أيوب الرضواني بين النقد المشروع وصناعة الإحباط

بقلم هاني المختار
من حق أي مواطن أن ينتقد السياسات العمومية، وأن يطالب بتحسين التعليم والصحة والعدالة الاجتماعية ومحاربة الفوارق المجالية. بل إن هذا حق دستوري لا ينازع فيه أحد.
لكن ما لم يعد مفهوما هو إصرار بعض الأصوات على تحويل كل نجاح يحققه المغرب إلى مادة للتشكيك والتقليل من قيمته، وكأن المطلوب من المغاربة أن يعتذروا عن كل إنجاز لأن قطاعات أخرى لا تزال تحتاج إلى إصلاح.
هذا بالضبط ما يفعله أيوب الرضواني.

ففي كل مرة يحقق فيها المغرب إنجازا رياضيا أو يفوز بتنظيم حدث عالمي أو يطلق مشروعا استراتيجيا، يخرج بمقالات متنوعة من قبيل “سلمني اسلمك” “انا لا افتخر” ” لقجع… فريد يا دولة” ثم يبدأ في عقد مقارنات لا تستقيم لا اقتصاديا ولا سياسيا ولا حتى منطقيا، فيضع ملعبا في مواجهة مستشفى، وخطا للقطار فائق السرعة في مواجهة نفق، ومشروعا رياضيا في مواجهة مدرسة، وكأن ميزانية الدولة عبارة عن صندوق واحد يفتح ويغلق حسب المزاج.
هذه ليست قراءة اقتصادية، بل خطاب شعبوي يقوم على إثارة المشاعر أكثر مما يقوم على تفسير الحقائق. اقول للسيد ايوب الرضواني
إن مشاريع كأس العالم ليست ملاعب فقط، بل تشمل تطوير المطارات والطرق والسكك الحديدية وشبكات الاتصال والنقل الحضري والاستثمارات السياحية والخدمات اللوجستية. وهي مشاريع ستبقى لعقود بعد انتهاء المنافسات، وستستفيد منها أجيال كاملة، تماما كما استفادت دول كثيرة من تنظيم التظاهرات الرياضية الكبرى مثل قطر و البرازيل و اسبانيا.
أما الادعاء بأن كل الأموال التي خصصت لهذه المشاريع كان يجب أن تذهب مباشرة إلى الصحة أو التعليم، فهو تبسيط مخل، لأن ميزانيات الاستثمار تخضع لتخطيط متعدد السنوات، وتمويلات متنوعة، وشراكات مع مؤسسات وطنية ودولية، ولا يمكن اختزالها في معادلة “إما ملعب أو مستشفى”.
المثير للانتباه أيضا أن الرضواني لا يناقش المشاريع في حد ذاتها، بل أصبح يركز بشكل شبه دائم في مقالاته على الوزير المنتدب المكلف بالميزانية فوزي لقجع، بل امتد الأمر إلى شقيقه الأكبر فريد لقجع المدير المساعد للمعهد الحسن الثاني للزراعة و البيطرة في محاولة للتغليط الرأي العام و التركيز على نقاش يفترض أن يكون مؤسساتيا.. مبني على الحجة و الدليل و ليس السرديات.
إن الديمقراطيات تحاسب المسؤولين على القرارات والسياسات والنتائج، لا على المعاطية كما يقول المغاربة. وعندما يتحول النقاش من تحليل السياسات إلى ملاحقة الأشخاص، فإننا نغادر ساحة النقد وندخل منطقة تصفية الحسابات.
صحيح أن المغرب ما زال يواجه تحديات في الصحة والتعليم والتشغيل، ولا أحد ينكر ذلك. لكن الصحيح أيضا أن المغرب يحقق في الوقت نفسه قفزات مهمة في البنيات التحتية والاستثمار والدبلوماسية والرياضة والطاقة والصناعة والسيادة الغذائية.
وليس من الموضوعية أن نلغي نصف الصورة لأن النصف الآخر لم يكتمل بعد.
الدول الناجحة لا تؤجل الاستثمار في المستقبل حتى تحل جميع مشاكل الحاضر، لأنها تعلم أن التنمية عملية متوازية وليست متعاقبة. فلا أحد ينتظر القضاء النهائي على البطالة قبل بناء ميناء، ولا إنهاء جميع مشاكل التعليم قبل إنشاء خط سككي جديد أو مطار أو ملعب رياضي أو منطقة صناعية.
إن أخطر ما في هذا الخطاب ليس أنه ينتقد، فالنقد مطلوب، وإنما أنه يسعى إلى ترسيخ قناعة مفادها أن المغرب لا يحقق أي نجاح يستحق الاعتراف، وأن كل إنجاز مجرد “مكياج”. وهذا خطاب سوداوي يصنع الإحباط أكثر مما يصنع الوعي.
الوعي الحقيقي لا يقوم على إنكار الواقع، بل على قراءته كاملا؛ نعترف بما تحقق، ونطالب بإصلاح ما لم يتحقق، ونحاسب المسؤولين بالأرقام والوقائع، لا بالشعارات والانفعالات.
فالمغاربة قادرون على أن يفرحوا بانتصار منتخبهم، وأن يطالبوا في اليوم نفسه بمستشفى أفضل، ومدرسة أجود، وعدالة اجتماعية أوسع. ولا يوجد أي تناقض بين الأمرين.
الوطنية ليست أن نصفق لكل شيء، لكنها أيضا ليست أن ننكر كل شيء. وبين التهليل الأعمى والتشاؤم المزمن، يبقى صوت العقل هو الطريق الأقرب إلى خدمة الوطن.


شارك بتعليقك

شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية
   

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني