النظام الإيراني وحلفاؤه في المنطقة: من يخدم مصالح من؟
منى سالم الجبوري
لم تعد العلاقة بين النظام الإيراني والقوى الحليفة له في المنطقة مجرد شبكة من التحالفات السياسية والأمنية، بل أصبحت موضع تساؤل متزايد بشأن تأثيرها في استقلال القرار الوطني ومصالح الشعوب. ففي العراق ولبنان واليمن، يبرز سؤال جوهري: هل تستطيع هذه البلدان تحديد أولوياتها بعيدا عن حسابات الصراع الإقليمي الذي تخوضه طهران، أم أن ارتباط بعض القوى المحلية بالمشروع الإيراني يجعل مستقبلها أكثر عرضة للتأثر بأزمات النظام الإيراني وحساباته؟
من الضروري هنا التمييز بين طرفين، وإن كانت مصالحهما تتقاطع في جوانب عديدة: النظام الإيراني الذي يسعى إلى حماية نفوذه الإقليمي وتعزيزه، والقوى المحلية الحليفة له التي تعمل داخل مجتمعاتها، وتمتلك بدورها مصالح سياسية وعسكرية واجتماعية خاصة. فهذا الارتباط لا يعني أن كل قرار يصدر عن هذه القوى يأتي بأمر مباشر من طهران، لكنه يطرح تساؤلات مشروعة حول حدود استقلالها، ومدى تقديمها المصالح الوطنية على مقتضيات التحالف الإقليمي.
إيران ومشروع النفوذ الإقليمي
عملت طهران، على مدى عقود، على بناء علاقات مع أحزاب وجماعات سياسية ومسلحة في عدد من دول المنطقة، مستفيدة من الروابط الأيديولوجية والمصالح الأمنية والسياسية المشتركة. وقد مثّلت هذه العلاقات أحد عناصر نفوذها الإقليمي، وأتاحت لها التأثير في ملفات تتجاوز حدودها الجغرافية.
لكن من الخطأ اختزال جميع القوى المرتبطة بإيران في صورة واحدة؛ فلكل منها ظروف نشأتها وقاعدتها الاجتماعية وأهدافها المحلية. ومع ذلك، فإن تقاطع مصالحها مع الاستراتيجية الإيرانية يثير إشكالية عندما تصبح القرارات المحلية مرتبطة بمواجهة إقليمية أوسع، أو عندما تتحمل المجتمعات نتائج خيارات لا تملك تأثيرا كافيا في تحديدها.
وهنا ينبغي التمييز بين حقيقة وجود تحالفات إقليمية، وبين الاستنتاج القائل إن طهران تتحكم بصورة مطلقة في جميع قرارات حلفائها. فالأولى يمكن إثباتها من خلال العلاقات والمواقف المعلنة، أما الثانية فتحتاج إلى أدلة محددة تتعلق بكل جماعة وقرار على حدة.
العراق: النفوذ الإيراني واستقلال القرار الوطني
في العراق، تتمثل الإشكالية في وجود فصائل مسلحة ترتبط بدرجات متفاوتة بإيران، وتمتلك بعضها نفوذا سياسيا وأمنيا. ولا تكمن المسألة في علاقاتها بطهران وحدها، بل في مدى خضوع نشاطها المسلح للمؤسسات الدستورية العراقية، وقدرة الدولة على احتكار قرار الحرب والسلم.
ومن منظور نقدي، يمكن القول إن استمرار تعدد مراكز القوة يضعف قدرة الحكومة على اتخاذ قرارات مستقلة، خصوصا عندما تتعارض حسابات بعض الفصائل الإقليمية مع رغبة بغداد في تجنب التصعيد. لكن ذلك لا يعني أن جميع الفصائل تتبنى المواقف نفسها أو أن كل تحرك لها يصدر عن توجيه إيراني مباشر.
إن مسؤولية النظام الإيراني تتمثل في طبيعة الدور الذي يؤديه في دعم حلفائه وتوسيع نفوذه، بينما تتمثل مسؤولية القوى العراقية نفسها في قراراتها وممارساتها داخل البلاد. أما المسؤولية الوطنية الأوسع، فتقتضي إخضاع السلاح لسلطة الدولة وضمان أن تكون مصالح العراقيين هي المعيار الأساسي للقرار السياسي والأمني.
لبنان: حسابات طهران وقرارات حزب الله
في لبنان، يرتبط النقاش بعلاقة حزب الله بإيران، وبما يمتلكه الحزب من قدرات عسكرية ونفوذ سياسي مستقلين جزئيا عن مؤسسات الدولة. وقد أثار هذا الواقع خلافا لبنانيا واسعا بشأن الجهة التي ينبغي أن تحدد قرار الحرب والسلم، وحول الكلفة التي يتحملها المجتمع نتيجة المواجهات العسكرية.
ومن المهم عدم الخلط بين مصالح إيران الإقليمية ومصالح حزب الله المحلية، حتى مع وجود روابط وثيقة بين الطرفين. فطهران تنظر إلى علاقتها بالحزب ضمن حساباتها الاستراتيجية، بينما يعمل الحزب أيضا انطلاقا من اعتبارات لبنانية وأيديولوجية وسياسية خاصة به.
لكن هذا التمييز لا يلغي السؤال الأساسي: إلى أي مدى تتوافق خيارات الحزب العسكرية مع مصالح لبنان بوصفه دولة ومجتمعا؟ وهل يمتلك اللبنانيون، عبر مؤسساتهم الدستورية، القدرة الفعلية على تقرير مستقبلهم الأمني؟
إن حق اللبنانيين في طرح هذه الأسئلة لا يتوقف على اتفاقهم أو اختلافهم بشأن دور الحزب، بل يستند إلى حقهم في حماية بلدهم من أن يصبح ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية.
اليمن: بين أهداف الحوثيين وحسابات إيران
في اليمن، يتداخل الصراع المحلي مع التنافس الإقليمي، وتبرز علاقة الحوثيين بإيران بوصفها أحد عناصر هذا المشهد. غير أن الحركة تمتلك أيضا جذورا يمنية وحسابات داخلية لا يمكن تفسيرها جميعا من خلال علاقتها بطهران.
وتكمن مسؤولية إيران في حدود ما تقدمه من دعم وتأثير في مسار الصراع، بينما تتحمل قيادة الحوثيين مسؤولية قراراتها السياسية والعسكرية وما يترتب عليها من آثار داخل اليمن. ولا يصح استخدام النفوذ الإيراني لإعفاء الفاعلين المحليين من مسؤولية خياراتهم، كما لا يصح تجاهل أثر الدعم الخارجي في إطالة النزاعات أو توسيع نطاقها عندما تتوافر أدلة على ذلك.
وفي نهاية المطاف، يحتاج اليمنيون إلى تسوية تنهي الحرب وتعيد بناء مؤسسات الدولة، وتضع الأمن الغذائي والخدمات وكرامة المواطنين فوق حسابات التصعيد. وهذا المطلب لا يستهدف إيران وحدها، بل يشمل جميع الأطراف المحلية والإقليمية التي تسهم في استمرار الصراع.
الشعوب وشرعية القوى المرتبطة بالخارج
من الصعب الجزم بأن شعوب العراق ولبنان واليمن ترفض جميعها القوى الحليفة لإيران، أو أنها أصبحت أكثر كراهية لها من أي وقت مضى، من دون الاستناد إلى استطلاعات حديثة وموثوقة. فالمواقف داخل كل مجتمع متباينة، وقد يجمع بعض المواطنين بين تأييد دور اجتماعي أو سياسي لجماعة معينة وانتقاد خياراتها العسكرية أو علاقاتها الخارجية.
لكن من المشروع الاستنتاج أن استمرار الأزمات الاقتصادية والأمنية، وتراجع قدرة الدولة على حماية مواطنيها، قد يزيدان المطالبة بمراجعة دور القوى المسلحة وعلاقاتها الإقليمية. كما أن انتقاد النفوذ الإيراني لا يعني بالضرورة رفض العلاقات مع الشعب الإيراني أو العداء لإيران بوصفها دولة؛ فالمسألة تتعلق بسياسات النظام الإيراني وممارسات حلفائه، لا بالشعوب وهوياتها.
الخلاصة: استقلال القرار معيار العلاقة
إن المشكلة الأساسية ليست في وجود علاقات بين إيران وقوى سياسية في المنطقة، بل في مدى احترام هذه العلاقات لسيادة الدول وحق شعوبها في تحديد مستقبلها. فالنظام الإيراني مسؤول عن سياساته الإقليمية وما يترتب عليها من آثار، والقوى الحليفة له مسؤولة عن قراراتها وممارساتها داخل بلدانها، ولا ينبغي دمج المسؤوليتين أو استخدام إحداهما لتبرير الأخرى.
إن حق شعوب العراق ولبنان واليمن في تقرير مصيرها لا يتعارض مع إقامة علاقات مع إيران، لكنه يتعارض مع تحويل هذه العلاقات إلى قيد على استقلال القرار الوطني. فليس من حق طهران أن تجعل أزمات مشروعها الإقليمي معيارا لمصالح شعوب أخرى، وليس من حق أي قوة محلية أن تضع حسابات تحالفاتها فوق أمن مواطنيها ومستقبلهم.
ويبقى المعيار الأوضح لأي تحالف إقليمي هو ما يقدمه من استقرار وأمن وازدهار، لا مقدار ما يوسعه من نفوذ أو ما يرفعه من شعارات. وحين تتعارض حسابات المحاور مع مصالح المجتمعات، فإن الأولوية ينبغي أن تكون للدولة الوطنية ولمواطنيها، لأن الشعوب هي التي تدفع الثمن الأكبر عندما يتحول الخلاف الإقليمي إلى صراع مفتوح.




