
شكل إقصاء المنتخب الجزائري على يد نيجيريا تحولا جذريا في المشهد العام لبطولة كأس الأمم الإفريقية الحالية، حيث انتقلت الأجواء من التوتر المشحون إلى المنافسة الرياضية الصرفة، ومغادرة الفريق الجزائري للبطولة لم تكن مجرد تعثر كروي، بل عملية تطهير ضرورية للفضاء الرياضي القاري من ممارسات وسلوكات تجاوزت حدود الاستفزاز، لتبلغ مرحلة العدوان الممنهج.
وبالعودة إلى تفاصيل الوقائع، يلحظ المتابع لمسار البعثة الجزائرية والمشجعين المؤطرين أمنيا، أن الهدف لم يكن كرة القدم، بل استغلال المحفل القاري لتصريف عقد سياسية ونفسية تجاه المملكة المغربية، فالشعارات المرفوعة والتصريحات العدائية والتحرش المستمر بالبعثة المغربية والإعلاميين المغاربة، كلها مؤشرات تؤكد أننا لسنا أمام حماس جماهيري تلقائي، بل أمام كتائب موجهة تشبعت بعقيدة الكراهية، وهذا السلوك الجمعي المرضي هو النتاج الطبيعي والحتمي لعملية غسيل دماغ استمرت لعقود داخل الجزائر، حيث تحولت المؤسسات الإعلامية والتربوية إلى معامل لإنتاج مواطن مبرمج على العداء للمغرب كأولوية قصوى تسبق حتى مصالحه المعيشية.
خطورة هذا المشهد لا تكمن فقط في الجوار الجغرافي، بل في تقاطعه العضوي مع تيار داخلي يتبنى نفس الآليات ويوظف القاموس ذاته، فالحملات المسعورة التي يشنها النظام العسكري الجزائري عبر ذبابه الإلكتروني وواجهاته الإعلامية، تجد صداها وتطابقها في خطاب عدمي يروج له من يوصفون بالذئاب المنفردة داخل وخارج المغرب.
يكفي تفكيك الخطاب الذي يتبناه حميد المهداوي في خرجاته اليومية، أو ما كان يروج له عمر الراضي وسليمان الريسوني قبل انفضاح ملفاتهم الجنائية، للكشف عن وحدة المصدر والهدف مع الخطاب الجزائري، فكلاهما يعتمد الشعبوية الفجة، وكلاهما يستثمر في السوداوية ويعاني من تضخم في الأنا وصل حد المرض النفسي الذي يصور لهم أنهم محور الكون، وأن الدولة بكل أجهزتها لا شغل لها سوى التآمر عليهم، وهذا التقاطع ليس صدفة، بل هو التقاء موضوعي بين مشروع خارجي يهدف لإضعاف المملكة، وأدوات داخلية تنخر في الجسد الوطني تحت غطاء المعارضة وحرية التعبير.
بناء على ما سبق، فالحالة النفسية التي ظهر بها الجمهور الجزائري وإعلامه الرسمي بعد الهزيمة، والتي تراوحت بين الإنكار الهستيري ونظرية المؤامرة، هي نفسها الحالة التي يعيشها مروجو العدمية في الداخل عند كل نجاح أمني أو دبلوماسي يحققه المغرب، فالنتيجة واحدة، وهي أن نيجيريا قدمت خدمة جليلة للبطولة بإزاحة طرف لا يؤمن بالرياضة، والوقائع اليومية تعري بؤس من يقتاتون على فضلات هذا الخطاب المسموم، سواء كانوا جنرالات في قصر المرادية، أو عدميين يبحثون عن بطولات وهمية خلف شاشات الهواتف.




