اللطيف حموشي، بما راكمه من تجربة ومصداقية، أصبح أحد العناوين الأساسية لهذا التحول، ورمزاً لمدرسة أمنية مغربية استطاعت أن تفرض نفسها بهدوء، بعيداً عن الضجيج، وقريباً من النتائج.


شارك بتعليقك

شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية
   

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني