
زكرياء لعروسي
تدخل قضية الصحراء المغربية مرحلة تغير طبيعة الأسئلة المطروحة حولها، فقد ظل النزاع، لعقود، موضوعا تتنازعه المرجعيات التاريخية والقانونية والحسابات الإقليمية، إلى أن أخذ المسار الأممي يتجه نحو البحث في الصيغة السياسية القادرة على إنهائه. ولذلك يكتسب قرار مجلس الأمن 2797، الذي جعل المبادرة المغربية للحكم الذاتي أساسا للمفاوضات، دلالة خاصة تؤكد هذا التحول؛ إذ أصبحت المبادرة موضوعا مركزيا في التصور الأممي للبحث عن تسوية سياسية واقعية ودائمة ومتوافق عليها. وفي مثل هذه اللحظات، تُقدَّم الدول الجادة التي تستطيع أن تصل بين وضوح الموقف والقدرة على إنتاج الحل، وهي لحظات الصدق وقول الحقيقة…!
إنه وقت قول الحقيقة التي لا مفر منها، وهي أن هذا الملف المفتعل ضيع على شمال إفريقيا فرص التنمية والتقدم والازدهار، ضيع على الفضاء المغاربي زمن الثورة التكنولوجية العالمية والفرص الاقتصادية التي باتت تتجاوز حدود الزمان والمكان، وأرهق كاهل المنطقة بأوهام مضطربة تحكمها أحقاد بينة ونزوات شخصية في تغذية وهم الانفصال، بينما ينعم الفضاء الأوروبي المجاور بخيرات التكامل والتعاون، على مختلف المستويات.. ضيعت، بسذاجة وغباء مقصود ممن افتعلوا هذا النزاع، على المنطقة فرصة بناء السلم المستدام.. من صرفوا أموال شعب على مرتزقة الانفصال، وأنهكوا منطقة الساحل والصحراء بعصابات إرهابية إجرامية، حولتها إلى جحيم.. لكن التاريخ لا يرحم، وسيرورته تجعل صوت عقل وحكمة المملكة الشريفة يعلو ويعلو، ويقنع العالم بضرورة إنهاء هذه المسرحية البئيسة، حتى يتجاوز هذا الوضع القاتم، وينهي هذا النزاع الذي عمر طويلا، ويعيد الأمل للذين فتحوا عيونهم في مخيمات الرعب، ويمد يد التعاون والتنمية لشمال القارة.. قارة هي مستقبل العالم الذي يتنافس حولها الكبار…!
لقد راكمت المملكة المغربية الشريفة، بهويتها وغنى روافدها، وعبر دبلوماسيتها وتحركاتها الدولية، بتوجيهات واضحة ومتابعة حكيمة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، (راكمت) رصيدا مهما في صناعة الحل الجدي والواقعي، وأصبح التحدي المطروح يتعلق بكيفية تحويل هذا الرصيد إلى مشروع سياسي متكامل، يمتلك مقوماته القانونية والمؤسساتية، ويستجيب للأسئلة التي ستطرحها التسوية حين تنتقل من مستوى المبادئ إلى مستوى التطبيق، وهو ما مهد له جلالة الملك، حفظه الله، في خطاب افتتاح الدورة البرلمانية، عندما فتح ملف اللامركزية واللاتمركز، وشدد على ضرورة التفعيل والتنزيل.
ويجد الموقف المغربي في التاريخ القانوني للقضية عناصر تستوجب القراءة في سياقها الكامل، ومن المهم استحضار ما أقرته محكمة العدل الدولية، في رأيها الاستشاري الصادر سنة 1975، بوجود روابط قانونية للبيعة بين سلطان المغرب وبعض القبائل التي كانت تقيم في الصحراء المغربية، وربطت في الوقت نفسه مسار تصفية الاستعمار بالتعبير الحر والأصيل عن إرادة السكان.
وتكشف هذه الخلاصة طبيعة قضية تشكلت عند تقاطع التاريخ والسيادة والاستعمار والقانون الدولي، وهي عناصر يتعين استحضارها مجتمعة لفهم تطورها. لأن هذ الخلفية تتيح للطرح المغربي الاستناد إلى روابط تاريخية أثبتتها المحكمة، وإلى تصور سياسي واضح المعالم وقابل للتطبيق (ولم يُقدَّم مخطط في نفس نضجه وجديته)، يعرضه المغرب أساسا للتسوية، وإلى مسار أممي اقتنع بجدية المقترح المغربي، في مسار بحثه عن حل متوافق عليه. وتزداد أهمية هذه المقاربة ارتباطا بقرار مجلس الأمن الأخير وأهمية التأمل في تمفصلاته في ضوء تطور الملف؛ منطلقا من الحجة التاريخية والترابط الهوياتي، والتناسق العرقي القبلي، الممتد من جبل “العلم”، هناك في أقصى الشمال، إلى آخر حبة من رمال صحراء العز والكرامة، وهي الهوية الممتدة المترابطة، والأنساب المتصلة اتصال التاريخ بنفسه، التي لا يمكنها أن تتجزأ ولا يقبل منطقها العرقي والانتمائي ذلك.
ويتعزز ذلك بنضج المرجعية القانونية للموقف المغربي وفق مسار تسوية يحترم الأطر المعيارية وروح الميثاق، ومشروع سياسي نهضوي تنموي يحدد الأفق الذي يمكن أن تتجه إليه التسوية، ويبني جذورها على أسس متينة، قوامها خدمة الإنسان، وبعيدا عن كل أشكال المتاجرة في البشر ومنطق التخويف وقطع الرؤوس الذي ينخر مخيمات الذل والعار، برعاية من افتعل الملف وبذل في سبيله الغالي والنفيس.. مقابل تجويع شعب بأكمله…!
وإيمانا بهذا الصوت.. صوت الحكمة، يكتسب تصويت اللجنة الرابعة للجمعية العامة في 15 أكتوبر 2026 أهمية سياسية تستحق التوقف عندها. فقد حظي مشروع القرار السنوي المتعلق بالصحراء بتأييد 152 دولة، مقابل دولتين صوتتا ضده وسبع دول امتنعت عن التصويت، وفق المعطيات المنشورة حول الجلسة. ولهذا التصويت دلالة هامة نابعة من اتساع التأييد للنص، ومن السياق الأممي الذي أعقب القرار 2797، بما يعزز أهمية التحرك الدبلوماسي المغربي داخل المنظومة الأممية.
وتقتضي القراءة الدقيقة لهذا القرار التمييز بين الأثر السياسي للتصويت والأثر القانوني للقرار؛ فالجمعية العامة تؤدي وظيفة تختلف عن وظيفة مجلس الأمن، كما أن القرار السنوي يظل جزءاً من المسار الأممي الأوسع. ومع ذلك، فإن تراكم المواقف الدولية، الذي يقترن بوضوح المبادرة المغربية واستمرار الانخراط في التفاوض، يمنح المملكة مجالاً أوسع للدفع نحو تسوية تستجيب لمقتضيات الاستقرار وتضع حداً لنزاع استنزف إمكانات المنطقة لعقود.
ويستدعي النقاش حول الحكم الذاتي، أيضا العودة إلى مفهوم تقرير المصير، الذي كثيراً ما جرى اختزاله في صورة سياسية واحدة، وكأنها دعوة إلى الفوضى وإحداث مجموعات يسهل التحكم فيها، وهو المنطق البعيد عن جوهر المبدإ والقريب من ابتكار صيغة للعنف والاقتتال، بينما عرف التطبيق الدولي ترتيبات متنوعة لممارسة الإرادة الجماعية. والمسألة تتصل، في أحد أبعادها الجوهرية، بقدرة السكان على المشاركة في تدبير شؤونهم، وانتخاب ممثليهم، وصناعة السياسات التي تؤثر في حياتهم، وحماية خصوصيتهم الثقافية والاجتماعية. لذلك فالمغرب حين يقدم الحكم الذاتي، فذلك باعتباره تصوراً لممارسة سياسية واسعة لتقرير المصير داخل إطار السيادة المغربية، تتجسد من خلال مؤسسات منتخبة، واختصاصات محددة، ومسؤوليات واضحة، وآليات للمساءلة، وضمانات للحقوق والحريات. وتزداد قوة هذا التصور كلما انتقل من العبارة العامة إلى التفاصيل التي تضعه في سياقه والإجابة عن أسئلة التأسيس: من يقرر؟ كيف توزع الاختصاصات؟ ما حدود السلطة الجهوية؟ وكيف تضمن المشاركة الفعلية للسكان؟ إن الإجابة عن هذه الأسئلة هي التي تعجل المبادرة المغربية في سياق مضمونها المؤسسي، وتجعلها أساسا واقعيا وجادا قابلا للتفاوض على أساس تصور واضح لمستقبل الإقليم. ولم يكن يوما تقرير المصير هو إيجاد بنية هشة يسهل التحكم فيها…!
وتنتظر الحكومة المغربية المعينة مسؤولية كبيرة في هذا المجال، لأن الحكم الذاتي، في نهاية المطاف، قضية تتصل ببنية الدولة وبطريقة تنظيم السلطة داخلها. فالمبادرة التي تقدمها الدبلوماسية إلى المجتمع الدولي تحتاج إلى جهود في الداخل، قوامه جهوية متقدمة ذات مؤسسات فاعلة، ونخب مؤهلة، وإدارة قادرة على تدبير اختصاصات واسعة، وموارد مالية موزعة وفق قواعد واضحة، وحياة سياسية تتيح التمثيل والمساءلة. والحكومة المقبلة مطالبة بأن تجعل من تطوير الجهوية ورشاً ذا أولوية، مع إيلاء الأقاليم الجنوبية عناية مؤسساتية تراعي موقعها في مسار التسوية. ويشمل ذلك تكوين المنتخبين والأطر الإدارية، وتطوير الخبرة في القانون العام والمالية العمومية والتخطيط الترابي، وتعزيز المشاركة المحلية، وربط التنمية بإنتاج فرص الشغل وتحسين الخدمات وتوسيع إمكانات المبادرة الاقتصادية.
وتتصل بهذه المسألة قضية النخب والخصوصية الثقافية الحسانية، وهي من العناصر التي ستحدد مدى قدرة الحكم الذاتي على اكتساب معنى اجتماعي وسياسي. فكل نظام للحكم يحتاج إلى موارد بشرية تستطيع ممارسة اختصاصاته، وإلى ثقافة سياسية تتيح التنافس وتحمل المسؤولية، وإلى مؤسسات تعكس التعدد الاجتماعي والثقافي داخل المجال الوطني. وتقتضي المرحلة المقبلة العناية بكفاءات أبناء الأقاليم الجنوبية في القانون والاقتصاد والإدارة والسياسات العمومية، مع توسيع حضور الثقافة الحسانية في التعليم والثقافة والإعلام، وصيانة الذاكرة المحلية وإدماجها في السردية الوطنية.
وفي موازاة ذلك، يكتسب الملف الإنساني المرتبط بمخيمات تندوف أهمية خاصة، في ضوء الدعوات المغربية إلى حلول دائمة تقوم على الاختيار الحر والطوعي، بالتنسيق مع المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، وهو ما دعا إليه ديميستورا في تصوره الأخير، وتحتاج هذه المقاربة إلى ترتيبات عملية تراعي الحقوق والكرامة، وتتناول مسائل العودة والإدماج والسكن والعمل والخدمات الأساسية، بما يهيئ شروطاً اجتماعية ملائمة للتسوية. فأي حل إلا ويرتبط بقدرته على بناء الثقة، وإتاحة المشاركة، وتوفير أفق واضح للأفراد والأسر التي عاشت في ظلمة مخيمات الذل.
ولعل الرهان الأعمق الذي دخل غماره المغرب في هذه المرحلة يتمثل في الانتقال من الدفاع عن مبادرة الحكم الذاتي إلى إعداد شروط نجاحها. فالتطور الذي عرفه المسار الأممي يفتح مجالاً لتقديم تصور أكثر تفصيلاً بشأن المؤسسات والاختصاصات والموارد والضمانات، ويتيح للحكومة المقبلة أن تجعل من الجهوية المتقدمة مجالاً لتطوير الممارسة السياسية والإدارية، وأن تمنح النخب المحلية دوراً أكبر في صناعة القرار، وأن تربط التنمية بالمشاركة والتمثيل. ومن شأن هذا التوجه أن يعزز الموقف المغربي في التفاوض، لأنه يضع أمام المجتمع الدولي تصوراً قابلاً للفحص والتطوير، ويجيب عن الأسئلة التي ستطرحها مرحلة تنفيذ التسوية.
إن قوة المبادرة السياسية تظهر حين تمتلك صورة واضحة للمرحلة المقبلة، وحين تستطيع أن تجمع بين وحدة الدولة وفعالية المؤسسات وحقوق السكان واستقرار المجال. ومن هنا، فإن قضية الصحراء تضع أمام المغرب فرصة تتجاوز إنهاء النزاع؛ إنها تتيح تطوير نموذج متقدم في تنظيم العلاقة بين الدولة والجهة، وبين الوحدة الوطنية والتنوع الثقافي.




